كلمة منفعة
التفكير النظري هو مجرد فكر بلا خبرة، بلا دراسة ميدانية للواقع وما فيه.. يتخيل هذا التفكير أن الأمور تسير طبيعية جدا بلا معطلات في الطريق..! تسير حسب قوانين معينة يضعها هذا المفكر في ذهنه.
— التفكير النظري والحياة العملية

اسفار المكابيين

اسفار المكابيين، أسفار المكابيين
حجم الخط
أسفار المكابيين
تروي أسفار المكابيين أحداث الصراع اليهودي بزعامة الأسمونيين ( المكابيين ) ضد الحكام السلوقيين، لتحقيق الاستقلال الدينى والسياسي. ففي القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد ، تعرض اليهود للاضطهاد من البطالمة ثم من السلوقيين ، وبخاصة في عهد أنطيوكس الرابع ( إبيفانس ). ويحسب سفرا المكابيين الأول والثاني من الأسفار غير المتفق عليها وتسميها الكنائس التقليدية القانونية الثانية . وتتباين هذه الأسفار في صحتها التاريخية ومحتوياتها وأسلوبها.
أولا- سفر المكابيين الأول :
(أ) العنوان : في أواخر القرن الثاني ، استخدم اسم المكابيين عنواناً لسفري المكابيين الأول والثاني. ومن المحتمل أنه كان يطلق على المكابيين الثاني فقط ، حيث أن يهوذا - وهو الملقب بالمكابي- هو الشخصية البارزة في المكابيين الثاني، بينما يقاسمه إخوته فى الأحداث المذكورة في المكابيين الأول.
ويؤكد يوسيفوس ( المؤرخ اليهودى ) أن متتياس أبا يهوذا وإخوته الأربعة، كان من نسل حسمونس ، وحيث أن التلمود يشير إلى هذه العائلة الشهيرة باسم الحسمونيين ، فمن المحتمل أن العنوان الأصلي للسفر، كان سفر بيت الحسمونيين ، وقد استخدمه يوسيفوس كأحد المصادر التاريخية. وأطلق أوريجانوس على سفر المكابيين الأول ( ويبدو أنه كان السفر الوحيد الذي عرفه من أسفار المكابيين ) اسم سار بيت سابا نويل وهي عبارة تبدو أرامية، يقول عنها دالمان ( Dalman ) إنها محرفة من الكلمات الأرامية سفر بيت الحشمونيين . كما كان يسميه الربيون . أما في المخطوطات اليونانية، فتسمى كلها باسم المكابيين . ولا يوجد في الفولجاتا اللاتينية ، إلا السفران الأول والثاني.
والاسم المكابي هو على وجه التحديد لقب (( يهوذا )) الذي يذكر عادة بهذا اللقب في سفر المكابيين الثاني. ولكن هذا اللقب أصبح يطلق على كل الأسرة.
(ب) قانونية السـفر : حيث إن الفولجاتا لا تحتوى إلا على السفرين الأول والثاني ، فإن مجمع ترنت لم يعترف إلا بهما . ويبدو أن سفر المكابيين الأول كان يستخدم كثيراً فى الكنيسة المسيحية في العصور الأولى، كما يبدو ذلك من كثرة الإشارات إليه والاقتباس منه فى كتابات ترتليان ( المتوفى فى 220م.) ، وأكليمندس الاسكندري (المتوفي حوالى 220م)، و هيبوليتس ( المتوفى فى 235م.)، وأوريجانوس ( المتوفى في 254م) .. إلخ . ويقول أوريجانوس إن سفر المكابيين الأول ليس سفراً قانونياً، كما أنه لا يذكر في قائمة الأسفار القانونية كما ذكرها أثناسيوس ( المتوفى في 373م.) ، كما يذكره كيرلس الأورشليمي ( المتوفى في 386م.)، ولا جريجورى النازينزي ( المتوفى في 390م.). وفي الواقع لم يعتبر أي سفـر من أسفار المكابيين سفراً قانونياً ، قبل مجمع ترنت ( 1553م. ) الذي منح هذا الوضع للسفرين الأول والثاني. ولكن الكنائس البروتستانتية لا تعترف بأن الأسفار الأبوكريفية أسفار قانونية.
(ج) محتويات السفر : يعطينا السفر أول كل شئ لمحة سريعة عن حكم الاسكندر الأكبر وتقسيم مملكته عند موته بين قواده. وهكذا ذُكر أصل الأسرة السلوقية. ثم يبدأ في تقديم تاريخ الأمة اليهودية من وقت تولي أنطيوكس الرابع عرش سورية (175ق.م.) إلى موت سمعان المكابي ( 135ق.م. ) ، فيروي أحداث هذه الأربعين السنة على التوالي تقريباً. ومحتويات سفر المكابين الثاني ، فتتناول نفس الأحداث. ولكننا نستطيع أن نرى بسهولة الفرق في طريقة السرد البسيطة في المكابيين الثاني، فالانتصارات المنسوبة لبطولة وشجاعة المكابيين فى السفر الأول، تنسب إلى عوامل خارقة ، لتدخل الله ، في المكابيين الثاني (ارجع إلي 1مـك 4: 1و 2مــك 8: 23, 24 ).
(د) أقسـامـه : يمكن تقسيم سفر المكابيين الأول إلى الأقسام الآتيـة:
(1) 1: 1-10- قصة اعتلاء أسرة السلوقيين لعرش سورية.
(2) 1: 11-16: 24- تاريخ اليهود من 175ق.م. إلــى 135ق.م.
· 1: 1-64 - مقدمة، فبعض اليهود مالوا إلى تبني العوائد اليونانية. هدف أنطيوكس من محاولة هزيمة مصر والقضاء على الديانة اليهودية باعتبارها أساس تمرد اليهود. ثم تنجيسه هيكل اليهود واستشهاد الكثيرين من اليهود الأمناء.
· -2: 1-70- ثورة متتياس كاهن مودين.
· - 3: 1-9: 22- قيادة يهوذا المكابي بعد موت أبيه، وانتصاراته الباهرة على السلوقيين- تطهير الهيكل - موت أنطيوكس الرابع (إبيفانس ) واعتلاء أنطيوكس الخامس ( أوباتور- 164ق.م. ). تولى ديمتريوس الأول عرش سورية، وألكيمس اليهودي والرومان. هزيمة اليهود في لاشع وموت يهوذا المكابي (161ق.م.)
· -9: 23-12: 53- انتخاب يوناثان الابن الخامس لمتتياس، للقيادة ليحل محل أخيه يهوذا. يوناثان يصبح رئيساً للكهنة. تحقيق الاستقلال السياسي لليهودية.
