كلمة منفعة
حقًا إن أيام الخماسين أيام فرح، وليس فيها صوم ولا مطانيات metanoia حتى في يومي الأربعاء والجمعة..
— روحياتك في الخماسين

الكتاب المقدس والأثار - شهادة الأركيولوجيا - 1

الكتاب المقدس والأثار - شهادة الأركيولوجيا - 1
حجم الخط
الكتاب المقدس والأثار - شهادة الأركيولوجيا - 1
" .. فأجاب وقال لهم أقول لكم أنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ " ( لو 19 : 4 ) .
مقدمة :
أركيولوجيا ، إصطلاحاً معناه حالياً علم الآثار . وهو يهدف ـ بمفهومه المستعمل الآن ـ إلي إعادة تشييد الحياة اليومية للشعوب القديمة ، في شتي نواحيها ، من واقع الأشياء التي تخلفت عنها ، سواء أكانت هذه الأشياء أدوات أو أسلحة أو مباني أو مقابر أو بقايا الإنسان أو الحيوان ، بما في ذلك فك طلاسم لغات هذه الشعوب ، والتي قد تكون ـ وهو الحادث فعلاً ـ لغاتا غير مستعملة الآن ، ومن هنا تحظي النصوص المكتوبة علي الأحجار أو الألواح الطينية أو أوراق البردي أو جلود الحيوانات .. وخلافها باهتمام هذا العلم . ومن الطريف أن تعلم أن حب الإنسان لاستطلاع الماضي ليس بالأمر الحديث . فقد احتفظ المصريون القدماء بسجلات لتواريخهم . وفعل بالمثل البابليون . وفي العصر الإغريقي جال هيرودت في ربوع البلاد بحثاً بحماس ، عن تاريخ الشعوب الكثيرة التي أتصل بها . كذلك كان تيودور الصقلي ( ديودور السيسلي ) وسترابو وبليني جميعاً مهتمين بمعرفة الماضي . وقد خلف لنا هؤلاء الرحالة المؤرخين كتابات تاريخية ، بالإضافة إلي ما كشفت عنه الحفريات الأثرية الحديثة من دفئن . لقد بدأ هذا العلم بصفة عامة يخطو خطوات طويلة بعد إكتشاف حجر رشيد سنة 1799 م وفك طلاسم اللغة الهيروغليفية علي يد شامبليون الفرنسي سنة 1837 م من جهة وإكتشاف صخرة بهيستون سنة 1835 م ، وما أسفر عنه من فك طلاسم اللغة الآشورية ، ثم إكتشاف حجر موآب سنة 1869 م والتعرف علي اللغة الفينيقية . وبذلك شهد النصف الثاني من القرن 19 م طفرة كبيرة في مجال الحفريات الأثرية ، مما أدي إلي اتساع مجال علم الآثار ، وتقدم مطرد في بحوثه الجبارة . ومع تقدم علم الأركيولوجيا ونمو أساليبه العلمية في القرن الحالي ، تفرع منه أركيولوجيا الكتاب المقدس . أي علم الآثار الذي يهتم بالأحداث والمواقع والشخصيات والاصطلاحات الخاصة بالشعوب الواردة في الكتاب المقدس . الأمر الذي يتطلب من عالم الآثار هنا إلماماً دقيقاً بكل من العلمين : علم الأركيولوجيا بصفة عامة ، وعلم دراسة الكتاب المقدس بصفة خاصة . وقد شهد هذا الفرع ( أركيولوجيا الكتاب المقدس ) أيضاً طفرة جبارة في هذه السنوات الأخيرة ، حيث تم اكتشاف العديد من المعالم الأثرية . والنقوش والكتابات القديمة التي ساهمت في إلقاء المزيد من الأضواء علي الأحداث الوارد ذكرها في الكتاب المقدس ، عن طريق إعادة كتابة تواريخ الأمم التي عاصرت شعب الكتاب ، من واقع المعابد والمدافن والأعمدة والنصب والحجارة والألواح والمسلات والدفائن والزيجورات وسائر المخلفات البشرية التي اكتشفت ، ومازالت تكتشف لهذه الشعوب . ومع زيادة الإكتشافات ، وإتساع نطاقها جغرافياً ، تزداد المعرفة التاريخية العلمية بالماضي السحيق وضوحاً وجلاءً . وبالتالي تقترب هذه النصوص المكتشفة من الحق الإلهي المعلن في الكتاب المقدس ، وتساعدنا علي فهم ما قد عسر علينا فهمه في الكتاب المقدس .
الأركيولوجيا والحق الإلهي :
وكان من نتائج هذه الطفرة الكبيرة في أركيولوجيا الكتاب المقدس ، في السنوات القليلة الماضية ، أن تهاوت تلقائياً إعتراضات الملحدين والعقلانيين التي أثاروها في القرنين السابع عشر والثامن عشر ضد الكتاب المقدس ، بإسم العلم . وهكذا ـ كما سنري ـ صحح العلم نفسه بنفسه ، وظل الكتاب المقدس ، كتاب الحق الإلهي ، صخرة راسخة ، تتحطم عندها أعتي الرؤوس . الكتاب المقدس بإعتباره كتاب الحق الإلهي ، ليس في حاجة إلي شهادة إثبات بصحته ، ترد إليه من الخارج ، ومع ذلك فإن الدراسات الأركيولوجية لها فوائد لدارس الكتاب المقدس ، كما أنها لا تخلو من إثارة شيقة . إذ تكشف لنا هذه الدراسة عن مدي الدقة العجيبة ، حتي في الإشارات العابرة التي وردت عرضاً في سياق الحديث في الأسفار الإلهية ، رغم تباعدها الزمني وتباين كاتبيها . وقد برهنت هذه الدراسات أيضاً علي أن هذه الافتراءات علي الكتاب المقدس لا تعود في حقيقة الأمر إلي تقييم موضوعي دقيق لمجريات الأحداث وللتاريخ الكتابي كما يزعمون ، بل إلي تحيزهم المطلق الأوليّ ضده . فمن ناحية أثبتت المخطوطات المكتشفة سلامة النصوص الموجودة تحت يدنا الآن . ومن ناحية أخري أثبتت الحفريات والكتابات المنقوشة علي الجدران والنصب والمسلات والأعمدة والأحجار ، صحة ما ورد في الكتاب المقدس من أحداث ومواقع وشخصيات . وعلي أية حال لا ينبغي أن نفهم من دراستنا لهذه البراهين ، أن الكتاب المقدس يحتاج إلي إثبات . ولكن هذه الدراسة تساعدنا علي فهم الحقائق المذكورة فيه فهماً أفضل ، بما تلقيه من أضواء علي الظروف التي كتبت فيها هذه الأحداث . كما تعلمنا هذه الدراسة أن ما نراه خطأ في الكتاب المقدس ، لا يعود إلي أدني نقص فيه وإنما إلي جهلنا نحن ، وقصور معرفتنا . فإذا ما تقدم العلم ، صحح نفسه وأزال جهله ، وأعترف بقصوره السابق ، وسجد لإله الكتاب المقدس بكل إحترام وخشوع وعبادة ، كما سنري . ومن هنا فإن الإتفاق أو الإختلاف بين الأركيولوجيا من جهة وأحداث الكتاب المقدس من جهة اخري ، لا يكون تأييداً أو نفياً لصحة الكتاب المقدس وعصمته ، وإنما علامة علي نمو المعرفة البشرية الحالية ، وتمكنها من قراءة تاريخ الماضي البعيد بدرجة أكفأ . ذلك أن إتفاق التاريخ البشري المستخلص من واقع المخلفات الأثرية المكتشفة مع التاريخ الوارد في الكتاب المقدس ، لا يعود مثلاً إلي زيادة إيمان علماء الآثار المعاصرين ، بل يعود في الحقيقة إلي تقدم وسائل البحث والتنقيب ، ونمو المعرفة الخاصة باللغات القديمة نتيجة للتقدم العلمي من مناهج البحث والأدوات المستخدمة وزيادة كمية المكتشفات زيادة كبيرة مما ممكن من تكوين فكرة أشمل وأدق عن تاريخ الشعب أو المكان المطلوب . وهكذا كلما ازدادت دقة الاستخلاص التاريخي من المخلفات ، كلما إقترب علم الآثار من الحقائق الثابتة الموجودة أساساً في الكتاب المقدس .

