كلمة منفعة
هناك فرح تافه بأمور العالم الزائلة، ومتعها..ومثلها فرح سليمان بكل تعبه الذي تعبه تحت الشمس (جا 3)، ومثلها فرح يونان باليقطينة بينما لم يفرح بخلاص نينوى. ومن هذا النوع فرح الابن الكبير بقوله لأبيه "وقط لم تعطني جِديًا لأفرح مع أصدقائي" (لو 15: 29)..
— فرح.. وفرح
الامبراطورية الرومية والمسيحية
الامبراطورية الرومية والمسيحية
حجم الخط
رومية - الامبراطورية والمسيحية
أولاً - موجز عن الامبراطورية الرومانية :
يعتبر قيام الامبراطورية الرومانية أعظم الانجازات السياسية التي تمت في التاريخ ، حيث تبدو انتصارات الاسكندر الأكبر وشارلمان ونابليون ضئيلة ، بالمقارنة بالبناء المتين الذي أقامه يوليوس قيصر وخليفته أوغسطس . كان يوليوس قيصر ، الذي يعتبر من بعض الوجوه أعظم رجل أنجبته روما ، هو مؤسس الامبراطورية ، كما كان أوغسطس قيصر هو أول الأباطرة العظام . ولكن كانت الامبراطورية الرومانية نتاج عملية طويلة من النمو السياسي والدستوري والاجتماعي ، مما يضفي على تاريخ روما أهمية عظمى ، فكانت الامبراطورية الرومانية هي الحل الوحيد الممكن لصراع دام نحو سبعمائة عام . فتاريخ روما هو قصة صراع طبقة ضد طبقة أخرى ، طبقة النبلاء ضد طبقة عامة الشعب ، صراع الأقلية ضد الأكثرية ، صراع حكومة الأثرياء ضد جموع الشعب المهملة . إنها قصة المسيرة المنتصرة للديمقراطية ، والحكومة الشعبية ضد الحكم المطلق لطبقة النبلاء . فلقد أصر عامة الشعب - رغم كل الفروق الهائلة - على المطالبة بحقوقهم ، حتى نالوا أخيراً قدراً من المساواة الاجتماعية والسياسية والقانونية مع سادتهم . ولكن الصراع الطويل أضعف كلا الفريقين حتى لم تعد ، لا الأكثرية المناضلة ، ولا الأقلية المستبدة ، بقادرتين على تحقيق التوازن العادل . فقد انتصرت الديمقراطية في الصراع ، لكنها خسرت نفسها واضطرت إلى قبول سيد عام على رأس الأرستقراطية . ولم يكن الأمر قليل الأهمية بالنسبة للمسيحية ، فقد كانت الامبراطورية الرومانية تخطو عملياً - لأسباب داخلية وأخرى خارجية - نحو حكومة الرجل الواحد ، وهو المقابل السياسي للديانة الشاملة التي تنادي بالله الواحد والمخلص الواحد.
ثانياً - الامبراطورية الرومانية تمهد للمسيحية :
حوالي منتصف فترة حكم أوغسطس قيصر ، وُلد طفل يهودي ، كان من المقرر أن يملك على إمبراطورية أكبر إتساعاً ، وأطول بقاء من امبراطورية القياصرة . إنها لحقيقة مذهلة أن يتواكب - تقريباً - قيام الامبراطورية الرومانية مع ظهور المسيحية . ومع أنه يبدو للنظرة السطحية ، أن الامبراطورية الرومانية بدت كأكبر عدو للمسيحية في عهدها الأول ، بل وكانت في بعض الأحيان أعتى مضطهد لها ، إلا أن الامبراطورية الرومانية كانت - من وجوه كثيرة - أعظم تمهيد للمسيحية ، بل - وفي بعض الجوانب - أفضل حليف لها ، فقد كانت الامبراطورية - من وجهة النظر السياسية - إعلاناً بحلول ملء الأزمنة فإن القياصرة - مهما كانوا ، ومهما فعلوا - قد أعدوا الطريق للرب . ولا بد أن نقدم هنا موجزاً لبعض الخدمات التي قدمتها الامبراطورية الرومانية للبشرية بعامة ، ولملكوت الله بخاصة .
( 1 ) السلام الروماني وتوحيد العالم :
كانت أول خدمة أدتها الامبراطورية الرومانية للعالم هي استتباب الأمن والسلام ، فلم يكن في العالم سلام منذ أيام الاسكندر الأكبر ، بل كانت الصراعات الداخلية والغزوات الخارجية سبباً في استمرار حالة من الغليان ، وتم ارساء أسس السلام العالمي عندما أمسك أوغسطس قيصر بزمام الحكم ، فاستقرت الأحوال في بلاد الامبراطورية من بريطانيا شمالاً إلى نهر الفرات شرقاً . لقد وضعت روما نهاية لحروبها الأهلية ، كما أوقفت جميع الحروب بين شعوبها ، ورغم أن حروبها كانت في بعض الأحيان جائرة وبلا مبرر ، كما تصرفت في بعض غزواتها تصرف البرابرة ، إلا أنها كانت تحكم الشعوب التي أخضعتها حكماً يتميز بروح إنسانية . انتهت الصراعات الداخلية التي سببت الكثير من الغليان في الشرق ، فأصبحت كل مناطق أسيا الصغرى وبلاد الشرق الأوسط خاضعة لروما ، وهكذا وحدت الامبراطورية الشعوب اليونانية والرومانية واليهودية تحت حكم واحد ، ومزجت هذه الشعوب معاً وأعدتهم للمسيحية ، حيث أمكن آنذاك فقط ، الحديث عن العالم كوحدة : كل المسكونة ( لو 2 : 1 ) التي تحكمها حكومة واحدة ، فقد صار الجميع أعضاء في دولة عالمية واحدة ، هي الامبراطورية الرومانية التي تظلل الجميع بشعار النسر الروماني .
( 2 ) العالمية والتحرر من القيود القومية :
لقد ساهمت الأوضاع الجديدة في التحرر من القيود القومية ، ذلك التحرر الذي بدأ بفتوحات القائد المقدوني ، فقد زالت - تحت علم الامبراطورية الرومانية - كل الحواجز القومية ، وصارت المدن الكبرى - مثل روما والاسكندرية وأنطاكية وغيرها - أماكن التقاء لكل الأجناس واللغات . فقد حمل الرومان - أينما توجهوا - قوانينهم وحضارتهم ، كما استقر الإغريق بالآلآف في كل المراكز الهامة كأساتذة بالآلاف وتجار وأطباء ورياضيين . كما نزحت أعداد ضخمة من أهل الشرق ومعهم آلهتهم وأسرارهم إلى روما التي أصبحت صورة مصغرة للعالم . وأصبح الجنود - في الجيوش الرومانية ، من كل أركان الامبراطورية - رفقاء سلاح وأصدقاء . كما أسهم الآلاف من العبيد من ذوي التعليم والثقافة الرفيعة ، في حركة التحرر ، لأنهم في كثير من الأحوال كانوا أرفع ثقافة من سادتهم ، فأصبحوا لهم معلمين . كما أنه في كل مدينة هامة - شرقاً أو غرباً - استقرت جماعات كبيرة من شتات اليهود .
