كلمة منفعة
ليست قوة الشخصية مظهرية خارجية، إنما هي تنبع من أعماق الإنسان: من قلبه وعقله وإرادته.
— قوة الشخصية

خطابات موسى الوداعية

خطابات موسى الوداعية
حجم الخط
خطابات موسى الوداعية
سفر التثنية: ففي سفر التثنية لا نجد موسى الشخصية الرئيسية فحسب، بل والمتكلم الوحيد، حيث يلخص تاريخ بني إسرائيل والدروس التي كان يجب أن يتعلموها من هذا التاريخ. لقد قبل موسى حكم الله عليه بعدم دخول أرض كنعان (عد 27: 12-27)، ولكن في خطابه الأول يعبر ثلاث مرات (تث 1: 37، 3: 23- 27، 4: 21-24) عن حزنه البالغ لحرمانه من ذلك. وفي المرات الثلاث يضع اللوم على الشعب قائلاً: وعلىَّ أيضاً غضب الرب بسببكم قائلاً: وأنت أيضاً لا تدخل إلى هناك (تث 1: 37، 3: 26، 4: 21)، وكان في ذلك درس لهم في أهمية الطاعة الكاملة للرب. كما يقول : وعلى هارون غضب الرب جداً ليبيده لعمله العجل الذهبي (تث 9: 20). والأصحاحات الأحد عشر الأولى- في معظمها - استعادة للأحداث الماضية، وتبلغ ذروتها بإعطاء الشريعة على جبل سيناء، مع ملخص للوصايا الأولي (تث 6: 4و 5): اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد، فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك (ارجع إلى مت 22: 37 و38). وإن كان الرب يسوع قد لخص باقي الوصايا في عبارة: وقريبك كنفسك اقتباساً من سفر اللاويين (19: 18)، وإن كانت تجد تعبيراً مفصلاً في سفر التثنية عن الاهتمام بالمسكين والغريب والأرملة واليتيم واللاوي (كما في 15: 7 و8، 16: 11، 24: 1- 22)، فلا يوجد تشديد على لب القسم الثاني من الوصايا، أكثر مما في سفر التثنية. ويبدأ موسى، من الأصحاح الثاني عشر، في معالجة موضوع الاستيلاء على الأرض وامتلاكها، وبخاصة المكان الذي سيختاره الرب ليضع اسمه فيه (تث 12: 5). وسيكون هذا المكان - مثل خيمة الشهادة في البرية - مركز العبادة لكل إسرائيل، وقد تكرر هذا الأمر تسع عشرة مرة، وبخاصة في الأصحاح الثاني عشر، ولكنه لا يذكر مطلقاً موقعه ولا اسمه. وينطبق نفس الشئ على نواحي عظيمة أخرى في حياة إسرائيل في أرض الموعد، مثل اختيار ملك (17: 14- 20)، والنبوة (18: 15- 22)، فهى أمور في المستقبل. وإعطاء الشرائع التي يجب أن تحكم إسرائيل في الأرض التي ذاهب إليها . ولكن كان أعظم ما اهتم به- بعد خبرة أربعين سنة في قيادة الشعب- هو امتلاك أرض الموعد وإدارتها إدارة حكيمة. فكان في فكره أن استمرارهم في الأرض، كان أخطر من الاستيلاء عليها، والنجاح في الأمرين كان يتوقف على الطاعة الكاملة للرب، حسب وعوده لإبراهيم وإسحق ويعقوب. ثم يعبّر عن جميع آماله ومخاوفه في نشيده (تث 32: 1- 43)، فهذا الأصحاح والأصحاح الخامس عشر من سفر الخروج، لهما في العبرية صبغة شعرية مميزة. وما يمكن اعتبار أنه كلمات موسى الأخيرة (تبث 33: 26- 29، ارجع أيضاً إلى 2 صم 23: 1-7)، يجد له صدى في صلاته المسجلة في المزمور التسعين. فموسى - النبي الذي لا مثيل له في العهد القديم - يرى بعين النبوة، البؤس والشقاء والمعاناة التي ستجلبها عليهم خطاياهم وعصيانهم، فيحذرهم بشدة: أشهد عليكم اليوم السماء والأرض. قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك (تث 30: 19). وبهذه الكلمات التحذيرية الحاسمة، مضى هذا المحب العظيم لله ولشعبه، بعد أن أدى خدمته بأمانة، ليأخذ مكافأته ، فقد مات موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب. ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور. ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم . وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته . تث 34: 5- 7). وما أجمل ما يُختم به سفر التثنية ، وصفاً لموسى : ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه، في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه، وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل (تث 34: 10- 12).