المخلفات .. والكتاب المقدس :
ومع زيادة المكتشفات والمخلفات والدفائن ، التي فتحت الأرض فاها ولفظتها في السنوات الماضية ، في مجال أركيولوجيا الكتاب المقدس ، تهاوت مزاعم أعداء المسيحية وأعداء الكتاب المقدس ، من تلقاء ذاتها دون أدني عناء . وما كان غير مقبول ولا منطقياً ولا عقلياً !! حسب زعم هؤلاء الكافرون في الكتاب المقدس ، شهدت الأحجار الجامدة بصحته و " صرخت " بأعلى صوت مسبحة ذلك الذي أملي علي عبيده الأطهار وكتبته القديسين ما سجلوه في كتابنا النفيس . فالصفائح والأعمدة الآشورية ، والقرميد البابلي ، والآثار المعمارية والبرديات المصرية والمواقع الجغرافية والمدن المكتشفة في سائر بلاد أحداث الكتاب المقدس من بابل ونينوي في العراق الآن ، إلي فيلا في مصر ، عبر فلسطين وسوريا وسيناء والكتابات الهيروغليفية والكيونيقورمية ( أو المسمارية ) واليوجارتيه والفينيقية المنقوشة علي أنواع الجماد ، بل وحتي شذرات كتابات المؤرخين المعاصرين لأحداث الكتاب المقدس من غير المؤمنين به ، جميعها ، رغم تباعدها الجغرافي الشاسع وتباين جنسيات أهلها وإختلاف أزمنتها إختلافاً كبيراً ، جميعها إتفقت بشكل عجيب في شهادتها للكتاب المقدس إيجابياً ، علي نحو إعجازي تنحسر أمامه أشر العيون . فلقد كشفت هذه المخلفات عن الأرتباط الداخلي المذهل لأحداث الكتاب المقدس بعضها مع البعض في وحدة موضوعية مذهلة رغم فارق الأجيال المديدة التي بين حدث وآخر . ومكنت هذه الدراسات صغار النفوس من فهم كتابهم المقدس وتقديره في نفوسهم أعظم من ذي قبل . وبينما أراد أعداء المسيحية فتن بسطاء الإيمان في كتابهم المقدس ، بزعم العلم والعقل !! والعلم والعقل نفسه برئ من خبثهم ومكرهم ، هبت الأحجار المدفونة منذ قرون مديدة في باطن الأرض ، لتنطق بأعلي صوت وتكرز للحق الإلهي المعلن في الكتاب المقدس ، شاهدة لكلام الله المكتوب فيه ، الموحي به إلي شهود صادقين أطهار . ولأن الكتاب المقدس ليس له سيف مصقول من معدن ولا رمح أو خنجر فقد رتب الله العالم ببواطن الأمور ، أن تلفظ الأرض ، في الوقت المحدد مدفوناتها التي إحتفظت بها عبر مئات القرون ، لتدافع عن الكتاب المقدس ضد هؤلاء الكافرين ذوي الأمراض النفسية مهما تستروا وراء العقل والمنطق والعلم .. وقام العلم نفسه من خلال الأحجار بتعليمهم كيف يكون الإيمان . وفي هذا يقول عالم الآثار اليهودي نلسون جلويك " لم يحدث قط أن ناقض إكتشاف أثري واحد ما ورد في الكتاب المقدس بل أن التاريخ الكتابي صحيح تماماً بدرجة مذهلة خصوصاً عندما تشهد له الحفريات والآثار " أي عندما يتمكن العلماء من كشف الحفريات الخاصة بهذا الحدث أو ذاك ويرون مدي التطابق المذهل . ويشهد وليم أولبرايت أحد عظماء علم الآثار " أن علم الآثار القديمة قد أكد صحة تاريخ العهد القديم فلقد أنهدمت جميع الشكوك التي ظهرت خلال ق 18 م أو ق 19 م ضد الكتاب المقدس . وجاء علي الآثار القديمة ( الأركيولوجيا ) ليؤكد قيمة الكتاب المقدس كمرجع تاريخي " وبالطبع رغم أنف المكابرين والمتطاولين علي الحق الإلهي الذي فيه . ويقول فردريك كنيون أن علم الآثار ، قد أعاد إلي الجزء الذي تعرض للهجوم سلطانه ، وكشف الخلفية التاريخية له . علي الرغم من أن علم أركيولوجيا الكتاب المقدس لم يصل بعد إلي نهاية إكتشافاته . فكما يقول وايزمان هناك الآلاف من المواقع الكتابية في فلسطين والعراق وغيرها ، لم يتم الكشف عنها بعد . بل هناك حوالي مليون مخطوطه لم ينشر معظمها بعد ، والقليل الذي عرف منها ، سلط الأضواء علي الكثير من الشعوب القديمة التي عاشت قبل موسي بمئات السنين ، وفي أماكن بعيدة عن أرض فلسطين بمئات الأميال . وهذا القليل الذي عرف من هذا الكم الغفير برهن علي أن الأسفار المقدسة كتبت بأصبع الله ، وكاف لإقناع العقل الخاضع للإيمان ، بصحة ودقة الكتاب المقدس وعصمته من أدني زلل . وفي ضوء هذا الكم الغفير من المخلفات الآثرية القديمة المكتشفة ، من دفائن وخبايا ، وأنصاب ( جمع نصب ، وهو عبارة عن حجر يقام تخليداً لإنتصار عسكري ما أو لإثبات مرسوم ملكي ما ) ، ونقوش قديمة مستخرجة من علي جدران المعابد أو المقابر والبرديات والرقوق ، وشقفات ومعادن مختلفة ، وأطلال وخرائب .. في ضوء كل هذا أمكن إعادة كتابة تواريخ الأمم الغابرة ، التي شهدت الأحداث التاريخية الواردة في الكتاب المقدس . وعلي هذا الأساس ، ووفقاً لنتائج الدراسات الأركيولوجية ، يمكننا تقسيم دراستنا في هذا البرهان إلي مبحثين رئيسيين :
أولاً : التاريخ الكتابي والتورايخ الوضعية ( الدنيوية ) .
ثانياً : التاريخ الكتابي والميثولوجيات المتعددة .

القسم الأول
التاريخ الكتابي والتواريخ الوضعية
من واقع المخلفات الآثرية
ليس فقط شهد المؤرخون الوثنيون في القرون الأربعة الأولي ، لأحداث الكتاب المقدس بل أن التاريخ الوضعي العام ( ونقصد به التاريخ غير الكتابي ) لسائر البشر في بلاد أحداث الكتاب المقدس ، كما كشفت عنه المخلفات الآثرية في هذا القرن ، قد شهد بدقة الإشارات الواردة في الكتاب المقدس إلي الأماكن والأحداث والشخصيات ، بل والعادات والإصطلاحات التي كانت سائدة في زمن كتابة هذه الأسفار الإلهية .

أ ) نماذج من حفريات تبرهن علي صحة أحداث العهد القديم :
نريد أن نتعرض الآن بشيء من التفصيل لبعض الأحداث التاريخية الواردة في أسفار العهد القديم في علاقتها بالتواريخ المستخلصة من الكتابات والنقوش التي تظهرها الآثار والمخلفات القديمة ، بصفة خاصة وما سجله أيضاً المؤرخون القدماء من زمن الأحداث الكتابية ، والتي وصلتنا مؤلفاتهم . لنري هل كذبت هذه الآثار المعمارية والمخلفات القديمة ، ما أورده كتبة العهد القديم ، أم أن الأحجار قامت نيابة عن البشر الجاحدين في الأزمنة الأخيرة لتدافع عن صدق الكتاب وعصمة كاتبيه ووحيه المقدس . إن دراسة الآثار القديمة المكتشفة في آشور وبابل ومصر وموآب من حجارة وصخور وهياكل وعواميد ، قد أمدتنا بتواريخ مفصلة لهذه الأمم والشعوب ، ومكنتنا من دراسة التاريخ الكتابي في ضوء هذه الكتابات ، والنقوش علي نحو يكفي لإقناع كل ذي عقل سليم . فما يذكره الكتاب المقدس أو يشير إليه ، من قيام ممالك وسقوطها وأعمال ملوك وصفاتهم ، وثورات حدثت في العالم ، وعصور مشهورة ، نجد أن الأخبار المسجلة علي الصخور والأحجار وجدران المعابد والمدافن القديمة ، التي وصلتنا تتفق معها إتفاقاً عجيباً ، وتمجد الله الذي أوحي بكتابه إلي أنبيائه المكرمين . لنأخذ الآن بعض الأمثلة ، من الأحداث الواردة في العهد القديم ونري ماذا قالت عنها المخلفات الآثرية القديمة ، المكتشفة حديثاً :