( 3 ) انتقاء الأفضل : ( Electicism ) :
كانت هذه العالمية دافعاً كبيراً لتغير أفضل الأفكار ، ولم يكن ثمة شئ أفضل للمسيحية من هذا الانصهار بين جميع الأجناس ، وتبادل الأفكار . فقد اكتشف كل شعب الأشياء التي يشترك فيها مع جيرانه . ومنذ القرن الثالث قبل الميلاد ، والرواقيون ينادون ببشارة الأخوة المدنية والأدبية بين كل البشر . وبإنصهار النظم الفلسفية المختلفة ، أنتقل الاهتمام بالنظرة القومية إلى الاهتمام بالنظرة الأخلاقية والأدبية والإنسانية ، وهكذا أصبح الجميع متساويين أمام الواحد ، ولم يعد ثمة فرق إلا من جهة الفضيلة والرذيلة ، واقترب الناس إلى الإله الحكيم الصالح ، حتى قال أحد الشعراء : إننا ذريته ( أنظر الرواقية ) . كما عمل شتات اليهود على اعداد الفكر في الامبراطورية الرومانية للمسيحية ، فقد تعلَّم اليونانيون من اليهود ، واليهود من اليونانيون ، وتعلَّم الرومانيون من كليهما . كما ساعد القانون الروماني ، والادارة الرومانية شتات اليهود مساعدة كبيرة ، وازداد عدد المستوطنات اليهودية واكتسبت قوة في كلا القسمين الشرقي والغربي ، من الامبراطورية . وقد أتى اليهود من بلادهم بعبادة الإله الواحد ممتزجة بالفلسفة اليونانية التي كانت تسير فعلاً نحو عبادة الله الواحد ، وهكذا كانت الطقوس الوثنية آخذه في الأفول .
لقد تكلم اليهود بلغة العالم في ذلك العصر ، وهي اليونانية ، وترجموا أسفارهم المقدسة إلى اليونانية ، وبها كسبوا الكثير من الدخلاء . وكانت الروح الرومانية في البداية ضعيفة ، ولكن سرعان ما انضوى الرومانيون تحت هذا الاتجاه العالمي واختيار الأفضل . وبإزدياد فتوحاتهم اتسعت عقولهم ، واعتنقوا سياسة الاسكندر في الاحتفاظ بآلهة الشعوب المهزومة ، وجعلوها تحت حماية روما ، وضموها إلى مجتمع آلهتهم . وبهذه الطريقة كان من الطبيعي أن تسيطر الأفكار الوثنية للشعوب المهزومة - وقد كانوا أكثر ثقافة وأعرق حضاره - على عقول الرومانيون .
( 4 ) حماية الثقافة اليونانية :
كانت الخدمة الجليلة الأخرى التي أسدتها السلطات الرومانية للبشرية وللمسيحية ، هي الحماية التي أضفتها روما على تراث الحضارة اليونانية . ويجب أن نذكر أن الرومانيين لم يكونوا في الأصل إلا قبائل متبربرة غازية لا تعني كثيراً بالثقافة ، بل كانت القوة هي مثلهم الأعلى . وكانوا قد قضوا بالفعل على حضارتين عريقتين رفيعتين ، هما : حضارة قرطاجنة في شمال أفريقية ، دون أن يتركوا لها أثرًا - وحضارة إتروريا ( Etruria ) في إيطاليا التي اكتشفت - في الأزمنة الحديثة - بعض أثارها وبقاياها . ومن الصعب إدراك ما كان يمكن لروما الجبارة أن تفعله بالعالم ، لو لم تقع تحت تأثير ثقافة اليونان الراقية وفلسفتهم الرفيعة . ولو أن إله الحرب الروماني مارس لم تهذبه الحكمة الإغريقية بالاس أثينا ( Pallas Athene ) لفعل ما فعله الوندال والتتار من القضاء على الحضارة الإنسانية ، ووقف تقدم البشرية . أما الإغريق - من جهة أخرى - فقد أمكنهم أن يغزوا ، عن طريق التفوق في كل شئ مرتبط بالحياة العقلية للإنسان ، أكثر من قدرتهم على الغزو بالسيف . وكان الفكر اليوناني في حاجة إلى قوة عملية وسياسية لحمايته . فالرومانيون بعد أن تسببوا - في البداية - في الكثير من الخراب ، تعلَّموا شيئاً فشيئاً ، وتحضروا وأسهموا في ازدهار الحضارات التالية ، بأن حفظوا وكشفوا للعالم كل الخصائص الروحية للإغريق ، وأخذت صلة الإنسان بالاله - التي عرفوها من سقراط وأفلاطون - تنتشر إلى أوسع مدى . وقد استفاد الكثيرون من عظماء اللاهوتيين وقادة الكنيسة المسيحية ، من حضارة الاغريق ، وفلسفاتهم وعلومهم اللاهوتية ، حتى قال أكليمندس السكندري إن الفلسفة اليونانية والشريعة اليهودية ، كانتا المعلم الذي أتى بالعالم إلى المسيح . كما أن الرسول بولس - الذي خرج بالمسيحية من البقاء حبيسة الحظيرة اليهودية ، ونادى بشمولها لكل الناس - تعلَّم الكثير من الفكر اليوناني وبخاصة من الرواقيين . ومما يسترعي الالتفات أن الإرساليات المسيحية الأولى ذهبت فقط إلى الشعوب التي تتكلم اليونانية ، وهو ما كان واقعاً في كل مراكز الامبراطورية الرومانية .
( 5 ) اللغة :
كانت الأحوال في الامبراطورية الرومانية من جهة اللغة على أفضل ما يكون لنشر المسيحية . وقد أمكن للجمهوريات اليونانية - بأعمالها ومشروعاتها وعبقريتها الرائعة وامكاناتها التجارية - أن تنشر لهجاتها اليونانية في كل جزر بحر إيجة وسواحل أسيا الصغرى وصقلية وكل الأقاليم اليونانية . ومن هذا الكم الكبير من اللهجات اليونانية ، نشأت أخيراً لغة يونانية عامة ( Koine ) . ومع انتصارات الاسكندر الأكبر أصبحت هذه اللغة الاغريقية هي اللغة الشائعة فكانت معروفة في شمالي الهند وفي بلاط فارس ، وعلى سواحل البحر الأسود البعيدة علاوة على البلاد المحيطة بالبحر المتوسط ، فكان الموطن الأصلي للإنجيل ( بلاد اليهودية ) محاطاً من كل الجهات بالحضارة اليونانية . بل قد تغلغلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية في وسط يهود فلسطين العنيدين والمحافظين على هويتهم . ورغم أن اليونانية لم تكن هي اللغة الأصلية لربنا يسوع المسيح ، إلا أنه على ما يبدو لنا ، كان يعرفها ويتحدث بها متى اضطر إلى ذلك ، أما لغته التي كان يتكلم ويعلَّم بها فكانت الأرامية . وتاريخ صراع المكابيين يقدم لنا دليلاً قوياً على مدى انتشار الثقافة اليونانية واللغة اليونانية بين اليهود . وفى الأيام الأخيرة لأورشليم ذاتها ، كان فيها جماعات هيلينية من يهود أتقياء، وكانت اليونانية لغة عالمية عند اليهود أنفسهم . وكان النقش المكتوب على جدار الساحة الخارجية للهيكل لتحذير الأمم - تحت التهديد بعقوبة القتل - مكتوباً باللغة اليونانية .
وأصبحت اللغة اليونانية ( Koine ) هي اللغة الشائعة بين شتات اليهود ، فقد أدرك اليهود مزايا اللغة اليونانية كلغة للتجارة - التي هي وظيفة اليهود الرئيسية - وللثقافة ولإكتساب دخلاء . وقد نشروا الأسفار المقدسة بالترجمة السبعينية في العالمين اليوناني والروماني . وعندما ظهر الرومانيون ، وجدوا هذه اللغة معروفة جداً وواسعة الإنتشار ومتأصلة الجذور ، فلم يأملوا في إحلال لغتهم محلها ، بل لم يحاولوا ذلك ، في الحقيقة إلا في صقلية وجنوبي إيطاليا ، وبالتدريج رحبوا بها واستخدموها وسيلة للاتصال بين الشعوب في المناطق الشرقية الخاضعة لهم .