· - 13: 31-16: 24- حطم سمعان ( أخي يوناثان ) الذي تميـز بالسلام والازدهار، وتولى ابنه يوحنا هركانــس ( 135ق.م. )
(هـ) تاريخية السفر : يكاد العلماء يجمعون على أن كاتب سفر المكابيين الأول أعطانا تاريخاً صحيحاً ودقيقاً، فأسلوبه البسيط الصريح يوحي بالثقة، ولا يترك مجالاً للشك في أنه يقدم لنا تاريخا من منابعه الأولى، عن الفترة التي يغطيها ( 175-135ق.م.) . وهو أول تاريخ يهودي يؤرخ للأحداث من نقطة ثابتة، هي بدء تولي الأسرة السلوقية الحكم، أي من عام 312 ق.م. كما أنه يشير كثيراً إلى معونة الرب لهم ( 2: 51-61، 3: 18، 4: 10, 11، 9: 46، 16: 3 ).
وتوجد في سفر المكابيين الأول صلوات وأحاديث ووثائق رسمية مثل تلك التى في سفري عزرا ونحميا، وليس ما يدعو للشك في صحتها .
فبالنسبة للصلوات ( 3: 50-54، 4: 30-33 )، والأحاديث ( 2: 7-13،
2: 50-68، 4: 6-11 .. إلــخ ) ليـس ثمة سبب قوي للشك في أصالتها . ويوجد في السفر - على أي حال - عدد كبير من الوثائق الرسمية مما يدفع بالكثير من النقاد الآن للشك في صحتها.
وهذه الـوثائــق هـــي :
( 1) - كتاب يهود جلعاد إلى يهوذا (5: 10-13 ).
( 2) - المعاهدة بين الرومان واليهود، التى كتبت على ألواح نحاسية وأرسلت إلى يهوذا ( 8: 22-32 ).
( 3) - رسالة من الملك الاسكندر إلى يوناثان ( 10: 18-20 ).
(4 ) - رسالـة من الملك ديمتريوس الأول إلى يوناثان ( 10: 25-45 ).
(5 ) - رسالة من الملك ديمتريوس الثاني إلي يوناثان ( 11: 30-37 ) ومعها خطابه إلى لسطانيس ( 11: 31-37).
(6 ) - رسالة من الأمير الصغير أنطيوكس إلى يوناثان وتعيينه رئيســاً للكهنــة (11: 57 ).
( 7) - رسالة من يوناثان إلى الإسبرطيين طلباً للتحالف معــهم
( 12: 5-8 ).
(8 ) - رسالة من آريوس ملك إسبرطة إلى أونيا الكاهن الأعظم ( 12: 20-23 ).
( 9) - رسالة من الملك ديمتريوس الثاني إلي سمعــان ( 13: 36-40 ).
(10) رسالة من الإسبرطيين إلى سمعان (14: 20-24 ).
(11) إقرار من اليهود بالاعتراف بخدمات سمعان وإخوته ( 14: 27-45 ).
(12) كتب من أنطيوكس السابع ( سيدتس ) إلى سمعان ( 15: 2-9 ).
(13) رسالة من لوكيوس قنصل ( وزير ) الرومانيين إلى بطلماوس ملك مصر ، يطلب فيها حماية اليهود ( 15: 16-21 ). وأرسلت صورة منها إلى سمعان ( 15: 24 ).
وفيما مضى لم تكن هذه الوثائق موضع شك ، كما لا تزال فى الدوائر الرومانية. وعلى أي حال، فهي ليست سوى ترجمات عن ترجمات أخرى، لأنها لابد كتبت أصلاً باليونانية واللاتينية، وترجمها الكاتب إلى العبرية. وما لدينا الآن إنما هو ترجمة يونانية للترجمة العبرية. ولكن معظم العلماء الآن يرفضونها على أساس أنها تدعي صدورها من الرومان( الرسالتان 2، 3 )، ومن الإسبرطيين (الرسالتان 8، 10 )، وكذلك رسالة يوناثان إلى الإسبرطيين (الرسالة7 )، فهى غير دقيقة تاريخياً ، إذ كيف يمكن لقنصل واحد أن يصدر مرسوماً باسم الجمهورية الرومانية ( الرسالة 13 ) ؟ وفي الرسالة الثامنة يكتب ملك الإسبرطيين نيابة عن شعبه إلى أونيا رئيس الكهنة ، بينما يكتب الولاة عن الإسبرطيين نيابة عن شعبه إلى سمعان ( الرسالة 10 ) ، فلماذا هذا الاختلاف ؟
وعلاوة على ذلك فإنه في 12: 21 يقول إن الإسبرطيين واليهود إخوة من نسل إبراهيم وكذلك في 14: 20، وهو ما يجافي الحقيقة. ومع أن هذه الوثائق والبعض غيرها يمكن إثبات عدم أصالتها في وضعها الحالي، إلا أنه يبدو أنها دليل على حدوث مفاوضات من هذا النوع، أي أن اليهود كاتبوا الرومانيين والإسبرطيين. وأن يهود جلعاد كتبوا رسالة خطية إلى يهوذا (الرسالة 1) . ولا شك في أن الإسكندر بالاس كتب إلى يوناثان .. إلــخ، ولو أن كاتب سفر المكابيين الأول يكتب بأسلوبه الخاص ، ويصبغ العبارات بتوجهاته الدينية والقومية.
(و) جهة نظر الكاتب وهدفه : مع أننا نجهل اسم الكاتب ، إلا أن السفر نفسه يحمل الدليل القاطع على أن الكاتب كان ينتمي للصدوقيين الذين كانوا الحزب المقبول عند الأسمونيين . وواضح أن هدف الكاتب كان تاريخياً وقومياً ، إلا أن توجيهاته الدينية واضحة بطريقة مباشرة، وطريقة غير مباشرة :
(1) لا يشار إلى الله إلا بإله السماء ( 3: 18 )، أو السماء فقــط (3: 19, 50, 60, 4: 10, 55 ، 12: 15 .. إلـــخ ) ، وهو ما يتفق مع توجهات الصدوقيين.
(2) إن الكاتب شخص محب لوطنه ومتدين يعتقد أن شعبه هم الذين اختارهم الله ليحقق بهم أهدافه .
(3) إنه ناموسي مدقق يعتقد أن من واجب كل يهودي أن يحفظ الناموس ووصاياه ( 1: 16, 25, 48 , 49 ,55 ,60 , 63، 2: 20-22, 27, 42, 46,48, 50، 3: 2 .. إلــخ). ويستنكر كل محاولة لإجبار اليهود على تدنيس السبت والأعياد ( 1: 45). وأكل طعام غير طاهر ( 1: 65)، والذبح للأوثان ( 1: 45). ومع ذلك فإن التساهل النسبي فى حفظ السبت ( 2: 41) يتفق مع ما قاله الرب يسوع من أن السبت إنما جُعل لأجل الإنسان ، لا الإنسان لأجل السبت (مـر 2: 27)، وهو ما يتفق أيضاً مع رأي الصدوقيين، ولكنه يتعارض مع رأى الفريسيين.