(1) الطوفان :
حدث أن قام أحد الملحدين في الغرب ، وقدم نظرية تقول " بوحدة الطبيعة .. " وتذهب إلي أن قصة الطوفان العبرية ، تعتمد علي أسطورة سومرية لا سند لها ولا أساس تاريخي !! وظن أنه بذلك هز إيمان المسيحيين بكتابهم المقدس وإعتقادهم بأن العالم قد دمر ذات يوم بفعل طوفان هائل ( تك 6 : 8 ) . ولأن المسألة هنا تعود إلي العلم ذاته ، لا إلي صدق الكتاب المقدس ، الذي لا يحتاج إلي إثبات من خارج ، لأنه هو الإثبات ذاته . فقد مضت السنوات علي هذه النظرية ، ثم ما لبث السير ليونارد وولي ـ وباسم العلم ذاته ـ أن عثر أثناء تنقيبه سنة 1927 م بالقرب من مدينة " أور" ـ في العراق الآن ـ علي حفرة بها طبقات صلصال طينية صلبة ، بإرتفاع ثلاثة أمتار ، وأسفلها وجدت آثار لإستيطان آدمي ، الأمر الذي لا يمكن أن يحدث ما لم يكن هناك كارثة طوفانية رهيبة . ومن ناحية أخري ، إذا فرضنا أن حادثة الطوفان ، كانت خرافة سومرية ، نقلها موسي النبي إلي العبرية !! فكيف نفسر ـ كما تساءل الجيولوجيون ـ الظواهر التالية :
أ- وجود بقايا حيوانات من أنواع مختلفة في بيئات مختلفة ، بكميات هائلة مدفونة معاً في أماكن متعددة في كل أنحاء الأرض . بل حتي في أماكن لا تعيش فيها إطلاقاً ، مثل وجود بقايا حيوانات بحرية لا تعيش إلا في أعماق المحيطات في صخور علي قمم الجبال ؟ وحيوانات تعيش في المناطق الحارة ، توجد يقايا لها في المناطق القطبية ؟!
ب- كيف نفسر ظاهرة " الجبال البحرية " وهي عبارة عن جزر غارقة تحت المياه مثل " أتلانتا " الغارقة تحت مياه المحيط الأطلنطي ؟!
ج- كيف نفسر وجود طبقات صخور أقدم عمراً فوق طبقات صخور أحدث عمراً ؟! ومعروف في علم الآثار وعلم الجيولوجيا أن ترتيب الطبقات بعضها فوق بعض يكون ترتيباً زمنياً يبدأ من الأقدم ، فالأقل قدماً ، فالقديم فالحديث فالأحدث ، ولا تفسير للعكس إلا بانقلاب غير عادي حدث في قشرة الكرة الأرضية .
وهكذا ليس هناك إجابة علي هذه التساؤلات ـ حتي علي الصعيد العلمي ـ إلا بالتسليم بوجود الطوفان كحقيقة تاريخية ، حدثت في حقبة تاريخية معينة ( لوناردو وولي مكتشف هذه الطبقات في " أور " الكلدانيين يقدرها بـ 4000سنة قبل الميلاد ) وأنه حتي من الناحية العقلية ، التسليم الإيماني بذلك يعطي راحة أكثر من الزعم بأنها أسطورة . ومن ناحية أخري ، فإن أبحاث السلاح البحري الأمريكي ، بواسطة غواصات الأعماق قد أكدت أن مستوي الماء كان يوماً منخفضاً كثيراً ، عن مستواه الحالي . ناهيك عما تثبته الحفريات الجيولوجية من إثباتات أخري لظاهرة الطوفان في مناطق أخري مثل سومر وآكاد .. وخلافها . أما عن أصداء القصة الكتابية في الأساطير الشعبية ، فسنتعرض لها في المبحث الثاني .

(2) الموطن الأصلي لبني إسرائيل :
أثناء سيادة التيارات الإلحادية والمادية في الغرب ، وتبني مشايعيها في الشرق لهذه التيارات ، ذهب البعض إلي أن آباء سفر التكون ، إنما هم من خلق خيال الكتبة العبرانيين ، بعد إنقسام مملكة سليمان ، وأنهم لم يكونوا أشخاصاً حقيقيين . ولكن مع تقدم الحفريات الأثرية منذ 1925 م أثبتت الإكتشافات صدق التقليد الكتابي الذي يقول أن أصل بني إسرائيل يرجع إلي بلاد ما بين النهرين ، وذلك عن طريق تتبع آثار حركة هؤلاء الناس في خروجهم من هذه البلاد . كما أمكن الإستدلال أثرياً ، علي مواقع المدن التي نزح منها وإليها إبراهيم أب الآباء . وأمكن التعرف علي معظم المدن المذكورة في حركة تنقلاته . فمدينة حاران ، علي سبيل المثال ، المدينة التي نزح إليها ناحور أبو إبراهيم ، رغم إنها الآن قرية صغيرة تقع شمال شرقي دمشق ، علي مسافة حوالي 450 كم ، إلا أنها كانت مدينة تجارية هامة ، تقع علي الطريق الرئيسي للقوافل من بابل إلي آسيا الصغري . ويقول العالم الأثري د. ألبرايت أنه لاشك في أن التقليد العبري صادق ، في قوله أن آباء العبرانيين جاءوا من وادي بالخ في شمالي غرب بلاد ما بين النهرين ذلك أن الحفريات الأثرية أثبتت أن الأباء كانوا من القبائل الرحل ( النوماديين ) الذين سكنوا عبر الأردن وسوريا وحوض الفرات ، وشمال الجزيرة العربية في القرون الأخيرة من الألف الثانية ، والقرون الأولي من الألف الأولي قبل الميلاد . وأن هؤلاء الأباء كانوا أشخاصاً حقيقيين ، وليسوا من وحي الخيال ، كما ذهب الماديون في ق 19 م ، ومشايعوهم من أعداء الكتاب المقدس .

(3) مدن نمرود :
جاء في الكتاب المقدس في ( تك 10 : 10 ) أن نمرود الذي يعتبره البابليون مؤسس مملكتهم ، قد أسس ثمانية مدن في أرض شنعار ( أي بلاد بابل ) . وفعلاً إكتشف علماء الحفريات هذه المدن ، ليس علي سبيل الحدس والتخمين ، بل بالعثور علي مخلفات أثرية عليها نقوش تفصح بجلاء عن هذه المواقع ، ومن ضمنها عثور السير أو ستن لايارد الإنجليزي سنة 1845 م في وسط أطلال مدينة كالح ، علي تمثال لثور مجنح بإسم " الصياد الجبار " الذي يعتبر إشارة إلي نمرود ، كما قيل عنه في الكتاب " جبار صيد أمام الرب " ( تك 10 : 9 ) . وهذه الأطلال تقع الآن علي مسافة 35 كيلو متراً جنوب شرقي الموصل في العراق ، وتعرف بإسم نمرود وفي برهان النبوات ، سنري من ناحية أخري ، كيف شهد خرابها للكتاب المقدس .

(4) مدن أخري :
أثناء الحفريات الأثرية التي تمت في خرائب مدينة ماري ، وهي تل الحريري الآن في العراق ، عثر علي قصر بناه الملك زمري ـ ليما ، وعثر في مخزن محفوظات هذا القصر علي أكثر من عشرين ألف لوح ، يتضمن أسماء مدن قديمة . جاء من ضمنها أسماء المدن المذكورة في العهد القديم مثل مدينة حاران ، علي إسم أخي إبراهيم هاران ، التي سكن فيها إبراهيم . ومدينة ناحور علي إسم أخ آخر لإبراهيم ومدينة توراحي نسبة إلي تارح أبي إبراهيم ومدينة سروج جد إبراهيم .

(5) تحركات إبراهيم .. والآثار :
لنتبع مثلاً تحركات أبينا إبراهيم ، كما وردت في الكتاب المقدس ، وما قالته الآثار المكتشفة عن ذلك . إن أول ما يصادفنا في تاريخ إبراهيم ، أنه بعد هجرته إلي أرض كنعان ، نزل إلي أرض مصر ( تك 12 ) بسبب المجاعة ، وهناك إضطر إلي إنكار زوجته سارة ، بسبب الخوف . هنا نجد أن الآثار المصرية الباقية حتي الآن ، تعطينا نقشاً مبهجاً علي أطلال مدفن قديم يرجع إلي ذلك العصر في منطقة بني حسن ، علي بعد حوالي 150 ميل من القاهرة ، يظهر فيه شريف سامي وعدد من أتباعه ، حوالي سبعة وثلاثين ، يدخلهم كاتب الملك إلي حضرة سيد عالي الشرف ، هو مشير الملك ( أو ستراس الثاني ) ومن سمات هيئتهم يتضح أنهم من جنس سامي . وسواء أكان هذا الرسم يخص مجاعة إبراهيم ، أم لا ، فهو يوضح لنا عادة ترحيب ملوك مصر في ذلك الوقت باللاجئين إليها . أما عن خوف إبراهيم من أن تؤخذ إمرأته ، فلم يكن أمراً من قبيل الأوهام ذلك أن الآثار المصرية نفسها قد تحدثت عن أمر مثل ذلك ورد عرضاً في القصة المصرية المعروفة بـ " الأخوين " حيث قيل أن ملكاً مصرياً أرسل عساكره ليمسكوا إمراة جميلة ، ويهلكوا بعلها . كذلك توجد كتابة فرعونية محفوظة في برلين تذكر أن شخصاً أخذت إمرأته وأولاده بحسب جاري العادة ، وأدخلوا إلي فرعون من الدولة الحادية عشر ، ويلاحظ أن ذلك لابد أن يكون قد حدث قبل نزول إبراهيم إلي تلك الأرض .