ومع أن اللاتينية كانت - بالطبع - لغة الغزاة الرسمية ، فقد كان الحكام - بعامة - يصدرون أحكامهم وقراراتهم باللغة اللاتينية ومعها ترجمتها باليونانية حتى يقدر الشعب أن يفهمها . وكثيراً ما شكا الشعراء والمؤرخون اللاتينيون من أن اليونانية قد تغلبت على لغة الرومانيين المنتصرين . وبإنتشار اللاتينية أصبحت هناك لغتان عالميتان جنباً إلى جنب في كل أقطار الامبراطورية الرومانية ، ولكن كانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في النصف الشرقي من الامبراطورية ، وهو الذي كان التربة الأولى التي أنتشرت فيها المسيحية . وعندما مدت المسيحية نشاطها إلى الغرب، وجدت في اللاتينية وسيلة جاهزة للتفاهم والاتصال . واحترام الرومان للغة اليونانية أمر يدعو للتقدير ، فقد كان ذلك لفائدة المسيحية ، لأنها عندما بدأت تتجه نحو العالم تخلت عن الأرامية - لغتها الأصلية - لكي يصبح الإنجيل إنجيلاً للعالم كله ، تمت ترجمته إلى اليونانية ، ولم يضطر المبشرون المسيحيون الأوائل إلى تعلم لغات أو ألسنة ، بل كفتهم اليونانية تلك المشقة . وقد كتب الرسول بولس باليونانية إلى الكنيسة في روما ذاتها ، فقد كانت اليونانية شائعة فيها . وبينما كانت المسيحية تنتشر في الشرق اليوناني الذي ربطت بين أجزائه الادارة الرومانية ، كان الرومان يمهدون الطريق إلى الغرب ويعدونه للمسيحية .
( 6 ) الأحوال في الامبراطورية :
لقد فتحت الامبراطورية الرومانية أمام المسيحية الطرق الكبرى التي سار فيها الرسل والمبشرون . فشبكة الطرق العظيمة التي كانت تربط العالم المتحضر آنذاك ، لم تخدم الجيوش الرومانية والحرس الامبراطوري فحسب ، بل أدت نفس الخدمة للارساليات التبشيرية الأولى . وعندما بدأت الكنائس تنشأ في كل جهات الامبراطورية ، سهَّلت هذه الطرق تنظيم الكنائس والاتصالات فيما بينها ، مما دعم الكنيسة وجعلها تتغلب أخيراً على الامبراطورية ذاتها . وعندما استتب السلام في ربوع الامبراطورية ، ازدحمت كل هذه الطرق بحشود من القوافل والتجار ، فانتعشت التجارة تحت ظروف أفضل من قبل ، ولم يتبادل الناس الأشياء المادية فحسب ، بل والأشياء الروحية أيضاً . وكان الكثيرون من التجار والصناع من المسيحيين ، وبينما كانوا يبيعون ويشترون الأشياء الفانية ، لم تفتهم الفرصة لنشر الإنجيل . وكان البحر - بالنسبة لامبراطورية تحتضن كل شواطئ البحر المتوسط - وسيلة هامة للاتصال ، بعد أن أصبحت طرق التجارة البحرية في البحر المتوسط أكثر أماناً عنها في أي فترة سابقة ، فقد طرد بومبي الكبير القراصنة من البحر ، وعند سقوط سكتوس بومبي لم يكن ثمة قوة بحرية معادية . وقد أدت السفن التي كانت تروح وتجئ ، بأعداد لا حصر لها في ذلك البحر الروماني - خدمات رائعة وفرصاً عظيمة للخدمات التبشيرية المسيحية الأولى .
( 7 ) التسامح :
كان للقدر الكبير من الحرية الذي سمحت به السلطات الرومانية لمختلف الديانات ، فضل في نمو المسيحية الوليدة . فلم يكن من سياسة الامبراطورية - في بداية الأمر - اضطهاد الديانات ، أو إنشاء محاكم تفتيش . وقد ازدهرت عبادات غريبة كثيرة ، وافدة من الشرق ومن مصر ، في العاصمة . وما لم تصبح هذه العبادات خطراً على الفضيلة العامة أو على سلام المجتمع ، فإنه كان مسموحاً لها بالانتشار دون مساءلة ، بل وتحت أعين الشرطة .
( 8 ) النموذج لكنيسة جامعة :
بإلاضافة إلى ذلك ، فإن الامبراطورية الرومانية قد قدمت للمسيحية صورة ظاهرة للطموح الروحي ، فوسعت الرؤية أمام الكنيسة . فكان في إمكان بولس - كمواطن في امبراطورية عالمية - أن يحلم بديانة تضم كل البشرية ، فإن كان سيف الرومان قد استطاع أن ينتصر ويوحِّد كل المسكونة ، فيجب على الكنيسة المجاهدة ألا يكون سعيها في الدائرة الروحية ، بأقل من ذلك . كما استمد منها المسئولون الأوائل الكثير من الأفكار في تنظيم المجتمع الجديد ، حتى صارت الكنيسة المسيحية - فيما بعد - صورة من الامبراطورية الرومانية . وقد استخدم المسيحيون الكثير من أسلحة العدو، وتعلموا منه أساليب الهجوم ، والدفاع ، وقيمة التنظيم الشامل .
( 9 ) التشريع الروماني :
تميز القانون الروماني في أصوله بأضيق الاستثناءات . وقد صيغ أول قانون روماني رسمي حسب الأنماط اليونانية ، إلا أن الرومان - هنا كما في أمور أخرى كثيرة - طوَّروا ما استعاروه وصاروا أساتذة التشريع في العالم القديم . ومع اتساع امبراطوريتهم ومفاهيمهم ، أعادوا صياغة قوانينهم لتطبق على كل رعاياهم . وكان من أعظم الخدمات التي أسدتها الامبراطورية الرومانية للعالم القديم هي النظام المتناسق لقوانين صالحة ، حتى صارت مصدراً لمعظم القوانين في العالم الحاضر . وقد لعب القانون الروماني دوراً يضارع في الأهمية دور الشريعة اليهودية ، في صياغة النظم المسيحية . فقد علَّم الناس الطاعة واحترام السلطات ، وبرهن على أنه قوة فعالة للتحضر والمساواة في أرجاء الامبرطورية .
( 10 ) التمهيد سلبياً :
قدمت روما لرعاياها قوانين ممتازة وحكومة نظامية ، وحماية عسكرية ، ولكنها لم تقدم لهم ديانة مقنعة ، وكانت الامبراطورية العالمية في حاجة إلى ديانة عالمية لم تجدها إلا في المسيحية . وهكذا ليس فقط بما أمكن للرومانيين أن يتمموه ، بل بما لم يتمموه أيضاً صار الطريق ممهداً أمام الرب ، وأصبح الشعب مهيأ لمجيئه . لقد أثبتت الديانات القومية القديمة أنها غير قادرة على اشباع الحاجات المتزايدة لطبيعة الإنسان روحياً وأدبياً ، وكان الإفلاس الأدبي بارزاً . لقد انحدرت الديانة الرومانية القديمة من فضائل مجردة إلى مجرد شكليات ولم يعد الإنسان يجد في ديانة الدولة مجالاً لنشاطه الروحي . فهو لم يعد مجرد ذرة في المجتمع ، يقوم بطقوس دينية ، ليست لصالح روحه ، بل لصالح المجتمع . وكانت شخصية الفرد آخذة في البروز ببطء ، كما دعت المدارس الفلسفية الجديدة الإنسان للبحث عن السلام مع الله - بعيداً عن الدولة - في عزلة بنفسه قبل كل شئ . إلا أنه حتى أفضل تلك المدارس وجدت أن الحاجة ملحة وصارخة إلى ديانة إيجابية ، لا سلبية . الحاجة ماسة إلى حياة مثالية كاملة حية متحركة ، فوق حياة البشر العادية . وهكذا أحس الناس بشديد الحاجة إلى إعلان جديد، إلى رؤية جديدة أو إلى معرفة صحيحة بالله . وأعتقد الناس في الأيام الغابرة أن الله قد أعلن ذاته للأولين من الحكماء أو الأبطال من أسلافهم ، لذلك يجب على الأجيال التالية أن تقبل بالإيمان ما نادى به أولئك الراءون الأولون الذين كانوا أقرب إلى الله - كما قال شيشرون - ولكن سرعان ما نفذ هذا الكم من المعرفة ، فإن أفلاطون بعد أن حلَّق إلى الذروة في الفكر الفلسفي والشعري عن الإله ، اعترف بالحاجة إلى شيطان أو إنسان خارق للعادة ( سوبر مان ) ليفضي إلينا بأسرار الأبدية.