(4) يبين السفر أن عصر الوحي قد انتهى ، وأن الأسفار المقدسة التي كانت في أيديهم ، هي المصدر الوحيد للتعزية في الحزن والضيق ( 12: 9 ).
(5) لم تكن رياسة سمعان للكهنوت موضع تساؤل ، رغم تعارضها مع ما جاء في الشريعة من أن الكهنوت وقف على سبط لاوي، بل وعلى عائلة هرون فحسب ، وهو ما يتفق مع التوجيهات العامة للصدوقيين.
(6) لا توجد بالسفر أي إشارة إلى الرجاء المسياني ، رغم كل ما جاء عنه في الأنبياء، وما كان يؤمن به الفريسيون. وما جاء فى 2: 47 إنما يشير إلى الاعتقاد بأنه يوما ما ستملك أسرة داود . ولعل الكاتب كان يرى أن هذا الرجاء كان قد تحقق في الأسمونيين.
(7) لا توجد بالسفر أيضاً أي إشارة إلى التعليم بقيامة الأموات أو الى التعليم بخلود النفس، رغم أننا نعلم أن اليهود في ذلك الوقت كانوا- بعامة- يؤمنون بالأمرين ( ارجع إلى دانيـال 2: 3، 2مك 7: 9, 11, 14, 29 ). ونحن نعلم أن الفريسيين كانوا يؤمنون بالقيامة ( أع 23: 6 ). وقد خاض المكابيون المعارك ، وواجهوا الموت بلا خوف، لانهم كانوا يؤمنون بذلك.
كل هذه الأمور في سفر المكابيين الأول تجعل من المرجح جداً أن الكاتب كان من جماعة الصدوقيين.
(ز) التاريـخ : لابد أن سفر المكابيين الأول كتب قبل الغزو الروماني بقيادة بومبي، حيث أن الكاتب يقول إن الرومانيين كانوا حلفاء بل وأصدقاء لليهود ( 8: 1, 12، 12: 1، 14: 40). أي أن السفر كان قد كتب قبل عام 63ق.م. وهي السنة التي فتح فيها بومبي أورشليم ، فأصبحت اليهودية ولاية رومانية. علاوة على ذلك ، فإن الأحداث التاريخية المذكورة في السفر ، تنتهى بموت سمعان ( 16: 16 ) أي في 135ق.م. أي أن السفر كُتب فيما بين 135ق.م. ، 63ق.م. ولكن 16: 18-24، يتضمن أن يوحنا هركانس ( الذي توفي 105ق.م.) ، كان قد خلف سمعان منذ بعض الوقت، كما يرجح بعض العلماء أن 1مك 16: 23، يدل على أن يوحنا هركانس كان قد مات عند اكتمال هذا السفر ، فعبارة (( وبقية أخبار يوحنا وحروبه .. )) هي العبارة التى تختم عادة بها حياة الملوك ( ارجع الى 1مك 11: 41، 2مل 10: 34 .. إلخ). ونقرأ في 1مل 13: 30 أن النصب الذي أقامه سمعان في 143ق.م. تذكاراً لأبيه وإخوته، كان ما زال قائماً في كتابة السفر ، أي بعد نحو 30 سنة من إقامته ، وهذا يأتي بنا إلى 113ق.م. علاوة على أن مدح سمعان ( المتوفى في 135ق.م. ) ، وحكمه الذي تميز بالسلام
( 14: 4-15 ) يعطينا الانطباع بأنه كان قد مضى الكثير على وفاته. وعليه قد لا نخطئ كثيراً إذا قلنا أن سفر المكابيين الأول قد كتب في أوائل القرن الأخير قبل الميلاد أي فى نحو 80ق.م.
(ح) المصادر : يقول توري إن سفر المكابيين الأول هو بقلم شخص عاصر كل صراع المكابيين من بدايته ، أي أن الكاتب لم يعتمد في كتابته للسفر على مصادر خارجية. ورغم ذلك فلابد من القول بأنه كانت لديه مصادره المسجلة بمعرفته، وإلا لما كتب الأوصاف والتواريخ بكل هذه الدقة. ويمكن الاستنتاج بحق من 9: 22، 16: 23، ومن العادة في العصور القديمة، أنه كانت توجد سجلات محفوظة في الهيكل أو في أماكن أخرى، ولعلها كانت تشتمل على سجلات الدولة المشار إليها مراراً، والأحاديث والصلوات. لكن الكاتب لا يذكر مصادره على غير ما فعل كتبة الأسفار التاريخية القانونية في العهد القديم ( أسفار صموئيل والملوك وأخبار الأيام ). ولعل الكاتب كان يحتفظ بنوع من المذكرات الشخصية ، سجل فيها الأحداث التى عاصرها ، كما أن التقليد الشفوى المحفوظ على شكل قصائد وأناشيد كان - ولابد - مصدراً هاماً.
(ط) اللغة الأصليـة : يذكر كل من أوريجانوس وجيروم أن في أيامهما كان الكتاب موجوداً باللغة العبرية، والأرجح أن المقصود بذلك هي الأرامية الفلسطينية التي كانت مثل سنتين من الأيام ( 1: 30 )، وشهراً فشهـراً ( 1: 61 )، وأهل القلعــة ( 4: 2 ) .. .. إلــخ
(ى) النصوص والترجمات : لابد أن النص العبري الأصلي لسفر المكابيين الأول ، قد فقد منذ وقت مبكر جداً، حيث لا دليل لدينا على استعانة أي كاتب به، ولو أن هناك من يقول إن يوسيفوس قد استعان به رغم وجود الكثير من الأدلة على غير ذلك.
أما النص اليوناني الذي أخذت عنه كل الترجمات الأخرى تقريباً، فهو موجود في كل مخطوطات الترجمة السبعينية.
وتوجد له ترجمة لاتينية في الفولجاتا ( ترجمة جيروم ) وهي تتطابق- إلى حد بعيد- مع الترجمة اللاتينية القديمة، وتكاد تكون ترجمة حرفية من اليونانية. أما مخطوطة ساباتييه التى نشرت في 1743 م. فهي ترجمة لاتينية للأصحاحات الثلاثة عشر الأولى، ومع أنه من الواضح أنها قد ترجمت عن اليونانية، إلا أنها تختلف عن الفولجاتا في نقاط عديدة. والأرجح أنها أقدم من اللاتينية القديمة، ومن ثم فهي أقدم من الفولجاتا.
وتوجد مخطوطتان في السريانية، أفضلهما التي طُبعت فى باريس في النسخة متعددة اللغات. والثانية تختلف عن الأولى فى جوانب كثيرة، وهي موجودة فى إحدى نسخ البشيطة ( 1876- 1883م)، مع أنها بدورها مترجمة عن اليونانية.