(6) كدرلعومر :
وفي تاريخ إبراهيم ، يرد إسم كدر لعومر ، ملك عيلام ، عند الحديث عن خروجه لإنقاذ لوط من أسرة ( تك 14 ) وإسم كدر لعومر ، معناه " عبد " لـ " عومر " لأن لفظ " كدر " باللغة العيلامية ، معناه " عبد " ، و " لعومر " إسم إله عندهم كما يستفاد ذلك من الكتابات المكتشفة علي الألواح البابلية . ومن هذا الحدث الوارد عرضاً يظهر لنا سلطة ملك عيلام آنذاك علي بابل وكل مدن الدائرة حول البحر الميت ، وتحالفه مع ملك شنعار ( أي أرض الكلدان ) في زمان إبراهيم أي حوالي أكثر من 2000 سنة ق.م. . والعجيب أن ما يذكره سفر التكوين هنا عرضا من خلال ذكره لموضوع أسر لوط تكشف عنه دفائن نينوي ، حيث تلمح الكتابات المكتشفة إلي ذلك بطريقة غير متوقعة . فتقول أن آشور بانيبال ( ملك آشوري مشهور ) لما فتح شوشن عاصمة عيلام ( الفرس ) وجد هناك صورة كلدانية للإله نانا ، فإستفسر عن سبب وجودها فعرف أن الملك ( كدرننهدي ) ملك عيلام ، نقلها من مدينة أرك الكلدانية التي فتحها سنة 2280 ق.م. . وهكذا في الكلدانية عابرة يتعرض كاتب سفر التكوين لحقيقة تاريخية ، دون أن يقصد التركيز عليها وهي أن ملوك عيلام كانوا متسلطين آنذاك في عصر إبراهيم علي بلاد الكلدان . مما يكشف عن مدي دقة عرض الأخبار في الكتاب المقدس ، حتي في الأمور العرضية الصغيرة ، علي نحو يستحيل لمزور الإنتباه إليها . وهكذا أبرزت الألواح الآشورية المكتشفة بعد أجيال مديدة ، الحقيقة المجردة التي سجلها الكتاب المقدس . بل وأعلنت إسم الغازي لهذه البلاد .. فتأمل ؟! فهل بعد هذا يتساءل عاقل عما إذا كان إبراهيم شخصية حقيقية أم لا ؟ والأحداث الواردة صحيحة أم لا ؟ لاشك أنه لا يتعامي عن رؤية الحقائق إلا كل ذي مرض في نفسه فلقد أجمع الباحثون الآثريون علي أن زمن إبراهيم ، هو الزمن الذي حدده التاريخ الكتابي بالضبط .

(7) سدوم وعمورة :
نقرأ في ( تك 19 ) عن إنقلاب سدوم وعمورة بسبب عظم شرها . فماذا قالت الآثار عنها ؟ تقول الإكتشافات الآثرية ، أن وادى الأردن ، بما فى ذلك البحر الميت قد هبط بفعل زلزال غير عادى ، قلب الدائرة ، وما حولها إلى خراب . ويوجد فعلاً فى هذه المنطقة بالقرب من البحر الميت كبريت ونطرون ، وقد شهد العلامة ترسترام بأن " كل الأرض هناك كبريت وملح ( نطرون ) وهى رمضاء لا زرع فيها ولا عشب " ويقول رئيس اللجنة الأمريكية للتنقيب ، التى قامت بدراسة هذا المكان " لقد أتينا إلى البحر ( الميت ) ونحن مختلفون فى الآراء . فواحد من اللجنة كان يشك فى ( صحة ) الخبر الموسوى . وآخر لا يعتقد فى صحته ، ولكن بعد بحث مدة إثنين وعشرين يوماً ، إن لم أكن مخطئاً ، إتفقنا (جميعاً) فى الإقتناع بصحة النبأ المقدس عن خراب مدن تلك الدائرة " . هذه هى دراسات الآثريين الخاصة بمنطقة سدوم وعمورة ، ولكن .. من ناحية أخرى عثر ضمن المخلفات الآشورية سنة 1890 م ، أيضاً على لوح مكتوب بلغتين ، ورد فيه مايلى " إنقلاب أتى من وسط العمق ، القصاص المقدر من وسط السماء نزل .. سكان المدينة جعلهم يتعذبون ، أجسادهم أفناها . فى المدينة وفى البلاد مد الموت واللهب إذ صعد خربت " لاحظ كيف يعتبر هذا اللوح الكلدانى الخراب قصاصاً من السما ؟ . وكيف يذكر اللهب والنار كفاعلين للخراب . ويرد فى بقية اللوح كلمة " إنقلاب " كإشارة إلى " الكارثة " التى حلت بهاتين المدينتين . ولم تتحدث الآثار والكتابات الشعبية المكتشفة عن هذه الحادثة فقط . بل تحدث عنها أيضاً المؤرخون القدماء القريبون من هذا الحدث

(8) مغارة المكفيلة :
يحدثنا سفر التكوين عن موت سارة المحبوبة ، وشراء إبراهيم مغارة المكفيلة لدفنها فيها ( تك 23 : 17 ـ 19 ) وبعد برهة من الزمان ، صار مدفن ممرا هذا قبراً لإبراهيم نفسه ( تك 25 : 9 ) ثم ما لبثت المغارة أن ضمت أجساد إسحق ورفقة وليئة ، ويعقوب ويوسف ( تك 35 : 29 ، 50 : 2 ـ12 ) . وهكذا صارت حبرون ( مدينة الخليل الآن ـ نسبة إلى إبراهيم " خليل الله " يع 2 : 23 ) مركزاً للإحتفالات الجنائزية الإسرائيلية . هذه المغارة ، مشيد عليها الآن مسجد الخليل . وقد بذلت عدة محاولات لدراسة هذه المغارة آثرياً ، ولا سيما أن جسدى يعقوب ويوسف محنطان ، وقد إكتشفت موميات محنطة من تاريخها . ولكن الحكم العثمانى رفض التصريح بالنزول إلى المغارة ، وأقصى ما سمح به الأتراك هو السماح لأمير ويلز وبعض العلماء المصاحبين له سنة 1882 م ، بالدخول إلى القسم الأعلى فقط للمغارة ، داخل فناء المسجد ولقسم مقابر الرجال فقط ، على أساس أن زيارة الرجال لمقابر النساء ضد الأداب الشرقية ( حسب رآيهم ) ؟؟ وقد أمكن لهذه الجنة عمل رسم للمغارة المزدوجة ( المكفيلة تعنى المضاعفة أو المزدوجة ) والتعرف بدقة على مداخلها الحقيقية وإكتشفت اللجنة أنه منذ 700 سنة ( من تاريخ زيارة اللجنة للمغارة ) على الأقل لم يطأها إنسان . ولكن بالطبع حالت حرمة الموقع دون التمكن من النزول إلى أسفل المغارة . ونحن فى أنتظار تمكن أحدى الجهات الأثرية العلمية من إستكمال التنقيب . وسواء وجدت موميات يعقوب ويوسف فى هذه المغارة أو لم توجدا ، فإن تعنت الحكم العثمانى الشديد وعدم تصريحه حتى للعلماء بالإقتراب من أبوابها ، والمكانة التى إحتلتها هذه المغارة فى أعماق وتقاليد البشر منذ إبراهيم وحتى الآن ، على إختلاف أديانهم وأجناسهم ، ورغم تعاقب الدول الإسلامية الحاكمة لهذه البلاد .. كل ذلك يقدم دليلاً قوياً فى صالح التقليد الكتابى ، بأنه فى هذا الموضع دفنت أجساد الآباء البطاركة وزوجاتهم المذكورين فى سفر التكوين . كما إكتشفت اللجنة آثار كنيسة شرقية بنيت فوق المغارة فى عهد الإمبراطور بوسقنيان ( ق 6 م ) .