وفي بداية عصر الامبراطورية الرومانية بدأت فترة من القلق والاضطراب الديني واسع المدى ، وحاول الناس أن يجدوا لهم في الفلسفة والسحر والتنجيم والطقوس الغريبة ، مكاناً اميناً يستريحون إليه . وكان هذا سبب الانتشار السريع المكثف للأسرار الشرقية التي وعدت العلاقة المبتدئة مع الله هنا ، برجاء أفضل عند الموت ، وأرضت الرغبة الملحة في الخلود في نهاية الزمان . وكانت هذه هي النفوس الجادة المستعدة لإستقبال الأخبار الطيبة عن يسوع بفرح ، أما الآخرون فكانوا قد فقدوا كل إيمان بجميع أشكال الدين ، وأسلموا أنفسهم ليأس قاتل واعتنقوا الأبيقورية التي كانت تبشر بالفناء والانتهازية . كان لهذا النمط من التفكير سحر رهيب على من أوصلهم اليأس إلى حالة من الضياع . ونرى ذلك بصورة قوية في شعر لو كريتيوس
( Lucretius ) - أي عمر الخيام في الأدب اللاتيني - وآخرين غيره ، فإذ لم يقدروا أن يجدوا الله أسلموا أنفسهم لفلسفة الشك القاتلة . وتتأكد الحاجة الماسة إلى إنجيل جديد للحياة والخلود ، من قراءة النقوش اليونانية والرومانية المنقوشة على القبور في ذلك العصر . بل إن سينكا - الذي كاد أن يكون مسيحياً في بعض النواحي - تحدث عن الخلود كحلم جميل . ولم يكن لدى سيرفيوس سولبيشيوس
( Servius Sulpicious ) ، وهو يكتب رسالة لشيشرون لتعزيته في موت توليا (Tullia ) التي افتقدها كثيراً ، إلا كلمة لو في حديثه عن المستقبل . ويقترح قيصر - الذي كان يشغل رئاسة الكهنوت ، والذي يمثل أعلى سلطة دينية في الدولة - أن يكون السجن مدى الحياة هو عقاب المجرمين الأوغاد حيث أن الاعدام سيعني الفناء ومن ثم الراحة لهم . ويتحدث كاتو - أكثر رجال جيله تديناً وورعاً - بكلمات لا تلقي أى لوم على إبيقورية قيصر وماديته . أما شيشرون فقد اكتفى بأن يترك موضوع الخلود بلا حل . لقد سخر فلاسفة أثينا من الرسول بولس عندما تحدث في أريوس باغوس عن القيامة . كان هذا هو سلوك الطبقات المثقفة في العالم اليوناني الروماني في فجر المسيحية ، ولكن كانت هناك - بلا شك - رغبة قوية في الوجود المستمر . وكانت الطبقات الأخرى تمارس طقوس ديانات قومية ميتة بطريقة آلية ، وكان البعض يبحثون عن الإثارة وعن مجالات لإشباع أهوائهم الدنيا . كما كان البعض الآخر يبحثون عن السلام والأمل في المستقبل في أسرار الديانات الشرقية . كان قد بدأ ظهور التمييز بين الشر الأدبي والمادي ، ومن ثم إدراك الخطية ، فلم تكن الديانة والأخلاق قد اتحدتا من قبل ، وكان عرش عقل الإنسان شاغراً . وكانت المسيحية الوشيكة هي أفضل من يشغله . كان الفكر اليوناني الروماني آخذاً في الإتساع ليتلقى تعاليم يسوع النقية .
ثالثاً - موقف الامبراطورية الرومانية من الديانات :
( أ ) الديانة الرومانية أو ديانة الدولة :
يكشف تاريخ الديانة الرومانية عن تغلغل العبادات والطقوس الأترورية واليونانية والمصرية والشرقية ، حتى لم يعد ممكناً التعرف على الديانة الرومانية القديمة ، بل لم يمكن لدارسي التاريخ القديم أن يكتشفوا حقيقة العديد من الآلهة الرومانية . فقد ظلت أنماط العبادة الرومانية وطقوسها ، تتراجع باضطراد حتى أخلت السبيل - مع غيرها من الطقوس الغريبة الأخرى التي غلبت عليها - أمام قوة المسيحية . وباتساع الدولة الرومانية زادت مطالبها الدينية . وفي فترة الحكم الملكي كانت ديانة روما هي ديانة مجتمع زراعي بسيط . وفيما بين الحكم الملكي والحرب البونية الثانية ، أصبحت ديانة روما أكثر تعقيداً وزاد عدد الآلهة كثيراً بما ورد من سائر الأقاليم الإيطالية والعالم اليوناني . فقد تأثر الفكر الروماني في البداية بأسرار ديانة إتروريا الغامضة ، ولعله من هنا جاء ثلاثي الكابيتول ( جوبيتر - جونو - منيرفا ) الذي سبق أن دخل إلى إتروريا من مصادر يونانية مما يدل على أن الرومان لم يكونوا أول من تأثر في إيطاليا بديانة اليونان . أما المستعمرات الإغريقية في جنوبي إيطاليا فقد كانت سخية في مساهماتها ، ففتحت الطريق أمام الغزو التالي لآلهة اليونان . وكانت
الكتب السيبليانية ( Sibyllain ) قد نقلها الرومان في زمن مبكر جداً عن
الكوميين ( Cumae ) لتصبح أسفاراً مقدسة عند الرومان .