ثانياً :- سفـر المكابيين الثانــي:
(أ) العنوان : أول من ذكر وجود هذا السفر بهذا الاسم هو يوسابيوس المؤرخ الكنسي، كما يذكره أيضا جيروم بهذا الاسم أيضاً.
(ب) قانونيته: في الكنيسة الأولى لم يكن هذا السفر يحظى بنفس التقدير الذي كان للمكابيين الأول . وكان أوغسطينوس هو الوحيد بين آباء الكنيسة الذي رآه جديراً بالاعتبار، رغم أنه في نزاعه مع الدوناتستيين الذين استندوا إليه، قال عنه إنه سفر لم يُقبل مطلقاً بين الأسفار القانونية. ولكن لوجود سفري المكابيين الأول والثاني في الفولجاتا اللاتينية، فقد اعترفت بهما الكنيسة الكاثوليكية في مجمع ترنت (1553م).
(ج) المحتويات : (1) 1-2: 19- رسالتان من اليهود في أورشليم إلى إخوتهم في مصر لحثهم على أن يعيدوا أيام المظال التى فى شهر كسلو
( عيد تطهير الهيكل- 1: 9, 18 )، وبشكل عام أن يحفظوا الشريعة التى أعطاها لهم الله على يد موسى . ويبدو أن الرسالتين كان الدافع إليهما هو غرس محبة يهود مصر للهيكل فى أورشليم وتقديسه، إذ كانوا معرضين للانصراف عنه للهيكل الذي أقاموه فى ليبونتوبوليس في مصر. ولا علاقة لهاتين الرسالتين بباقى أجزاء السفر. وواضح أنهما زائفتان. ولا شك فى أنه بعد كتابة سفر المكابيين الثاني ، قام الكاتب أو شخص آخر بكتابة هاتين الرسالتين ووضعهما في مقدمة السفر.
(2) 2: 20-32. مقدمة لباقي السفر. ويزعم الكاتب أو من قام بتلخيص الكتاب، أن تاريخه ( من الأصحاح الثالث إلى نهاية السفر ) هو ملخص لخمسة كتب كتبها ياسون القيرواني(2: 24 ).
(3)_ 3: 1-15: 39 ( نهاية السفر ) تاريخ بدء الحروب المكابية من 176ق.م. إلى السنة الأخيرة من حكم سلوقس الرابع ( فيلوباتور) ، وإلى هزيمة نكانور وموته في 161ق.م. أي أنه تاريخ فترة خمس عشرة سنة. ويبدأ التاريخ في سفر المكابيين الثاني قبل التاريخ في المكابيين الأول بمدة سنة. وحيث أن سفر المكابيين الأول يصل بنا إلى 135ق.م. ( بل وربما إلى 105ق.م. )، فيكون سفر المكابيين الأول يغطى مدة أربعين سنة على الأقل ، بينما لا يغطي سفر المكابيين الثاني سوى مدة خمس عشرة سنة. ( 176-161ق.م. ). ويمكن إيجازه فـي الآتــي :
( i ) 3: 1- 4: 6- التصرف الخائن الذي حدث من سمعان البنياميني ضد الهيكل ورئيس الكهنة. والمحاولة الفاشلة التي قام بها هليودورس مندوب الملك ، لنهب الهيكل.
( ii ) 4: 7- 7: 42- وهو ما يقابل ما جاء فى 1مك 1: 10- 64 مع بعض الاختلافات والإضافات الهامة، وتولي الحكم أنطيوكس إبيفانس
( 175ق.م. ) واعتناق بعض اليهود للثقافة اليونانية، واضطهاد اليهود الأمناء، واستشهاد ألعازار والإخوة السبعة وأمهم.
(iii ) الأصحاحات 8: 15و هي تقابل 1مك 3-7 مع بعض الاختلافات الهامة في التفاصيل ، وفي العددين الأخيرين من الأصحاح الأخير (15: 39, 40 ). يقول الكاتب: فإن كنت قد أحسنت التأليف وأصبت الغرض، فذلك ما كنت أتمنى، وإن كان قد لحقني الوهن، والتقصير، فإني قد بذلت وسعي . ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضر، وإنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء وتعقب لذة وطربا، كذلك تنميق الكلام على هذا الأسلوب ، يطرب مسامع مطالعي التأليف، وهو كلام ينفي تماماً قانونية السفر، إذ هو اعتراف صريح بأنه تأليف بشــري.
(د) المصادر : واضح أن سفر المكابيين الثاني - في صورته الحالية- يعتمد على نوعين من المصادر المكتوبة:
(1 ) يقول الكاتب إن ما يكتبه هو ملخص تاريخ كبير كتبه شخص اسمه ياسون القيرواني في خمسة كتب ( 2: 24 ). وينكر بعض العلماء وجود ياسون القيرواني هذا الذي كتب تاريخ خمس عشرة سنة في خمسة كتب، وهو أمر مستبعد جداً. ويرى البعض الآخر أن ياسون أو من لخص كتبه، قد استعان بسفر المكابيين الأول مع التغيير والحذف والإضافة- بما يناسب غرضه. والفحص الدقيق لسفر المكابيين الثاني، جعل بعض العلماء يعتقدون أن الكاتب اعتمد اعتماداً كلياً على تقليد شفهي، وهو ما يعلل وجود المفارقات التاريخية والمتناقضات والتعبيرات غير الدقيقة التي بالكتاب. كما أن العبارات فى سفر المكابيين الثاني غامضة ومختلطة، بينما هي فى سفر المكابيين الأول واضحة وصريحة. فمثلاً نقرأ فى 2مك 10: 37 عن مقتل تيموثاوس ، ثم نقرأ في 12: 2-25 عن اشتراك تيموثاوس في معركة أخرى. كما أن متتياس هو الذي جمع اليهود وأعدهم للمقاومة ضد سورية(1مك 2: 1-70 )، بينما ينسب سفر المكابيين الثاني هذا الدور لابنه يهوذا ( 2مك 8: 1-7 ). كما أن تطهير الهيكل تم بعد ثلاث سنوات من تدنيسه (1مك 1: 57 ، 4: 52 )، أما في سفر المكابيين الثاني فقد تم ذلك بعد سنتين فقط ( 2مك 10: 3 ).