(9) يوسف فى مصر :
لنأخذ الآن سيرة يوسف البار ، فى سفر التكوين ، وأصدائها فى الآثار المصرية .
لقد ورد فى سفر التكوين ، " أن كل راعى غنم رجس للمصريين " ( تك 46 : 34 ) وفى نفس الوقت لا يخفى يوسف ولا يعقوب وظيفته كراعى ، بل أن يوسف نفسه يوصى أخوته أن يذكروا وظيفتهم جهاراً أمام الملك قائلاً " فيكون إذا دعاكم فرعون وقال ما صناعتكم ، أن تقولوا عبيدك أهل مواشى منذ صبانا ، إلى الآن نحن وآباؤنا جميعاً .. " ( تك 46 : 33 ، 34 ) . فكيف يستقيم هذا التعارض ؟ كيف يجرأ يوسف وأخوته وأبيه على الجهر بوظيفتهم الأصلية ، التى يعلمون جيداً أنها رجس لدى المصريين ؟! . أن هذا الموقف العجيب شهادة رائعة لسفر التكوين . فلقد صار من الثابت الآن لدى علماء الآثار المصرية البارزين ، أن يوسف قد دخل مصر فى أثناء حكم الهكسوس ( الرعاة الأجانب ) الذين إقتحموا مصر السفلى وتغلبوا عليها وأقاموا دولتهم ، التى إستمرت حوالى قرن ونصف من الزمان وهؤلاء الحكام إشتهروا بأنهم رعاة من أصل سامى ، وبالتالى ينتمون إلى جنس يوسف ووظيفته . ومن ناحية أخرى أظهرت النقوش المصرية على الجدران أن فريقاً من المصريين كانوا مشتغلين بالرعى ، مما يعنى أن هذه الوظيفة لم تكن رجس لديهم ، فكيف يقول الكتاب المقدس ذلك ؟ هذا أيضاً سهل فهمه وشرحه من الآثار المصرية ذاتها . لقد كانت كراهيتهم للرعاة ، كراهية وطنية شديدة أضمروها نحو الحكام الهكسوس ( الرعاة ) وليس نحو هذه الوظيفة ، كما يظهر ذلك من الرسوم المصرية التى أظهرت هؤلاء الرعاة الهكسوس على أحذية المصريين القدماء ، دلالة على أن هذا الجنس ـ وليس الوظيفة ـ هو المكروه ، ويقتضى أن يداس بالأقدام . كذلك ترد كلمة وصف عابرة فى سياق الحديث الكتابى ، تكشف عن الدقة المذهلة فى الكتاب المقدس ، وتوضح أموراً كثيرة . فالكتاب يقول " وأما يوسف فأنزل إلى مصر ، وإشتراه فوطيفار ، خص فرعون ، رئيس الشرطة ، رجل مصرى .. وكان يوسف فى بيت سيده المصرى " ( تك 39 :1 ، 2) فما هو لزوم ذكر جنسية فوطيفار أمام رؤساء من نفس وطنه ؟ . وهكذا رغم أن الكتاب المقدس ليس كتاباً فى التاريخ أو العلوم بصفة أساسية ، إلا أنه بعصمة الوحى الإلهى ، دقيقاً فى ذكر إشارات أو تلميحات هنا وهناك . وفى هذه الإشارة العابرة ، نرى أن الحكم آنذاك ، لم يكن وطنياً . ويخلص عالم الآثار برجش من خلال دراساته الآثرية إلى أن ما ورد فى الكتاب المقدس بخصوص يوسف وأحواله فى مصر ، يطابق تماماً العادات التى كانت سائدة فى مصر آنذاك ، مكاناً وزماناً ، كما يظهر من النقوش والكتابات الآثرية الخاصة بتلك الأزمنة . ولنرى بعضاً منها :
ـ كيف يجوز لشاب غريب ، وأجنبى ، بل ورقيق أن يحوز رتبة سامية ، ويصير هو الوزير الأعظم فى المملكة ، أى بمثابة نائب رئيس الجمهورية ؟؟ هذا يوضح أن الدولة الحاكمة آنذاك كانت هى نفسها أجنبية ، ولذلك صار من الممكن حدوث هذا الوضع . والتاريخ المدنى العام ، فى مصر مثلاً يثبت ذلك على مدى عصور الحكم السابقة . فقد كانت كل دولة تغزو مصر تكثر من الأجانب ، غير المصريين فى الحكم ، كنوع من الضمان السياسى للدولة . فالعباسيون يجلبون أقاربهم العرب ويعطونهم أعلى المناصب . والمماليك يجلبون مواطنيهم بالآلاف ويسندون إليهم أعلى المناصب والوظائف. والأتراك نفس الشىء ولعلنا نذكر أن من أسباب ثورة عرابى ، قصر رتب الجيش العليا على الأتراك والشركس.وهكذا يشهد التاريخ العام ، والآثار ، لإشارة عابرة وردت فى الكتاب المقدس بدون تعمد لذكرها .
ب ـ كيف يقوم فرعون آخر ، لا يعرف يوسف ؟ ( أع 7 : 18 ) . الجواب هو قيام الدولة الثامنة عشر ، التي كانت دولة وطنية ، شنت حرب تحرير شاملة ، وطردت من سموهم " برص آسيا " وتعقبتهم حتي حدود الفرات وأسست إمبراطورية مصرية وكان من البديهي أن تضطهد الفئات التي كانت ـ في نظرها ـ متعاونة مع الحكم البائد . تماماً مثلما يحدث في أي بلد ، علي الصعيد السياسي في أي زمان .
جـ ـ أما شراء فوطيفار ليوسف كعبد ، فإننا نجد صوراً في الآثار المصرية لرقيق كثيرين ، علي الأطلال ليس هذا فقط ، بل ونجد إشارات إليهم أيضاً في المملكة القديمة . وليس أدل علي ذلك من أنه قد ورد ضمن بنود المعاهدة التي أبرمت بين رعمسيس الثاني وبين الحيثيين ، بنداً ينص علي ضرورة إرجاع الرقيق الهارب إلي سوريا ، إلي مصر مرة أخري . وكان الرقيق الوارد من سوريا ( المقصود بها ليس سوريا الجغرافية الآن ، ولكن البلاد المعروفة إصطلاحاً الآن بالشام ) بالذات ، ثمنه مرتفعاً في مصر . ومن هنا كان حرص الإسماعيليين علي بيع يوسف في مصر . والذي يشد إنتباهنا جداً أن ثمن بيع يوسف هنا ، هو نفس الثمن المذكور في ( لا 27 : 5 ) وهو عشرين قطعة من الفضة ، وهو المبلغ المحدد لتقييم نذر المنذور ، بين خمس سنين ، وعشرين سنة من العمر ويري أحد الدارسين أنه لعل ذلك يعود إلي إعتبار قيمة شغلهما في المستقبل .
د ـ أما عن السجن الذي طرح فيه يوسف والذي دعي في سفر التكوين " مكان أسري الملك " فإننا نجد أن اللفظ العبري المستعمل هنا ، يعني قلعة محاطة بسور ، وهذا ما ذكره أيضاً هيرودتوس وثوسيديدس ، انه كان موجوداً في ممفيس مكاناً بهذا الشكل دعاه الأهالي " القلعة البيضاء " ( ربما للون المبني ، كما تسمع مثلاً عن البيت الأبيض في زماننا ) . ولما كان فوطيفار رئيساً للشرطة ، وكان عليه بالطبع أن يكون قريباً من الملك . فإن هذا يعني أن هذا المكان ، كان قريباً فعلاً من ممفيس ، التي أخذت مكاناً محبوباً لدي فرعون للسكن فيه . وقد وجد علي بعض الأطلال هناك ، نقشاً ورد فيه الإسم المذكور للسجن . كما يذكر أحد المؤرخين سنة 1890 م أن سجن يوسف يوجد في الجانب البحري من سقارة ، وأنه كان مازال موجوداً حتي وقته . هذا كما ورد في تاريخ أحد الرحالة ، زيارته لهذا السجن ، والعثور وقتها علي نقوش فرعونية تملأ جدران هذا السجن .
هـ ـ أما عن وظيفة رئيس الخبازين ، ورئيس السقاة ، فتزودنا أيضاً الأطلال المصرية بصور عن عملية الطحن والخبيز . وكانت هذه الوظيفة ليست بيسيرة حيث ورد خبر مصرياً ، أنه كان علي رئيس الخبازين أن يورد أكثر من مائة ألف رغيف في وقت واحد ، لزوم بيت الملك . ومن المدهش العثور علي خبر آخر يتكلم عن الخبز ( الذي خبز في القلعة البيضاء ) نفس المكان الذي حبس فيه يوسف . أما عن وظيفة رئيس السقاة نجد نقشاً يقول " هم يعصرون العنب إلي ماء ، والملك يشرب " .
وـ أما عن الوليمة المذكورة في ( تك 40 : 20 ) فلم يكن ذلك أمراً غير عادياً ، أن يحتفل ملك شرقي بيوم ميلاده . حيث تكلمت الآثار المصرية عن إحتفال رعمسيس الثاني بعيد ميلاده الذي " أنشأ فرحاً في السماء " كما كان أهم موضوع يتضمنه حجر رشيد هو ذكر ميلاد الملك بطليموس .
زـ ويقول يوسف في سفر التكوين لرئيس الخبازين " يرفع فرعون رأسك عنك ويعلقك علي خشبة ، وتأكل الطيور لحمك عنك " ( 40 : 19 ) . هذا القصاص المزدوج ، وهو قطع الرأس ، ثم تعليق الجثة في مكان عام لتأكلها الطيور ويشاهدها الناس . تحدثنا الآثار المصرية أيضاً عنه ، حيث لم يكن قطع الرأس معروفاً لدي العبرانيين . فقد جاء في الآثار المصرية أن أمنحتب الثاني علق علي قاربه ذي القلوع ، أجساد بعض الملوك الذين كان قد قتلهم .
ح ـ وعن المجاعة التي تحدث عنها يوسف الصديق ، نعلم من الآثار المصرية أيضاً تعرض مصر للمجاعات الكثيرة . فقد عثر برجش علي كتابة في مدفن قديم ، في مكان يسم ( ايليثيا ) أي الكعب . هذه الكتابة عبارة عن بيان بالمكاييل التي إتخذها الحاكم المحلي المدعو ( بابا ) والذي كان معاصراً ليوسف . في هذه الكتابة وردت عبارة " والآن لما قام الجوع ، وإستمر سنيناً كثيرة " . وقد إستخلص برجش من هذه العبارة أن سنوات الجوع الكثيرة التي يحدثنا عنها " بابا " هنا ، لابد أن تطابق سنوات الجوع التي كانت في أيام فرعون يوسف . ونلاحظ في خطاب ( بابا ) هذا وهو حاكم لمدينة ، أنه يقول أنه أخرج قمحاً لكل جائع ، وطبعاً لابد أنه كان يفعل ذلك بموجب تعليمات من ذوي السلطة العليا . وهذا في حد ذاته يتفق مع ما جاء في الكتاب المقدس ، عن التدبيرات التي أخذها يوسف في وقت المجاعة ( تك 41 : 48 ) حيث رتب أن يجمع كل القمح إلي المدن ، وينقل الشعب من المواضع المنكوبة إليها ( تك 47 : 21 ) ، حيث كان الطعام مخزوناً فيها. وهكذا تردد كتابات المدافن المصرية من بعيد ، صدي ما ورد في الكتاب المقدس بأسلوب عجيب .
ط ـ وتزوج يوسف أسنات بنت كاهن رع بمدينة أون ( هليوبوليس باليونانية ) ومازالت هناك مسلة باقية إلي الآن ترجع إلي الدولة الثانية عشر .
ي ـ تعكس كذلك الآثار المصرية حديث يوسف مع أخوته ، وإتهامه لهم بأنهم جواسيس ( تك 42 : 16 ) فقد وصلتنا بعض البرديات ، وردت فيها التهم التي وجهها راسكتين فرعون مصر إلي سفير أفافي ، وفيها يقول " من أرسلك إلي هنا ، إلي مدينة الجنوب هذه ، كيف جئت لتتجسس " وهذه عبارة غريبة لكنها قيلت في ذلك العصر .
ك ـ كذلك تحدثنا الآثار المصرية بأسلوب غير مباشر عن سمو الرتبة التي حازها يوسف . فهو يقول في حديثه مع أخوته " وحياة فرعون " دون أن يعتبر هذا القسم ذنباً . فقد دلت الكتابات المصرية القديمة علي أن القسم بحياة فرعون كان جائزاً ومستحباً ومسموحاً به لذوي الرتب العليا فقط . ولهذا لم نسمع عن قصاص فرض علي يوسف من جراء قسمه ، هذا مما يؤيد الشرف السامي الذي بلغه يوسف وإلا كان قد عرض نفسه للقصاص . أما ذوي الرتب الأدني من الضباط فلم يكن مسموحاً لهم بالقسم بحياة الملك ، بل بأحد ألقابه الدنيا كالآبدي . وكان الرقيق الذي يتجاسر وينجس يميناً مهيباً كهذا القسم الغير جائز إستعماله بين العامة ، يعرض نفسه للقصاص الصارم . ومن هذه الأخبار المصرية تتضح لنا مكانة يوسف ، والدقة المذهلة في الإشارات العابرة التي ترد عرضاً في كتابنا الأنفس ، علي نحو يستحيل لمزور الإلتفات إلي مثل هذه الأمور .
ل ـ وعندما سأل يوسف عن أبيه قال " أسالم أبوكم .. أحي هو بعد " ( تك 43 : 27 ) وهنا نلاحظ أمراً يبدو غريباً في صيغة السؤال ، فمن المتوقع أن يسأل الإنسان عن الحياة أولاً ، ثم عن السلامة ؟ ولكن هذا الأسلوب لم يكن خطأ من كاتب السفر ، ولم يكن تشويشاً أو إعتباطاً . بل أن وضع الصياغة المستغرب هذا ، قد صار فيمابعد ، مع تقدم العلوم الأخري المعاونة لفهم الكتاب المقدس ، شهادة عجيبة علي إعجاز الكتاب المقدس والوحي الإلهي به . فهنا يتحدث يوسف حسب الأسلوب المصري السائد ، والذي عايشه بالطبع أكثر من عشر سنوات علي الأقل ( ما بين بيعه عبداً وحديثه مع أخوته هنا ) كيف هذا ؟ لقد وصلتنا كتابات مصرية من عصر منفثا ( أو منفتاح ) ـ الذي يري كثيرون أن بني إسرائيل خرجوا في أيامه ـ جاء فيها حديث لسيدة مصرية متغربة في سوريا ، تخاطب صديقاتها في وطنها فتقول " أنا سالمة أنا حية " وجاء الرد عليها " جلاله ( أو سيادته ) .. في صحة جيدة ، هو حي فلا تقلقي نفسك من نحوه " فتامل دقة الكتاب المقدس حتي في الأمور الصغيرة مثل هذه والتي في حد ذاتها إحدي البينات العظمي علي إثباتها .
م ـ ومات يوسف في أرض مصر ، وبالتالي تم تحنيطه حسب العادات المصرية ، وعندما حدث الخروج ، تذكر بنو إسرائيل وصية سلفهم ، فنقلوا جثته معهم ، ودفنوها في شكيم ، وظلت هناك ، إلي أن إكتشف منذ سنوات في شكيم (نابلس ) في الشام ، قبر قديم ، يطلقون عليه ( قبر يوسف ) وعند فتحه عثر فيه علي جثة محنطة حسب طريقة قدماء المصريين ، وإلي جوارها سيف فرعوني من النوع الذي إستخدمه كبار رجال الدولة في مصر القديمة . فإذا تذكرنا أن التحنيط لم يكن من عادات الإسرائيليين القدماء بتاتاً ، بل كان مكروهاً لديهم فلم تكن هذه المومياء ؟ . وفي قبر يحتفظ التقليد الشعبي ، رغم تعدد الأجناس والأديان علي هذا الموقع ، بإسم " قبر يوسف " إسماً له ؟؟