وفي 493 ق . م. - في أثناء مجاعة - تم بناء معبد لثلاثي الآلهة اليونانية ( ديمتر و ديونيسيوس و برسيفون ) بأسماء لاتينية هي سيرس ( Ceres ) ، و
ليبر ( Liber ) ، وليبرا ( Libera ) كبداية لإنعدام الثقة في الآلهة الرومانية القديمة ، وهو الأمر الذي تكرر كثيراً في التاريخ الروماني ، بإدخال آلهة جديدة أجنبية في أوقات الشدة . وفي 433 ق . م . جاء أبولو من نفس المصدر ، وتبعه مركوري ( عطارد ) ثم أسكليبيوس ( Asclepius ) في 293 ق . م . وفي 249 ق . م . ظهرت عبادة ديس ( Dis ) و بروسربينا ( Proserpina ) من ترنتو ( Tarentum ) . كما تم إدخال أنماط أخرى من العبادات والمعبودات غير الرومانية . لقد كانت روما في ذلك العصر ، واسعة الأفق في سياستها لمواجهة الاحتياجات الدينية المتزايدة للمجتمع . إلا أنها لم تكن تسمح بذلك خارج إيطاليا ، كما تطور الذوق نحو الأشكال الجمالية والدرامية للعبادة . وكانت فترة الحرب البونية الثانية فترة حرجة في الحياة الدينية الرومانية فترنحت العقائد الدينية أمام عدم الإيمان المتزايد ، فتخلت الطبقات المثقفة - بل والرعاع أيضاً - عن الديانة الرومانية القديمة، فغرق المثقفون في مذهب الشك ، بينما مال الرعاع إلى الخرافات ، فوضع المثقفون الفلسفة محل الدين ، أما الرعاع فأحلوا العبادات الحسية الشرقية محل الدين. وذهب الرومان مرة أخرى إلى البلاد الأخرى ليستعيروا لهم آلهة ، فذهبوا هذه المرة إلى اليونان ومصر وأسيا ، وأدخلوا جميع الآلهة اليونانية ، وسرعان ما جمعوا بينها وبين الآلهة الرومانية ، فقد دخل هيبي ( Hebe ) في 191 ق . م . باسم جوفنتاس ( Juventas ) . وفي 179 ق . م. دخلت أرطاميس باسم ديانا . وفي 138 ق . م . دخل أريز ( إله الحرب ) على أنه مارس
( Mars - المريخ ) . إلا أن الشرق - موطن الديانات - أثبت أنه أكثر نفعاً . ففي 204 ق . م . أدخل الرومان سيبيل ( Cybele ) من بسينوس (Pessinu) إلى روما وعرفوها باسم الأم العظيمة ، وكانت تلك ضربة قاضية للديانة الرومانية القديمة ، كما كانت دافعاً إلى إدخال العبادات الحسية العربيدة الغامضة التي أسرت عقول العامة . وسرعان ما جاء باكوس ( إله الخمر ) برذائله . وأدخل سولا
( Sulla ) عبادة ما ( Ma ) من فريجية بديلاً للآلهة بلونا ( Bellona ) كما أخذوا من مصر إيزيس . وفي حروب بومبي ضد القراصنة ، دخلت مترا ( Mithra ) إلى روما فكانت أعظم منافس للمسيحية . وبدأت الديانة تؤول إلى أيدي السياسيين ، حتى صارت في أواخر أيام الجمهورية في أيدي رجال السياسة . وانحدرت العبادة إلى الشكلية ، وتفاقمت الشكلية إلى الكف عن العبادة . وفي ظل الامبراطورية أخذت الأنظمة الفلسفية تحل محل الديانة وانتشرت الطقوس الشرقية . وكانت النهضة الدينية في أيام أوغسطس قيصر مجرد محاولة لنفخ الحياة في العظام اليابسة . وكانت خطته دينية من ناحية ، وسياسية من الناحية الأخرى ، لإقامة ديانة شعبية امبراطورية يكون هو رأسها ، وتدور حول شخصه . فقد اكتشف ضرورة وجود ديانة امبراطورية . فقد كان الملوك في الشرق - منذ أمد بعيد - يعتبرون آلهة لدى رعاياهم . وقد أراد الاسكندر الأكبر - كسياسي حكيم - أن يستخدم هذا الأمر كرابطة اتحاد لدولته الواسعة . كما انتشرت نفس العادة لدى خلفائه في الشرق وبخاصة في مصر وسورية . وعندما استتب السلام في عهد أوغسطس قيصر في العالم ، كان الشرق على استعداد أن يعتبره إلهًا . ومن ذلك نشأت عبادة الأباطرة ، أو عبادة روما متجسدة فيهم . وقد أدت هذه العبادة إلى الوحدة الدينية في الامبراطورية ، وفي نفس الوقت أدت إلى تفخيم الامبراطور . إلا أن كل هذا الجهد ذهب هباء ، فقد ماتت الديانة الرومانية القديمة ، وظلت الحاجات الدينية في الامبراطورية تجد شبعها في الفلسفة والأسرار التي كانت تتضمن الأمل في الخلود . وسرعان ما فقدت عبادة شخص الامبراطور أيضاً قوتها ، حتى إن فسباسيان تهكم - وهو على فراش الموت - على فكرة صيرورته إلهاً . وهكذا أخذت عبادة الامبراطور في الاضمحلال باضطراد .
( ب ) الديانات المرخص بها ، والديانات غير المرخص بها :
انقسمت الديانات غير الرومانية إلى ديانات أخرى مرخص بها وديانات غير مرخص بها ، ففي أوقات مختلفة بسبب حدوث كوارث من زلازل أو أوبئة أو مجاعات أو غيرها ، كان الرومان يلجأون الى إدخال عبادات غير رومانية كوسيلة لاسترضاء الآلهة . وكان معنى هذا أن تلك العبادات يمكن لأتباعها الأجانب ممارستها دون التعرض للعقاب . وهكذا أصبح مصرحاً لأي شعب يقيم في روما ، بحرية إقامة عبادته الأصلية طالما كان ذلك لا يتعارض مع سلام الدولة ، أو كان يفسد أخلاقيات المجتمع . إلا أنه في 186 ق . م . صدر قرار من مجلس الشيوخ بإجراء تحقيق صارم حول الطقوس الخاصة بعبادة الإله باكوس التي نشرت الانحلال الأخلاقي بين أتباعه . إلا أن روما لم تمارس مطلقاً الاضطهاد بانتظام. وكانت الطقوس الأجنبية والخزعبلات الغريبة ، رغم تحريمها وطرد أتباعها من المدينة في بعض الأحيان ، تعود دائماً أقوى مما كانت . ويجب ألا يفوتنا القول ان العناصر الأخلاقية الأصلية قد سقطت عن الديانة الرومانية ، فأصبحت مجرد ديانة عسكرية وسياسية . لخير الدولة ، وليس لخلاص الأفراد . وكان على الفرد أن يلتزم القيام بطقوس مرسومة معينة ليجنب الدولة المتاعب . ولم تكن الدولة تطلب أكثر من ذلك . بل تترك للفرد قدراً كبيراً من الحرية في البحث عن الاثارة أو متعة الجمال في دفء الأسرار الأجنبية . وهكذا بينما كان الرومان يميزون بين الديانات المرخص بها وغير المرخص بها ، إلا أنهم نادراً ما استخدموا العنف ضد الديانات غير المرخص بها ، فلم يتعرض الكثير من الديانات غير المرخص بها للإنزعاج ، بل إن فكرة الامبراطورية - في صميمها - جعلت من التسامح مع الديانات غير الرومانية أمراً ضرورياً ، وقد تنازلت الدولة - عملياً ، لا نظرياً - عن فكرة الديانات غير المرخص بها ، لكنها احتفظت بها في سجل القوانين لاستخدام ذلك في أحوال طارئة ، مثل ما حدث مع الديانة المسيحية ، ولم تكن الحكومة وحدها هي المتسامحة . بل كانت الأشكال المختلفة للديانات متسامحة فيما بينها ، وعلى علاقات طيبة مع بعضها البعض ، فكان يسمح لشخص ما بالعضوية في أسرار عبادة عدة آلهة ، وفي نفس الوقت يمكن أن يكون كاهناً لإلهين أو أكثر ، فلم يكن هناك أدنى اعتراض على عبادة المسيح مع ميترا وايزيس وأدونيس ، وكان ادراك الناس لوحدة الإله يتزايد ، ويعطون لجيرانهم الحق في عبادة الإله الواحد المجهول ، تحت أسماء مختلفة وأشكال متباينة . ويقال أن هادريان قد سمح بإقامة معابد في كل الامبراطورية للإله المجهول .
( 1 ) اليهودية ديانة مصرح بها :
وتعتبر اليهودية - بالنسبة لتاريخ المسيحية - مثالاً هاماً للديانة المصرح بها . ومع أنه لم يوجد شعب منعزل أو عنيد أكثر من اليهود ، إلا أنهم مع ذلك ومنحوا ذلك الحق . فمنذ أيام يوليوس قيصر كانت السياسة الامبراطورية نحو اليهود ودياناتهم متسامحة تماماً ، باستثناء المحاولة المجنونة في أيام غايوس ( Gauis ) التي لم تدم طويلاً . وكثيراً ما حمتهم الحكومة من كراهية الرعاع لهم . وكان مسموحاً لهم - حتى 70 م - بحرية ارسال مساهمتهم السنوية للهيكل في أورشليم ، بل وسمحت لهم بامتيازات حكم ذاتي وسلطات تشريعية خاصة بهم . وهكذا شكلوا جماعة منعزلة متميزة في وسط المجتمع الروماني . بل أن الحرب المشئومة ( 68 - 70 م ) وسقوط أورشليم ، لم يسفرا عن اضطهاد اليهود رغم أن الرومان سحبوا معظم سلطات الحكم الذاتي والتشريع الذاتي ، وأجبروا اليهود على دفع ضريبة عن كل بالغ لمعبد الكابيتول للإله جوبيتر ، ولكنهم ظلوا يسمحون بالعبادة اليهودية ويحمونها ، بل أعفوهم من الواجبات التي لا تتفق مع ديانتهم مثل تأدية الخدمة العسكرية . وكان هذا التسامح نحو الديانة اليهودية ، بالغ الأهمية بالنسبة للمسيحية الوليدة التي كانوا يعتبرونها نوعا مصلحاً من الديانة اليهودية .