(2) لا يكوِّن الخطابان المرسلان من يهود فلسطين إلى اليهود فى مصر ( 1: 1-2: 18 ) جزءاً أصيلاً من السفر، بل من الواضح أنهما زائفان وبهما الكثير من الاختلافات والمتناقضات، ففى الخطاب الثاني- وهو أطولهما - نجد قصة موت أنطيوكس إبيفانس، وهي لا تتفق مع ما جاء فى 2مك 9: 1- 28، ولا مع ما جاء في 1مك 6: 1-16 . كما يذكر فى 2مك 1: 18 أن نحميا أعاد بناء الهيكل والمذبح ، وهو العمل الذي قام به زربابل قبل ذلك بنحو قرن من الزمان ( عـز 3: 3، 6: 15 )، أما عمل نحميا فكان ترميم الأسوار والأبواب ( نـح 3: 1-32 ، 6: 1، 7: 1 ). ويقول كاتب الخطاب ( 2مك 2: 4, 5 ) إن النبي إرميا خبأ في كهف في جبل الفسجة ، المسكن وتابوت العهد ومذبح البخور، وهو أمر لا يمت للحقيقة بصلة. وواضح أن كاتب هاتين الرسالتين غير كاتب باقي السفر ، لاختلاف الأسلوب، وللمتناقضات المذكورة آنفاً. ويرى البعض أن ما جاء في 2مك 1: 1-2: 18، إنما هو رسالة واحدة وليس رسالتين ، وهناك من يرى وجود ثلاث رسائل ، ولكن تقسيم هذا الجزء إلى رسالتين هو الأكثر قبولاً.
(هـ) تاريخيـة السفـر : ينتمي سفر المكابيين الثاني إلى الكتابات التي تهدف إلى نشر تعليم معين، أو تصويب ما يُظن أنه خطأ. ويقدم لنا سفر المكابيين الأول تاريخ الحروب المكابية دون التنويه- كما يجب- بما فعله الله، بل إن اسم الله قلما يُذكر ، ويستعاض عنه بكلمة السماء . كما أن سفر المكابيين الأول لا يشير إلى وجود حياة وراء القبر. وبالاختصار ، إن سفر المكابيين الأول - كما سبقت الإشارة - كتب من وجهة نظر صدوقية، التى كانت تنتمى إليها أسرة الأسمونيين، بينما كاتب سفر المكابيين الثاني من الواضح أنه كان فريسياً، ولم يكن هدفه تاريخياً بل تعليمياً، أي أن السفر قصة تاريخية ترمي إلى هدف، هو إبراز الأفكار الأساسية للفريسيين . وهناك رأيان متطرفان للدفاع عن القيمة التاريخية لسفر المكابيين الثاني، هما :-
(1 ) إن سفر المكابيين الثاني هو سفر تاريخى تماماً، وإنه أجدر بالتصديق من سفر المكابيين الأول، ويجب الأخذ بما فيه عندما يختلف السفران. وهو رأي غالبية العلماء الكاثوليك .
(2 ) إن سفر المكابيين الثاني ليس له - في الواقع- قيمة تاريخية إذ إنه كتب لغير هذا الغرض التاريخي. ولكن غالبية النقاد البروتستانت في العصور الحديثة يقفون بين الفريقين السابقين المتعارضين، فيعتبرون أن سفر المكابيين الأول أدق كثيراً من سفر المكابيين الثاني ، ويجب الأخذ به عندما يتعارض السفران أو يختلفان. ومن الجانب الآخر، عندما يذكر سفر المكابيين الثاني أحداثاً تاريخية لم ترد في سفر المكابيين الأول ، فيجب أخذها على أنها صحيحة ، إلا إذا كانت غير محتملة اطلاقاً، أو ثمة أدلة قوية على عدم صحتها. ففي الأصحاحات 3-5 نجد تفاصيل عن الثورة المكابية غير موجودة فى سفر المكابيين الأول، ومن الجانب الآخر فإن قصة ظهور الفرس وعليه راكب كأنها من ذهب ( 2مك 3: 24-34، مع 11: 8 )، وكذلك وصف استشهاد ألعازار الكاتب والإخوة السبعة وأمهم ( 2مك 6: 18- 31، 7: 1-41) تبدو بوضوح أنها أساطير ، لا صلة لها بالتاريخ. فالسفر كما هو بين أيدينا ، يقدم لنا صورة واقعية للأفكار التي كانت سائدة فى عالم الكاتب في وقت كتابنه.
(و ) تعليم الســفر : يمكن أن يقال بوجه عام أن التعاليم الواردة فى سفر المكابيين الثاني هي تعاليم الفريسييـن في ذلك العصر. ويعتبر كثيرون من العلماء أن سفر المكابيين الثاني هو الرد الفريسي على سفر المكابيين الأول الصدوقي. ولكن هناك أدلة كافية على أن كاتب سفر المكابيين الثاني لم يكن قد رأي سفر المكابيين الأول، ومع ذلك فمن الواضح أيضاً أن سفر المكابيين الثاني يعطي مكانة بارزة للتوجيهات الفريسية المميزة، والأرجح أنه كتب بهذا القصــد :
(1 ) هناك تشديد على حفظ الناموس فى سفر المكابيين الثاني ، بينما يسمح سفر المكابيين الأول بعدم مراعاة حفظ السبت فى ظروف خاصة ( 1مك 2: 39-48 )، وهو أمر محرم تماماً في سفر المكابيين الثاني ( 6: 6-11 ، 8: 26, 27، 12: 38 ). ويقول يوسيفوس إن الفريسيين قالوا للوالي بطرونيوس عندما اقترح إقامة تمثال للامبراطور فى الهيكل :
نموت أفضل من أن نتعدى الشريعة .
(2 ) لم يكن الفريسيون يعيرون الأمور السياسية اهتماماً كبيراً، وكانوا يؤيدون الأسمونيين لأنهم كانوا يحاربون للحفاظ على حرية ممارسة الطقوس الدينية، ولما تهاون الأسمونيون مع مؤيدي الثقافة اليونانية ، انقلب الفريسيون عليهم وعلى أنصارهم من الصدوقيين . ولا نجد في المكابيين الثاني ما نجده من مديح بلا حدود لقادة الأسمونيين في المكابيين الأول . كما أنه لا يذكر سلسلة نسب الأسمونيين ولا موت يهوذا المكابي، ولا قبر الأسرة فى مودين.
(3 ) يبدي السفر- في ذلك الزمن المبكر - العداوة بين الفريسييـن وحزب الكهنة ، وهو العداء البادي فى الأناجيل. فقد استولى الأسمونيون على رئاسـة الكهنوت رغم أنهم لم يكونوا من نسل هارون ، بل ولا من سبط لاوي. وأصبحت طبقة الكهنة هي الطبقة الارستقراطية وعلى استعداد لقبول الفكر اليوناني والحياة اليونانية، فكان ياسون ومنلاوس يمثلان الكهنوت . وفي قائمة الشهداء ( ص 6، 7 ) لا يظهر اسم أي كاهن ، ولكن يظهر ألعازار من رؤساء الكتبة و الفريسيـين ، وقد كان الكتبة والفريسيين - فى الواقع- حزباً واحداً فى ذلك الوقت، كما كانوا فى زمن العهد الجديد ، وهكذا استشهد ألعازار تاركاً موته وقدوة ( 2مـك 6: 18- 31 ).