(10) الخروج :
لاشك أنه من غير المتوقع أن نجد في الآثار المصرية خبراً يفيدنا بشكل مباشر عن الخروج . فقد كان من عادة الملوك الشرقيين ـ فيما عدا الإسرائيليين كما سنري ـ ألايسجلوا غير إنتصاراتهم وأمجادهم فقط . ولكن مؤلفات المؤرخين القدماء مثل بروسوس واسترابوس وديودورس الصقلي ، وغيرهم يذكرون هذا الحدث . وفضلاً عن ذلك تزودنا الآثار والمخلفات القديمة بمعلومات غير مباشرة عن هذه الأحداث ، فمثلاً :
أ ـ كشفت الحفريات سنة 1884 م عن مدينتي رعمسيس وفيثوم ، المذكورتين في ( خر 1 : 11 ) في منطقة جوش في شرق الدلتا ، حيث تم التعرف علي بقايا مدينة ومعبد بناه رعمسيس الثاني في منطقة تعرف الآن ( تل روتاب ) علي مسافة حوالي 12 ميل شرقاً ، وهناك جزء كبير من أحد المناظر التي كانت علي واجهة المعبد ويظهر فيها رمسيس الثاني ، وهو يذبح سوريا ، موجود الآن في فيلادلفيا . وليس هناك مدينة أخري ، علي طول الوادي ترجع إلي هذا العصر سوي فيثوم التي هي الآن ( تل المسخوطة ) بالتل الكبير ، إلي الشرق من مدينة رمسيس الثاني . وقد امكن أيضاً التعرف عليها من ورود ذكر إسم معبد آتوم أو ( اتمو ـ با ـ توم ) ويقول العالم الأثري فلندرز الذي إكتشف هذا المكان ، أنه لا يوجد شك في أن هاتين المدينتين كانتا من مدن المخازن التي بناها الإسرائيليون بالسخرة . وقد كشف العالم الأثري لبسبوس عن لبنات مكتوب عليها إسم رعمسيس الثاني داخل الخرطوش الملكي المعروف . ليس هذا فحسب ، بل عثر علي لبنات تحتوي علي مقادير مختلفة من التبن بعضها كثير وبعضها قليل والآخر خالي من التبن مما يردد صدي ما ورد في التوراة .
ب ـ أما عن سخرة بني إسرائيل فأيضاً تزودنا الآثار المصرية بالإشارات اللازمة إذا وصلتنا كتابة صادرة من مدير المؤونة في فارعمسيس ، يقول فيها أنه أكمل واجباته بتوزيع القمح علي العسكر والآبيرو ( أو العبيرو ) المستخدميين في جر الحجارة إلي ( حصن ) فرعمسيس العظيم . ولاحظ إقتران كلمة الآبيرو هنا بجر الحجارة ، وفي هذا المكان بالذات ، مما يتفق مع ما ورد في التوراة .
جـ ـ وتعطينا أيضاً الآثار المصرية توضيحاً لسبب قول الإسرائيليين ، عند تذمرهم في سيناء ، أنهم تذكروا السمك الذي كانوا يأكلونه مجاناً في مصر . فقد وردت في نفس الكتابة المذكورة سابقاً ، أنه وزع علي الفعلة كمية كبيرة من السمك . كذلك وصلتنا كتابة أخري عن ضابط إسمه كينتيا من أنه تلقي تعليمات بشأن الزاد المطلوب للحرس وكذلك ( للآبيرو الذين جروا حجارة الملك ) .
د ـ وفي طيبة إكتشف في مدفن روسكير ، الذي قيل عنه أنه مدير المباني العظيمة رسم علي جدرانه يشير بوضوح إلي عبودية بني إسرائيل علي النحو المذكور في التوراة ، حيث يظهر عمال ، توضح هيئتهم أنهم أجانب ، وتقاطيع وجوههم تظهر أنهم ساميين . ويظهرون في الرسم منشغلين بعمل الطوب اللبن وأجسامهم ملطخة بالطين ، وفي جانب آخر من الصورة مسخر مصري جالس وعصاه في يده وفي جانب آخر رئيس يضرب عاملان .. ألا يذكرنا هذا الرسم بما ورد في ( خر 5 : 14 ) ؟
هـ ـ وعن ذكر الخروج في الاثار المصرية ، نجد أحداثاً ثابتة ، ولا تفسير لها إلا حادثة الخروج ، رغم أنها لم تذكر صراحة . فقد ورد في التواريخ المصرية خبر توقف الغزوات الحربية ، وإنحطاط القوة الملكية ، لمدة حوالي نصف قرن عقب وفاة الملك منفتاح ، وظهور مدعين ومختلسين للحكم ( لمدة سنوات ) كما جاء ذلك صراحة في بردية هراس " حيث لم يكن مدير ، وصارت البلاد مدة خاضعة لولاة المدن ، وكان الواحد يذبح الآخر . وتوقفت الأعمال العامة وتعطلت الصناعات " . أليس كل هذا شهادة صامتة علي الخروج ؟ ودليل علي تعرض البلاد لهزة عنيفة غير طبيعية ومفاجئة ، في نظامها السياسي والأقتصادي ( ولا سيما أنه كان يعتمد علي السخرة ) لذلك يرجح بعض الدارسين أن منفتاح كما تظهر صفاته في الآثار المصرية ، هو فرعون الخروج ، وإن كان ذلك أمراً لم يحسم بعد .