( 2 ) لماذا حرمت المسيحية وحدها :
وهنا يبرز السؤال : إن كانت هذه هي السياسة العامة للامبراطورية ، من الاعتدال والتسامح وافساح المجال أمام كل الآلهة والعبادات ، واحترام معتقدات كل شعوب الامبراطورية . فكيف يحدث هذا الأمر الاستثنائي بتحريم المسيحية وحدها واضطهادها ؟
لقد كانت المسيحية - في الحقيقة - ديانة غير مرخص بها ، ولم تسمح بها الحكومة كما سمحت باليهودية ، ولكن ليست هذه إجابة السؤال ، فقد كانت هناك ديانات أخرى غير مرخص بها ، ونمت بسرعة في الامبراطورية ، كما لم يكن التحريم لأن المسيحية كانت تهاجم الخطأ وتكسب دخلاء ، وجرؤت على الظهور حتى في بيت قيصر ، فقد كانت عبادة ميترا وعبادة ايزيس تهاجمان غيرهما من العبادات ، ومع هذا تسامحت معهما روما . كما لم يكن ذلك بسبب كراهية الشعب ، لأن الشعب لم يكن يكره المسيحيين أكثر مما يكره اليهود ، فلا بد أنه كانت هناك أسباب أخرى .
( 3 ) امبراطوريتان :
لقد وُلدت امبراطوريتان في نفس الوقت تقريبا تشابهتا جداً واختلفتا جداً حتى أصبح لا بد من نشوب الصراع بينهما حتى الموت . فكان المسيحيون يؤكدون أن المجتمع الذي ينتظرونه ويعملون من أجله هو ملكوت أي مملكة ، كان لا بد من الصراع للأسباب الآتية:
أ - الخلط بين الروحي والزمني :
لم يفكر المسيحيون على أساس قومي أو عنصري ، ولكن على أساس مسكوني . ولم يستطع الرومان أن يفهموا معنى قيام مملكة الله على الأرض ، وظنوا أن المسيحيين يطمعون في اقامة ملكوت سياسي ، وسرعان ما اكتشفوا أن المسيحية لم تأت لتنقذ بل لتدمير الامبراطورية وتمزيقها . وقد جعل الحماس المسيحي من كلمة ملكوت أمراً مزعجاً جداً لوطنية الوثنيين ، لأن الكثيرين من المسيحيين - في انتظارهم لظهور الرب ثانية - أخطأوا في ظنهم أن مملكة المسيح على الأرض وشيكة الظهور ، مما يهدد الدولة الرومانية . ورغم أن المسيحيين استناروا بالتدريج في هذا الصدد ، إلا أن الضرر كان قد وقع . وكانت كل من الامبراطورية الرومانية والمسيحية تهدفان إلى إقامة تنظيم اجتماعي يضم كل الجنس البشري . ولكن رغم تشابه هاتين المملكتين في نقاط عديدة ، وقد مهدت إحداهما الطريق للأخرى ، إلا أن التناقض بينهما كان أقوى من أن يسمح بالمصالحة بينهما ، وكانت المسيحية تهدف نحو العالمية من خلال الفرد ، فأضفت قيمة جديدة على الشخصية الإنسانية .
ب - مطالب فريدة للمسيحية : يبدو أن المسيحية قد استفرت الكبرياء الرومانية بدعاواها الغريبة ، فقد نادت أن العالم سيحترق بنار ليفسح الطريق لسموات جديدة وأرض جديدة ، وان المدينة الخالدة روما لا بد أن تسقط ، وأن ملكًا سيأتي من السماء له يخضع المسيحيون ، وأنه في وسط الخراب القادم سينعم المسيحيون بالسلام.
ج - طرافة المسيحية : بعد أن خرجت المسيحية من تحت عباءة اليهودية ، لا بد أنها فاجأت الحكومة ، كديانة جديدة غير مصرح بها ، وقد أصبحت لها قوتها ، وكانت أحدث وآخر ديانة تظهر في الامبراطورية فجأة بدون سابق انذار . ولم يكن واضحًا أمام العقل الروماني ، أن المسيحية ظلت تنتشر لمدة جيل في ظل التسامح الديني الذي كفلته الدولة لليهودية باعتبارها ديانة قديمة العهد (كما ذكر تاسيتوس ) ، فقد كان الرومان ذوي طبيعة محافظة لا يحبون التجديد . وقد نصح أعظم رجال الدولة في عهد أوغسطس قيصر ، وهو ميسيناس ( Maecenas ) ، الامبراطور بألا يتسامح مع أديان جديدة هدَّامة للامبراطورية ، وأن ظهور عقيدة جديدة فجأة لها أتباع كثيرون ، قد تشكل خطراً على السلام العام .
د - عدم تسامح الديانة المسيحية وانغلاقها :وبطريقة ما كان المسيحيون يهدمون روح التسامح في الامبراطورية ، بعدم تسامحهم مع الديانات الاخري وانغلاق مجتمعهم ، بينما قبلت كل الديانات الأخرى في الامبراطورية التساهل وحرية الاختيار ، وكانت على استعداد للالتقاء مع نقاط الاتفاق مع جيرانها أكثر مما مع نقاط الاختلاف ، لكن المسيحية لم تقبل المهادنة ولم تتسامح مع سائر الأنظمة الدينية الأخرى ، وبدت بذلك ظالمة للعبادات الاخرى التي ظلت السند الروحي لكثير من الشعوب قبل أن تشرق شمس المسيحية . ولكن لا يمكن أن نلومها متى عرفنا أنه من أجل حياتها ورسالتها ، كان عليها ألا تتهاون في الحق المسلم إليها ، فقد كان العديدون من الوثنيين على استعداد أن يقبلوا المسيح بفرح مع ميترا وإيزيس وسيرابيس . لكن المسيحية كانت تستلزم الانفصال التام ، فلم تكن عبادة المسيح تحتمل أي منافس ، فهي الديانة الوحيدة المقبولة ويجب أن ينفصل أتباع المسيح عن العالم . ولقد كانت كنيسة المسيح حاسمة في موقفها ، فالمسيحية لا تتساوي مع أي ديانة أخرى ، بل هي تسمو فوق كل الديانات . وبدت - بالطبع - هذه الروح عدائية بالقياس الى روح تلك الأيام التي سمحت للديانات المتنافسة أن تعيش معًا بغير مبالاة . أضف إلى ذلك انعزال المجتمع المسيحي ، فلم يكن مسموحاً لأي وثني - مهما بلغ من الورع ومارس تطهير النفس عن طريق التصوف وطقوس ديانته القديمة- أن يكون عضواً في الكنيسة المسيحية ما لم ينبذ تلك الأشياء العزيزة عليه . وقد ظهرت روح الانعزال في كل جوانب الحياة العامة . وكان المسيحيون يجتمعون ليلاً في اجتماعات سرية ، وقد اتهمهم أعداؤهم بأنهم يرتكبون أبشع الجرائم في تلك الاجتماعات مثل إقامة ولائم للدعارة ومعاشرة الأمهات وغير ذلك من الرذائل ، وكان كل ذلك لانعزالهم .
هـ - العناد : أضف إلى ذلك العناد الشديد الذي قابل به المسيحيون مطالب السلطات الامبراطورية ، وكان ذلك مثيراً جداً للحكام الرومان . وكان يمكن أن يتركهم الرومان أحراراً في ديانتهم لو أنهم أظهروا الطاعة - ولو شكلياً - للديانة الرسمية للدولة . إن اعتدال الرومان واحترامهم للقانون قد اصطدما بعناد المسيحيين وإصرارهم ، وقد بدت شجاعة الشهداء أمام أعدائهم كنوع من التعصب العنيد ، وقد أشار الامبراطور أوريليوس إلى المسيحية مرة واحدة بتلك العبارة : محض عناد كما أشار اليها أريستيدس ( Aristides ) قائلاً إنها مجرد عناد .