(4 ) يشغل الهيكل مكانة رفيعة في سفر المكابيين الثاني، كما كان فى رأي الجماعة الأرثوذكسيــة ( انظـر 2: 19، 3: 2، 5: 15، 9: 16، 13: 23 ، 14: 31 ). كما يشدد جداً على أهمية حفظ الأعياد ( 6: 6، 10: 8 .. .. إلــخ )، والذبائح (10: 3 )، والختان ( 6: 10 )، والشرائع الخاصة بالطعام ( 6: 18 ، 11: 31 ). كما يبدو أن الكاتب كان شديد الاهتمام بتنبيه قرائه ( اليهود في مصـر ) بأهمية حفظ العيدين الخاصين بذكرى تطهير الهيكل بعد تدنيس السلوقييـن له، والغلبة على نكانور
( 2مك 15: 22-37 ).
(5 ) تظهر في هذا السفر بعض الخصائص اليهودية التى تتفق مع عقائد الفريسيين والكتبة ولكنها تتعارض مع أفكار النخبـة الحاكمـة، فإسرائيل هـم شعب الله ( 1: 26 )، وهم ميراثه (14: 15 ) ، وهو كثيراً ما يتدخل بصور معجزية لصالح إسرائيـل ( 3: 24-30، 10: 29, 30, 10: 29, 30، 11: 6-8 )، بل حتى المصائب التى تحيق بالأمة ما هي إلا دلائل على محبة الله، لأنها مرسومة لخير الأمـة (5: 17-20 )، أما المصائب التى تحيق بالوثنيين فهي عقاب وبرهان على عدم رضى الله عليهـم ( 4: 38، 5: 9، 13: 8، 15: 32, 33 ). كما أن الكاتب يعارض- بكل قواه- إدخال العادات اليونانية، وبخاصة إنشاء ساحة للألعاب في أورشليم
( 4: 7-16 ).
(6 ) يعطي هذا السفر أهمية كبيرة لتعليم القيامة والحياة الآتية ( 7: 9, 11, 14, 36, 12: 43-45، 14: 46 )، وهو الأمر الذي يصمت عنه تماماً سفر المكابيين الأول ، إذ كان الصدوقيـون ( الذين كان ينتمي إليهم الأسمونيون ) ينكرون القيامـة. بل ويؤكد سفر المكابيين الثاني أن القيامة ستكون بالأجساد ( 7: 11, 23، 16 )، وأن الحياة الأبدية لا نهاية لها ( 7: 9, 36 ). وفي هذا السفر بعض العقائد الفريسيـة غير الكتابيـة ، مثل فائدة الصلوات من أجل الأموات ( 12: 44 )، وقوة شفاعة القديسـين
(15: 12-14 ).
(7 ) يشغل التعليم عن الملائكة مكاناً بارزاً في هذا السفر ( 3: 24-30، 10: 29, 30، 11: 6-8 ). وقد قبل الصدوقيون أسفار موسى الخمسة، ولكنهم رفضوا التقليد ،ولم يؤمنوا بوجود الملائكــة ( أع: 23: 8 ).
(8 ) إن صمت سفر المكابيين الثاني عن موضوع الرجاء المسياني، يستلفت النظر ، وذلك بالمقارنة بأهميـة هذا الموضوع في مزامير سليمان وغيرها من الأسفار التي كتبت في ذلك العصر في دوائر الفريسييـن .
(ز ) الكاتــب : الرأى الغالب هو أن كاتب هذا السفر هو شخص واحد، وأنه على الأرجح، أحد اليهود الاسكندريين ممن احتفظوا بولائهم للهيكل في أورشليم - كما يبدو من أسلوبه وعدم معرفته بفلسطين، واهتمامه البادي بمصر، وكان يرغب في ألا يغترب رفقاؤه عن المقدس في أورشليم و الأعياد اليهودية، وبخاصة العيدين الجديدين، وهما الهانوكة ( عيد التدشين )، ويوم مقتل نكانور. فقد كان لليهود في مصر هيكل خاص بهم ، على غير ما يوصي به الناموس ( تث 12: 2-18، لا 17: 1-9 ، 19: 3 ) ولعل النفوذ المتزايد لهذا الهيكل ( في مصر ) ، هو الذي دفع الكاتب لتدوين هذا السفر الذي يؤكد أهمية الهيكل في أورشليم وطقوسه. وليس ثمة دليل واضح على أنه من قلم يهوذا المكابي نفسه، أو يشوع بن سيراخ، أو فيلون اليهودي السكندري، أو يوسيفوس كما يظن البعض.
(ح) تاريخ كتابتــه : لابد أن السفر كتب بعـد 161ق.م. وهي السنة التي يختم فيها السفر تاريخه، بزمن طويل يكفي لانتشار قصص الاستشهـاد
( ص 6، 7 ) ، والظهورات المعجزية كما في 3: 24 -30 .. إلــخ . ويري البعض أن هناك إشارة إلى سفر أستير في 15: 36 ، مما يجعلهم يرجعون به الى نحو 100ق.م. وحيث أنه كتب عقب كتابة المكابيين الأول ، حيث أنه يذكر دفع اليهود للجزية للرومانيين ( 8: 10, 36 )، وحيث أن فيلون توفي حوالى 40م.، وهو يشير الى ما جاء في ( 2مك 4: 8-7: 42 ) فلابد أن السفر كتب قبل عام 40م.، وهذا أمر أكيد حيث أنه ليس به أي إشارة إلى خراب أورشليم والهيكل (70م. ) ، فالمدينة كانت ما زالت قائمة والخدمات في الهيكل جارية
( 3: 6-12 ). ولا شك أنه فيما جاء فى الرسالة إلى العبرانيين
( 11: 35, 36 ) يتردد صدى ما جاء في سفر المكابيين الثاني . إن تعليم السفر بعامة يمثل آراء الفريسييـن في منتصف القرن الأخير قبل الميلاد ، ولعل 40ق.م. هى التاريخ الذي يتفق مع كل هذه الأدلة.
(ط) اللغـة الأصليــة : واضح من سلاسة الأسلوب اليوناني ، أن الأرجح أنه كتب أصلاً باليونانية، إذ يكاد يخلو تماماً من الصيغ العبرية ، فيما عدا الخطابين
( 1: 1- 2: 18 ) الذين يرجح أنهما منقولان عن العبرية.