(11) شيشق ورحبعام :
كان أول حدث مشهور بعد إنقسام مملكة بني إسرائيل إلي مملكتين ، في عهد رحبعام بن سليمان ، هو قيام شيشق فرعون مصر الذي يظهر إسمه علي الأطلال المصرية " شيشنق " ( 945 ـ 924 ق.م. ) وهو مؤسس الدولة الثانية والعشرين المعروفة بالدولة البوباستية ، في شرق الدلتا ، بحملة علي مملكة يهوذا بجيش جرار إنتشر في سائر أرجاء المملكة ، وإستولي علي العديد من المدن الخصبة التي ليهوذا ، حتي وصل إلي أورشليم ، وهناك سلم له رحبعام وأعطاه خزائنه ، وخزائن بيت الرب ، وصار له عبداً يؤدي الجزية ( 1 مل 14 : 25 ، 26 ـ 2 أخ 12 : 2 ـ 9 ) . هذا الإنتصار الساحق سجله شيشق علي جدران معبد الكرنك في الأقصر حيث نجد لوحة علي واجهة معبد آمون رع ، تصور الإله آمون يقدم لشيشق الآسري ومن ضمنهم يظهر شكل نصفي لرجل يهودي متميز بلحيته وتلتف حول عنقه سلسلة علامة الأسر ، وذراعاه مربوطتان خلف ظهره ، والرباط يتدلي منه زنبق مصر ، إشارة إلي أن مملكة مصر هي التي قهرته . وأسفل الرسم كتابة بالهيروغليفية ترجمتها " ملكي يودا " أي " مملكة يهوذا " . مما يوضح أن البلاد ذاتها ، وليس الملك ، هي التي أخذت . ولا ترد ذكر هذه الموقعة علي واجهة معبد الكرنك فقط ، بل ذكرت أيضاً علي حجر في سيسيلا ، يرجع إلي نفس الفترة أيضاً . وفي نفس اللوحة ، يرد ذكر أسماء أكثر من مائة مدينة من مدينة يهوذا أمكن التعرف عليها بوضوح ، وتكشف عن صدق التاريخ الكتابي الذي يحاول أعداء الكتاب المقدس بإستماته تشويهه أمام بسطاء النفوس ، فلا هم يريدون أن يؤمنوا ، وفي خشوع أمام عظمة الوحي الإلهي يركعوا .. ولا هم يريدون لغيرهم أن يعيشوا في إيمانهم الأقدس . تري بما يمكن أن تسميهم يا عزيزي ؟ . ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي ملاحظة هامة ، شيشق يسجل بالنقش علي الحجر هذه الحادثة ، بالرسم والكتابة ، لأنها إنتصار له ولشعبه . في الوقت الذي لم تسجل ملوك الدولة الوطنية التي حدث في أيامها معجزات وعجائب الخروج ، لأنها هزائم . أما الكتاب المقدس الذي أورد خبر الخروج وما صنعه الرب بذراع ممدودة مع شعبه ، يسجل أيضاً جنباً إلي جنب ما حدث لرحبعام علي يد شيشق ، وكيف صار له عبداً يدفع الجزية ؟ فإذا كان الكتاب المقدس كتاباً بشرياً ، فهل يرضي اليهود بتسجيل ما هو مشين لكرامتهم الوطنية وسمعة ملوكهم ؟ وإذا كان الكتاب المقدس قد حذف منه وتغير فهذه الحادثة وأمثالها الكثيرة عبر الأسفار الإلهية للعهد القديم ، والتي هي ضد العادات الشرقية للملوك والرؤساء علي طول الخط ، ماذا يعني بقاءها في الكتاب المقدس ؟؟