و - مهاجمة الديانات الوثنية : لم يقنع المسيحيون بالانسحاب الحاسم من الممارسات الوثنية ، بل هاجموا الديانات الوثنية بكل شدة ، وصارت تلك الديانات - في رأي المسيحيين - تعاليم شياطين . كما كانت الديانة الامبراطورية وعبادة الامبراطور نجاسة في نظرهم ، ومن ثم وقعوا تحت طائلة الاتهام بعدم والولاء للامبراطور والإجرام في حقه ، وهزأوا من القول بأن عظمة روما ترجع إلى احترامها للآلهة . وهكذا بدا المسيحيون ملحدين ، من وجهة نظر الوثنيين . وحيث أن الديانة كانت مسألة ترتبط بسلامة الدولة وخيرها ، فإن الالحاد يمكن أن يستجلب غضب الآلهة على الدولة .
ز - القاء المسيحيين للأسود : ما أن بدأت المصائب والكوارث تنهال على الامبراطورية الرومانية ، حتى ألقوا باللوم على المسيحيين . ففي القديم ، كثيراً ما كانت روما تسترضي الآلهة باستيراد ديانات أخرى جديدة . وفي أحيان أخرى كان يتم استبعاد بعض الديانات الشرقية حفاظاً على الفضيلة . آما الآن ، فقد أصبح المسيحيون هم كبش الفداء ، عندما تقع الكوارث . فإذا حدثت مجاعة أو زلزلة أو وباء ، أو أي كارثة قومية ، ترتفع الصرخات مطالبة بالقاء المسيحين الى الأسود .
وقد ظلت هذه النظرة الظالمة إلى المسيحية - كعامل هدَّام للامبراطورية - حتى سقوط روما في يد ألريك (Alaric) ملك القوط . وقد نسي الوثنيون أن المصائب والكوارث الكبري - كما قال المدافعون - كانت تنزل بروما قبل العصر المسيحي . وكان المسيحيون على الدوام على استعداد للتضحية بذواتهم في أوقات الشدة ، مقدمين العون للوثنيين والمسيحيين على حد سواء .
حـ - الكراهية للجنس البشري : ولقد تجمع كل حقد على المسيحين في اتهامهم بالكراهية للجنس البشري أو للمجتمع ، والتي قوبلت بكراهية الجنس البشري لهم . لقد كان المسيحيون مكروهين للغاية ، ليس من الرعاع فقط ، بل ومن الطبقات العيا المثقفة أيضاً . وكان معظم أتباع المسيحية الأوائل من طبقة العبيد أو العتقاء . فلم يكن الكثيرون حكماء ولا الكثيرون شرفاء ( 1 كو 1 : 26 ) ، كما كان القليلون منهم مواطنون رومانيين . وقد ذكرنا بعض الجرائم التي اتهمهم بها اعدائهم ، وقد دعوهم مسيحيين لأول مرة في انطاكية ، استهزاء بهم . كما دعاهم اليهود نصاري . ولم يكن هناك لقب حقير إلا وألصقوه بهم ، فنعتوهم بأحط النعوت . ولم يجد الكتَّاب الرومان ألقابًا أبشع من أن يلقبوهم بها . فتاسيتوس (Tacitus) يعتبر الايمان المسيحي من الأمور البغيضة الشنيعة التي اجتاحت روما ، ويصفها بأنها خرافة قاتلة ، كما وصفها سوتونيوس (Suetonius) غريبة وضارة ، ويقول عنها بليني (Pliny) إنها تافهة حقيرة ، ولذلك قال يوستس (Justus) : إن المسيحيون كانوا مكروهين وملعونين من كل الجنس البشري . وقد تأكدت هذه الكراهية وهذا الحقد بهجمات الفلسفة على المسيحية . وعندما شدت الديانة الجديدة أنظار الفلاسفة ، لم يكن ذلك -أولاً - إلا للسخرية منها . ويمكن معرفة موقف الفلسفة الوثنية - بجلاء - بقراءة كتابات كلسوس (Celsus) وكتابات المدافعين المسيحيين .
( 4 ) لم تكن الامبراطورية الرومانية المصدر الوحيد للازعاج :
لقد ظلت الفلسفة طويلاً بمعزل عن ديانة الجليلي المصلوب ، فكان الحكماء هم آخر من دخل ملكوت الله . فعندما رسخت المسيحية أخيراً كقوة دائمة في الفكر الانساني ، تنازلت الفلسفة ، وأخذت أقوال المسيحية في الحسبان ، إلا أن هذا جاء متأخراً جداً ، بعد أن كان الايمان الجديد قد أصبح مكروهاً فعلاً من العالم . واكتشفت الفلسفة ضعفها وبدأت في إصلاح نفسها بمحاولة أن تكون فلسفة وديناً معاً ، وهو ما حدث بصفة خاصة في الأفلاطونية الحديثة . حيث ينحني فيها العقل أمام الاعلان . وكانت القوة الأخرى التي عكرت سلام الكنيسة المسيحية ، هي العدو الكامن داخل الحظيرة . فقد دخلت أعداد كبيرة من الوثنيين إلى الكنيسة . جاءوا بأفكارهم الشرقية واليونانية ، مثلما جاء المسيحيون من اليهود بأفكارهم اليهودية معهم . وقد أدي هذا الى هرطقات شنيعة ، وكانت كل مدرسة فكرية تشوِّه - على طريقتها الخاصة - الايمان القويم . ثم انضم الى تلك القوى المعادية ، حليف آخر هو الوثنية المصلحة بقيادة كهنوت مجروح في كبريائه . ففي البداية ، كان مما ساعد المسيحية كثيراً ، هو أنه لم يكن هناك كهنة حاقدون غيورون على رأس الديانة اليونانية الرومانية ، كما كان في اليهودية والديانات الشرقية ، فقد كان الاضطهاد الديني دائماً من صنع الكهنوت ، وهو ما لم يحدث في العالم الروماني إلا في وقت متأخر عندما بدأ إهمال المعابد والمذابح وهجرانها ، وهنا قام الكهنة كهيئة معارضة . وهكذا نرى أنه لم تقف السلطة الامبراطورية الرومانية وحدها في وجه المسيحية ، إنما كان يحرضها ويدفعها إلى ذلك : 1 - كراهية الشعب لها . 2 - الفلسفة . 3 - كهنة الوثنييين . 4 - الهرطقات داخل الكنيسة .
أولاً - موجز عن الامبراطورية الرومانية :
يعتبر قيام الامبراطورية الرومانية أعظم الانجازات السياسية التي تمت في التاريخ ، حيث تبدو انتصارات الاسكندر الأكبر وشارلمان ونابليون ضئيلة ، بالمقارنة بالبناء المتين الذي أقامه يوليوس قيصر وخليفته أوغسطس . كان يوليوس قيصر ، الذي يعتبر من بعض الوجوه أعظم رجل أنجبته روما ، هو مؤسس الامبراطورية ، كما كان أوغسطس قيصر هو أول الأباطرة العظام . ولكن كانت الامبراطورية الرومانية نتاج عملية طويلة من النمو السياسي والدستوري والاجتماعي ، مما يضفي على تاريخ روما أهمية عظمى ، فكانت الامبراطورية الرومانية هي الحل الوحيد الممكن لصراع دام نحو سبعمائة عام . فتاريخ روما هو قصة صراع طبقة ضد طبقة أخرى ، طبقة النبلاء ضد طبقة عامة الشعب ، صراع الأقلية ضد الأكثرية ، صراع حكومة الأثرياء ضد جموع الشعب المهملة . إنها قصة المسيرة المنتصرة للديمقراطية ، والحكومة الشعبية ضد الحكم المطلق لطبقة النبلاء . فلقد أصر عامة الشعب - رغم كل الفروق الهائلة - على المطالبة بحقوقهم ، حتى نالوا أخيراً قدراً من المساواة الاجتماعية والسياسية والقانونية مع سادتهم . ولكن الصراع الطويل أضعف كلا الفريقين حتى لم تعد ، لا الأكثرية المناضلة ، ولا الأقلية المستبدة ، بقادرتين على تحقيق التوازن العادل . فقد انتصرت الديمقراطية في الصراع ، لكنها خسرت نفسها واضطرت إلى قبول سيد عام على رأس الأرستقراطية . ولم يكن الأمر قليل الأهمية بالنسبة للمسيحية ، فقد كانت الامبراطورية الرومانية تخطو عملياً - لأسباب داخلية وأخرى خارجية - نحو حكومة الرجل الواحد ، وهو المقابل السياسي للديانة الشاملة التي تنادي بالله الواحد والمخلص الواحد.