ثالثا : سفر المكابيين الثالث:
(ا) العنوان : رغم أن هذا العنوان للسفر موجود في أقدم المخطوطات والترجمات، إلا أنه لا يتفق مع مادة السفر، فالسفر يذكر أحداثاً تسبق العصر المكابي، كما يروي أحداثاً لم يكن للمكابيين دور فيها. فهذا السفر يروي آلام اليهود الأمناء وانتصاراتهم المشابهة لآلام وانتصارات المكابيين. ولعل كلمة المكابيين أطلقت بشكل عام للدلالة على كل الذين تألموا في سبيل إيمانهم. ويرى البعض أن هذا السفر كتب أساساً كمقدمة لسفري المكابيين الأول والثاني. ولكن محتويات السفر لا تتفق مع هذا الرأي. ولعل العنوان كان خطأ من ناسخ السفــر.
(ب) قانونيته : لم يعتبر هذا السفر أبداً سفراً قانونياً في الكنيسة الغربية، كما يتبين ذلك من حقيقة عدم وجوده في جميع مخطوطات الفولجاتا ، كما لم يدرجه مجمع ترنت في الأسفار القانونية، ومن ثم فهو لا يوجد بين أسفار الأبوكريفا عند البروتستانت ، التي لا تضم سوى المكابيين الأول والثاني. ولكن سفر المكابيين الثالث يوجد في نسختين ( بالخط الكبير ) من الترجمة السبعينية ( هما : النسخة الاسكندرية، والنسخة الفينيسية ) كما يوجد في البشيطة ( السريانية ) القديمة.
(جـ) تاريخيته: لا يحتوى السفر إلا على القليل من التاريخ الصحيح ، فالواضح جداً فى سفر المكابيين الثالث ، أكثر مما هو واضح فى سفر المكابيين الثاني، أن الكاتب كان يهدف إلى نقل انطباعات معينة، وليس إلى كتابة تاريخ . ففي الكتاب الكثير من الأمور غير المحتمل حدوثها. ومن الواضح أننا أمام خليط من الأساطير والخرافات المصوغة في أسلوب ركيك لإثبات بعض الأفكار التي أراد الكاتب أن يشحن بها عقول قرائه. ومع ذلك فإن وراء ما في الكتاب من خيال، توجد بعض الحقائق:
(1) إن ما جاء فيه عن بطليموس الرابع من أنه كان يتصف بالقسوة والتقلب والتخنث يؤيده ما جاء فى تاريخ بوليبيوس ( 204-121ق.م. ) ،وفي بعض كتابات بلوتارك .
(2) إن الخبر الموجز عن الحرب بين بطليموس الرابع وأنطيوكس الثالث، وهزيمة أنطيوكس في رفح، يتفق بشكل عام مع ما كتبه بوليبيوس ويوستينوس.
(3) جاء في هذا السفر أن بطليموس أمر بإطلاق 500 فيل مخمور على اليهود الذين جئ بهم مقيدين إلى ميدان السباق في الاسكندرية، ويذكر يوسيفوس أن بطليموس السابع(فيسكون ) ملك مصر ( 145-117ق.م. ) أمر بإحضار يهود الاسكندرية، رجالاً ونساء وأطفالاً، مقيدين وعراة، إلى مكان مسور، وأطلق عليهم قطيعاً من الفيلة، التي انقلبت على رجاله، وقتلت عدداً كبيراً منهم، وكان الدافع له لذلك هو أن اليهود المقيمين في الاسكندرية قد ناصروا أعداءه. أما السبب في سفر المكابيين الثالث فهو لفشل بطليموس الرابع في تحقيق رغبته في الدخول إلى قدس في الهيكل فى أورشليم . ولعل في ذلك إشارة إلى ما جاء في سفر المكابيين الثاني ( 3: 9-39) عمَّا حدث مع هليودورس، الذي منعته عن الدخول إلى الهيكل قوة من الملائكة بطريقة معجزية.
(4) إن قصة حبس اليهود في ميدان السباق ، يبدو أنه يتردد فيها صدى ما فعله هيرودس الكبير في مناسبة مشابهة.
(د) الهدف من الكتاب وما به من تعليم: الأرجح أن سفر المكابيين الثالث كتبه يهودي اسكندري، عندما كان اليهود في الاسكندرية وما حولها يتعرضون لاضطهاد شديد من أجل ديانتهم. ويبدو أن هدف الكاتب كان تعزية المضطهدين بتقديم أمثلة لوقوف الله بجانب شعبه لينجيهم من أيدي أعدائهم . والكتاب يخلو من أي إشارة إلى قيامة الأجساد والحياة الآتية، ولكنه يحتوي على الإيمان بوجود الملائكة. كما أن الكاتب يبدي ثقة كبيرة في قوة الصلاة، وأن الله يقف على الدوام بجانب شعبه غافراً لهم كل تمرد وعصيان، وينجيهم.
(هـ) الكاتب والتاريخ: من أسلوب السفر فى اليونانية، واهتمام الكاتب بيهود الاسكندرية، ومعرفته الواضحة بالأحوال فى مصر، يمكن القول بأن الكاتب كان يهودياً يقيم في الاسكندرية. والتاريخ المرجح للكتابة هو القرن الاخير قبل الميلاد. وحيث أن هناك إشارة إلى الإضافات لسفر دانيال ، فلابد أن الكتاب كتب قبل 70م، فلو أن الهيكل كان قد دُمِّر ، لما كان في إمكان الكاتب أن يشير إلى استمرار الخدمات في الهيكل. ويظن كثيرون من العلماء أنه كُتب فى أثناء حكم الامبراطور كاليجولا ( 37-41م ) ، عندما حدث مثل هذا الاضطهاد:
(ح) اللغـة الأصليـة : يكاد العلماء يجمعون على أن المكابيين الثالث كتب أصلاً باليونانية. ويؤيد ذلك صورته في الترجمة السبعينية. وهو موجود فى النسختين الاسكندرية والفينسية كما سبق القول ( ولكنه لا يوجد فى النسختين السينائية و الفاتيكانية ). كما يوجد في معظم نسخ السبعينية المكتوبة بالخط المتصل ، وفى النسخة السريانية القديمة.
رابعـاً- سفر المكابيين الرابع :
( 1) - السفر عبارة عن بحث فلسفي في سمو التفكير الديني الذي يتميز بالتقوى. ويوجد السفر في أقدم مخطوطات السبعينية ( السينائية و الفاتيكانية و الفينيسية وغيرها )، كما يوجد في القانون الكلارمونتاني ( القرن الثالث ؟ ) ، وفي قائمة الستين كتاباً القانونية ( القرن الخامس ؟ ) ، وفي مختصر أثناسيوس( القرن التاسع ). وقد اكتسب السفر هذا الاسم لأنه يصور ويثبت رأيه بأمثلة من تاريخ المكابيين . وإذ كان بعض الكتَّـاب المسيحييـن الأوائل ، مثل يوسابيوس وجيروم، يظنون أنه من تأليف يوسيفوس، أطلقوا عليه عنوان: مقالة في سمو قوة العقل .