(12) شلمناصر ، وهوشع :
لنأخذ مثلاً آخر للعلاقة بين التاريخ الكتابي والتاريخ الآثري المصري فلقد ورد في ( 2 مل 17 : 4 ) أن ملك أشور شلمناصر ، وجد في هوشع خيانة ، إذ أرسل الأخير رسلاً إلي " سوا " ملك مصر ولم يؤد الجزية ، وجاء في ( 2 مل 19 : 9 ) أن سنحاريب سمع عن " ترهاقا " ملك كوش ، أنه ينوي مساعدة حزقيا ملك يهوذا . فماذا تقول التواريخ المصرية ؟
أ ـ يقول فلندرز عالم الآثار المصرية ، أن الملك المدعو في العربية " سوا " يلفظ إسمه في العبرانية أيضاً " سوا " ويذكر المؤرخ المصري ملكاً من ملوك مصر إسمه سفاخ أو " سفاخوس " ومن تماثل الأسمان " باتشيبا " و " باتشوبا " يظهر لنا أن إسم " ساو " يعادل " سيفا " . وقد ورد إسم هذا الملك أيضاً في تاريخ هيرودتوس بإسم " سباكو " وفي اللغة المصرية نجد مكان بإسم " شاباكا " . وكلمة شاباكا ، تعني في المصرية القديمة " القطة البرية " وفي اللغة الجنوبية يطلقون علي ذكر القطابري " سابا " وتضاف أداة التعريف " كا " إلي الكلمة بعدها . وهذه الأداة تحذف في الأستعمال العام ، كما يظهر ذلك في كلمة " بيلاك " وهي إسم الجزيرة التي صارت تعرف إختصاراً " بيلا " أو " فيلا " . ومثلما يسقط الأجانب أداة التعريف في الأسماء العربية مثل قاهرة بدلاً من " القاهرة " لهذا من السهل ـ في نظر فلندرز ـ تتبع مراحل تصحيف إسم هذا الملك علي النحو التالي " شاباكا " ، " شابا " ، و " سابا " ، " سفا " ، فـ " سوا " . ومما يؤكد ذلك أن الباء والفاء والواو والسين والشين حروف متقاربة في اللغات الشرقة والغربية ، وغالباً ما يحل بعضها محل بعض وكما هو ملحوظ في اللهجات الدارجة ( مثل شمس ، وسمس ، وشمش ) لكثير من الأسماء . لهذا يعتبر الملك " سوا " ( حسب النطق الإنجليزي ويعتبره فلندرز أردأ إختزال لهذا الإسم ) المذكور في الكتاب المقدس هو نفسه الملك سفاخ أو شباكا الأول ، أو سباكو عند هيرودتوس . سواء هذا هو ما لجأ إليه هوشع ملك إسرائيل لمعاونته في الوقوف ضد شلمناصر ، ولكن "سوا" لم ينفع هوشع بشئ . وجاء شلمناصر وإستولي علي السامرة ، بعد حصار دام ثلاث سنوات بل أن خليفة شلمناصر سرجون ، هزم سوا في موقعة رفح سنة 720 ق.م .
ب ـ وعندما حاصر سنحاريب ملك الآشوريين أورشليم أيام الملك حزقيا ، بعض الوقت ، سمع أن ترهاقة ، فرعون مصر ، الذي يدعوه الكتاب " ملك كوش " قادم لمحاربته ، فتقابل معه سنة 701 ق.م. ، وإستطاع صده ، ثم تقدم فيما بعد أسر حدون إبن سنحاريب إلي مصر وإستولي علي مدينة منفيس وأسر بن ترهاقة . ترهاقة هذا هو " تهرقا " في اللغة المصرية و " تراكوس " المذكور في تاريخ مانيثو ، و " تياركون " المذكور في سترابو و " ترهاك " المذكور في آثار ونقوش مصر ، وقد خلف شباكا الثاني . ومن الآثار المصرية يظهر أنه كان ملكاً علي مصر والحبشة . لكن مقر إقامته كانت في أثيوبيا ، التي تعرف في لغة الكتاب بكوش .

(13) نخو ، ويوشيا ملك يهوذا :
ونقرأ في ( 2 مل 23 : 29 ـ 35 ) أن فرعون مصر " نخو " قتل يوشيا ملك يهوذا في مجدو ، وأسر إبنه يهوآحاز وأقام الياقيم ملكاً بإسم يهوياقيم . وقد ورد إسم " نخو " في تاريخ مانيثو ، وهو الذي ذكره هيرودتوس بإسم " نبكو " وجاء في الآثار المصرية " نكو " وهو إبن بسماتيك الأول ( بسماتيكوس ، اليونانية ) وقد ذكر هيرودتوس أن الملك نخو هذا قد صعد لمعونة آشور ضد بابل ، وفي الطريق إعترض ملك يهوذا يوشيا ، فتغلب عليه مجدو ( التي هي الآن تل المتسلم ، علي مسافة عشرين ميلاً جنوبي شرقي حيفا) وقتله ، وتابع سيره . وعند عودته خلع إبنه يهوآحاز ، الذي بايعه الشعب بالملك وأخذه معه أسيراً إلي مصر حيث مات هناك ، وعين بدلاً منه الياقيم الذي غير إسمه إلي يهوياقيم .

(14) أرميا .. ومصر :
يقول الأثري برنارد رام " لقد أعطانا علم الآثار القديمة ، برهاناً علي صحة نسخ العهد القديم التي وصلتنا ، إذ كشفت الحفريات عما عرف بـ " ختم أرميا " وهو عبارة عن ختم يختمون به علي البيتومين الذي كانوا يغلقون به أواني الخمور . وهذا الختم المكتشف يعود تاريخه إلي القرن الأول ، أو القرن الثاني ، ومنقوش عليه عبارة أرميا النبي ، الواردة في (48 : 11 ) كعلامة علي عدم المساس بالمحتويات أو تفريغها من إناء لآخر . كما عثر علي نماذج قديمة من الأختام . وآثار الختام في فلسطين يرجع تاريخها إلي المدة ما بين ق8 ، ق5 قبل الميلاد . وأيضاً تذكر الآثار المصرية أحداثاً تعكس صدق ما سجله أرميا النبي ، ففي حوالي سنة 1890 م ، إكتشفت أطلال دفنة اليونانية ، علي بعد عشرة أمتار غرب القنطرة الآن ، التي كانت تقع علي فرع النيل البلوزي شرق الدلتا وكان هيرودتوس يعتبرها أحد الحصون الثلاثة العظيمة التي شادها بسماتيك الأول . وتدعي في الآثار المصرية تحفيس أو تحفنحيس . وقد تمكن الآثري بتري فلندرز من إكتشاف أطلال مبني ، عرف بإسم " قصر بنت اليهودي " وذلك تذكاراً لسكن بنات الملك اليهودي ، صدقيا ، عندما هربن مع أفراد العائلة المالكة التي كانت مشايعة لمصر آنذاك ، من تقدم نبوخذ نصر ملك بابل ، وأخذوا معهم أرميا النبي عنوة . وهذه الأطلال ليست بعد سنة 600 ق.م. ، أبداً . ومما هو جدير بالملاحظة أولاً تسمية هذا الحصن بـ " قصر " وليس قلعة كما يقول فلندرز ، إذ يكشف عن تقليد قديم أنه هنا سكنت شريفات يهوديات . وإحتفظت الذاكرة الشعبية بهذا الإسم عبر العصور المختلفة رغم تباين الأجناس والحكام والأديان . وقد عثر في الحفريات علي ما يبرهن علي أن القصر كان موجوداً أيام الفرعون خفرع ( يوفريس في مانيثو ، ابريس المذكور في هيرودتوس ) الذي حسب التواريخ المصرية كان معاصراً لنبوخذنصر . هذا الفرعون الذي تنبأ عليه أرميا أنه سيقع في يد أعدائه . ويتضح من الآثار المصرية المكتشفة ، أن كلمات أرميا النبي ، قد تمت فجأة ، إذ كشفت الحفريات في هذا الحصن عن وجود أواني للطهي كانت مستعملة في لحظة وقوع القضاء ، وعظام السمك ظاهرة فيها . ليس هذا فحسب ، بل أن قول الرب لأرميا " خذ حجارة وأطمرها في الملاط " ( 43 : 8 ـ 11 ) تمت أيضاً حرفيا ً ، إذ يقول السيد بتري فلندرز مكتشف هذا الطلل ، أنه عثر علي ساحة مبلطة بالقرميد ، أمام هذا القصر وأن هذه الساحة ، كانت بلاشك مخصصة لتفريغ وتحميل الأمتعة وتستيف البضائع مثل الأفنية التي توجد أمام البيوت في القري المصرية . وقد وجد فعلاً ، كما يقول ، حجارة غير مهندمة تحت هذا البلاط القرميد . صحيح ليس هناك بالطبع ما يدل علي أنها الحجارة التي وضعها أرميا ، ولكن في نفس الوقت ليس هناك أيضاً ما ينفيها . وعلي أية حال فإن حصن تحفيس ، قائم الآن ، متاحاً للنظر ، بعد قرون من الإنطمار تحت الرمال والوحل ، ويمكن مشاهدة البلاط أمام بيت فرعون . وأما أسلوب خراب هذا الحصن ، فتحدثنا عنه الإسطوانات الكلدانية . حيث إنتصر نبوخذنصر علي خفرع الفرعون إنتصاراً ساحقاً . وترك آثاراً في مصر تشهد بحملته هذ . وإذا علمنا أنه لم يكن هناك طريق للجيوش الكلدانية من سوريا إلي مصر ، سوي هذا الطريق ، فإننا ندرك حتمية مروره بحصن دفنة هذا.