(2) قانونيته : لعدم وجوده في الفولجاتا، لا تعترف به كنيسة روما، كما لا يوجد بين أسفار الأبوكريفا عند الكنائس البروتستانتية رغم وجوده في المخطوطات السبعينية الرئيسية كما سبق القول ، ورغم أنه- على ما يبدو - كان يحظى بالتقدير من بعض آباء الكنيسة.
(3) تعليمـه : إن وجهة نظر الكاتب الفلسفية، وجهة نظر رواقية، أي أن عقل الإنسان الفاضل ، يسيطر على عواطفه. وتعليمه عن الفضائل الأربع الرئيسية: حسن التدبير، العدالة، الجَلَد، والاعتدال ، تعليم مأخوذ عن الرواقيين، ومع ذلك فهو ينهج نهج اليهود الأرثوذكس ( قويمي الرأي ) فالعقل المسيطر هو العقل الذي يسترشد بشريعة الله، التي في سبيل الحفاظ عليها مات الشهداء. وما الفضائل الأربع إلا صور من الحكمة الأصلية التي لا تكتسب إلا من شريعة موسى. وعلاوة على ذلك على فإن العواطف لا يُقضى عليها ، كما يقول الرواقيون، بل تُنظَّم ، حيث أن الله هو الذي غرسها في الإنسان.
(4 ) الكتاب والتاريخ : يقول يوسابيوس وجيروم وغيرهما من قدماء الكتَّاب ، إن مؤلف سفر المكابيين الرابع هو يوسيفوس ، ففي النسخ اليونانية من كتبه، يشغل هذا السفر الفصل الأخير تحت عنوان مبحث فلافيوس يوسيفوس، فيما يتعلق بالقوة السامية للعقل . ولكن ينفي ذلك الأسلوب والفكر، فهما يختلفان تماماً عمَّا فى الكتابات المعروفة لذلك المؤرخ اليهودي. علاوة على ذلك فإن المؤلف يستخدم- بكثرة - سفر المكابيين الثاني الذى لم يكن ليوسيفوس علم به. بالإضافة إلى أن ثمة تقاليد قديمة أخرى تنفي ذلك.
ولكن لابد أن الكتاب كان يهودياً ، والأرجح أنه كان ينتمي إلى الفريسيين، وكان من أنصار الثقافة اليونانية ، إذ يعكس تأثير الفكر اليوناني ، أكثر من أي سفر أبوكريفي آخر. كما يبدو أيضاً أنه كان يقيم في الاسكندرية ، لأن الملحوظات الأولى موجودة فى كتابات من أصل اسكندري. كما أنه يعتمد كثيراً على سفر المكابيين الثاني الذي صدر من الاسكندرية.
ومن العسير جداً أن نعيـِّن تاريخ الكتابة، ولكنه كتب بكل تأكيد - قبل تدمير الهيكل في 70م، بعد كتابة سفر المكابيين الثاني، الذي يعتمد عليه كثيراً . ولعل النصف الأول من القرن الميلادي الأول هو أنسب تاريخ لكتابته.
(5) اللغـة الأصليـة : يجمع العلماء على أن لغة هذا السفر الأصلية هي اليونانية، فهو يستخدم الكثير من مصطلحات الفلسفة اليونانية، كما أنه يحمل جميع خصائص الأدب اليوناني الذي كتب في الاسكندرية فى بداية العصر المسيحى.
خامسـا- سفر المكابيين الخامـس:
كان يسمى قبلاً : سفر المكابيين العربي الثاني ( وصدر بهذا الاسم فى نسختي باريس ولندن متعددتي اللغات ). ولم يعترف اليهود ولا المسيحيون بقانونيته.
(1) محتــوياتـه : السفر في ظاهره تاريخ اليهود من وقت محاولة هليودورس تدنيس الهيكل ( 186ق.م. ) إلى نحو 6ق.م.وهو في حقيقته ليس إلا تلخيصاً غير دقيق، لسفرى المكابيين الأول والثاني ويوسيفوس ( فيما عدا الأصحاح الثاني عشر، فهو الجزء الوحيد الجديد في السفر ، ومع ذلك فإن به الكثير من الأخطاء من كل نوع. ويختتم الأصحاح التاسع عشر بالأحداث المذكورة فى نهاية سفر المكابيين الأول . أما الأصحاحات من 20-59 فمأخوذة تماماً من يوسيفوس. ولعل السفر كان أصلاً ينتهى بالأصحاح التاسع عشر .
(2) تاريخيتــه : بما أن هذا السفر يلخص محتويات سفري المكابيين الأول والثاني وتاريخ يوسيفوس ، فقيمته التاريخية هي قيمة المصادر التي أخذ منها . ويسمي المؤلف جنود روما ومصر المقدونيـين ، ويسمى جبل جرزيم ايزابل ويسمى السامرة سيبـسط ، وشكيم نيابوليس أو نابلوريس . ويخلط بين اسمي هيرودس وبيلاطس. ولعل بعض الأخطاء جاءت نتيجة الترجمة.
(3) لغته الأصلية : الأرجح أنه كتب أصلاً بالعبرية نقلاً عن مذكرات عبرية، رغم عدم وجود أي أثر لأصله العبري، ولكنه وهو في اليونانية، يحمل طابع الترجمة عن العبرية، فتسمى أسفار موسى الخمسة بالتوارة . وتذكر أسفار الكتاب المقدس على أنها الأربعة والعشرون سفراً . والهيكل هو بيت الله أو البيت المقدس ، واليهودية هي أرض البيت المقدس ، وأورشليم وهي مدينة البيت المقدس . وهذه وغيرها كثير ، تدفع إلى القول بأن الكاتب كان يهودياً، وأنه كتب بالعبرية.
ويظن بعض العلماء أن الكتاب كُتب أصلاً بالعبرية نقلاً عن مذكرات عبرية.
(4) الغرض من السفر: كتب هذا السفر لتعزية اليهود فى وسط آلامهم، وتشجيعهم على الثبات في ولائهم لشريعة موسى. وهو نفس ما نراه في أسفار المكابيين الثاني والثالث والرابع، وبدرجة أقل في سفر المكابيين الأول. ولكن كاتب هذا السفر أو جامعه، أراد أن يكتب شيئـاً يناسب القارئ اليهودي ( أو العربي ؟ ) أساساً. والكاتب يؤمن بقيامة الأجساد، وبالحياة الآتية والدينونة النهائية، وأن الابرار سيكونون في المجد المستقبل، أما الأشرار فسيعاقبون.
(5) الكاتب والتاريخ: ليس ثمة ما يساعدنا على تحديد اسم الكاتب، ولكنه لابد كان يهودياً، وعاش زمناً بعد تدمير الهيكل في 70م. ويستعين الكاتب كثيراً بكتابات يوسيفوس.