ثانياً - الامبراطورية الرومانية تمهد للمسيحية :
حوالي منتصف فترة حكم أوغسطس قيصر ، وُلد طفل يهودي ، كان من المقرر أن يملك على إمبراطورية أكبر إتساعاً ، وأطول بقاء من امبراطورية القياصرة . إنها لحقيقة مذهلة أن يتواكب - تقريباً - قيام الامبراطورية الرومانية مع ظهور المسيحية . ومع أنه يبدو للنظرة السطحية ، أن الامبراطورية الرومانية بدت كأكبر عدو للمسيحية في عهدها الأول ، بل وكانت في بعض الأحيان أعتى مضطهد لها ، إلا أن الامبراطورية الرومانية كانت - من وجوه كثيرة - أعظم تمهيد للمسيحية ، بل - وفي بعض الجوانب - أفضل حليف لها ، فقد كانت الامبراطورية - من وجهة النظر السياسية - إعلاناً بحلول ملء الأزمنة فإن القياصرة - مهما كانوا ، ومهما فعلوا - قد أعدوا الطريق للرب . ولا بد أن نقدم هنا موجزاً لبعض الخدمات التي قدمتها الامبراطورية الرومانية للبشرية بعامة ، ولملكوت الله بخاصة .
( 1 ) السلام الروماني وتوحيد العالم :
كانت أول خدمة أدتها الامبراطورية الرومانية للعالم هي استتباب الأمن والسلام ، فلم يكن في العالم سلام منذ أيام الاسكندر الأكبر ، بل كانت الصراعات الداخلية والغزوات الخارجية سبباً في استمرار حالة من الغليان ، وتم ارساء أسس السلام العالمي عندما أمسك أوغسطس قيصر بزمام الحكم ، فاستقرت الأحوال في بلاد الامبراطورية من بريطانيا شمالاً إلى نهر الفرات شرقاً . لقد وضعت روما نهاية لحروبها الأهلية ، كما أوقفت جميع الحروب بين شعوبها ، ورغم أن حروبها كانت في بعض الأحيان جائرة وبلا مبرر ، كما تصرفت في بعض غزواتها تصرف البرابرة ، إلا أنها كانت تحكم الشعوب التي أخضعتها حكماً يتميز بروح إنسانية . انتهت الصراعات الداخلية التي سببت الكثير من الغليان في الشرق ، فأصبحت كل مناطق أسيا الصغرى وبلاد الشرق الأوسط خاضعة لروما ، وهكذا وحدت الامبراطورية الشعوب اليونانية والرومانية واليهودية تحت حكم واحد ، ومزجت هذه الشعوب معاً وأعدتهم للمسيحية ، حيث أمكن آنذاك فقط ، الحديث عن العالم كوحدة : كل المسكونة ( لو 2 : 1 ) التي تحكمها حكومة واحدة ، فقد صار الجميع أعضاء في دولة عالمية واحدة ، هي الامبراطورية الرومانية التي تظلل الجميع بشعار النسر الروماني .
( 2 ) العالمية والتحرر من القيود القومية :
لقد ساهمت الأوضاع الجديدة في التحرر من القيود القومية ، ذلك التحرر الذي بدأ بفتوحات القائد المقدوني ، فقد زالت - تحت علم الامبراطورية الرومانية - كل الحواجز القومية ، وصارت المدن الكبرى - مثل روما والاسكندرية وأنطاكية وغيرها - أماكن التقاء لكل الأجناس واللغات . فقد حمل الرومان - أينما توجهوا - قوانينهم وحضارتهم ، كما استقر الإغريق بالآلآف في كل المراكز الهامة كأساتذة بالآلاف وتجار وأطباء ورياضيين . كما نزحت أعداد ضخمة من أهل الشرق ومعهم آلهتهم وأسرارهم إلى روما التي أصبحت صورة مصغرة للعالم . وأصبح الجنود - في الجيوش الرومانية ، من كل أركان الامبراطورية - رفقاء سلاح وأصدقاء . كما أسهم الآلاف من العبيد من ذوي التعليم والثقافة الرفيعة ، في حركة التحرر ، لأنهم في كثير من الأحوال كانوا أرفع ثقافة من سادتهم ، فأصبحوا لهم معلمين . كما أنه في كل مدينة هامة - شرقاً أو غرباً - استقرت جماعات كبيرة من شتات اليهود .
( 3 ) انتقاء الأفضل : ( Electicism ) :
كانت هذه العالمية دافعاً كبيراً لتغير أفضل الأفكار ، ولم يكن ثمة شئ أفضل للمسيحية من هذا الانصهار بين جميع الأجناس ، وتبادل الأفكار . فقد اكتشف كل شعب الأشياء التي يشترك فيها مع جيرانه . ومنذ القرن الثالث قبل الميلاد ، والرواقيون ينادون ببشارة الأخوة المدنية والأدبية بين كل البشر . وبإنصهار النظم الفلسفية المختلفة ، أنتقل الاهتمام بالنظرة القومية إلى الاهتمام بالنظرة الأخلاقية والأدبية والإنسانية ، وهكذا أصبح الجميع متساويين أمام الواحد ، ولم يعد ثمة فرق إلا من جهة الفضيلة والرذيلة ، واقترب الناس إلى الإله الحكيم الصالح ، حتى قال أحد الشعراء : إننا ذريته ( أنظر الرواقية ) . كما عمل شتات اليهود على اعداد الفكر في الامبراطورية الرومانية للمسيحية ، فقد تعلَّم اليونانيون من اليهود ، واليهود من اليونانيون ، وتعلَّم الرومانيون من كليهما . كما ساعد القانون الروماني ، والادارة الرومانية شتات اليهود مساعدة كبيرة ، وازداد عدد المستوطنات اليهودية واكتسبت قوة في كلا القسمين الشرقي والغربي ، من الامبراطورية . وقد أتى اليهود من بلادهم بعبادة الإله الواحد ممتزجة بالفلسفة اليونانية التي كانت تسير فعلاً نحو عبادة الله الواحد ، وهكذا كانت الطقوس الوثنية آخذه في الأفول .
لقد تكلم اليهود بلغة العالم في ذلك العصر ، وهي اليونانية ، وترجموا أسفارهم المقدسة إلى اليونانية ، وبها كسبوا الكثير من الدخلاء . وكانت الروح الرومانية في البداية ضعيفة ، ولكن سرعان ما انضوى الرومانيون تحت هذا الاتجاه العالمي واختيار الأفضل . وبإزدياد فتوحاتهم اتسعت عقولهم ، واعتنقوا سياسة الاسكندر في الاحتفاظ بآلهة الشعوب المهزومة ، وجعلوها تحت حماية روما ، وضموها إلى مجتمع آلهتهم . وبهذه الطريقة كان من الطبيعي أن تسيطر الأفكار الوثنية للشعوب المهزومة - وقد كانوا أكثر ثقافة وأعرق حضاره - على عقول الرومانيون .
( 4 ) حماية الثقافة اليونانية :
كانت الخدمة الجليلة الأخرى التي أسدتها السلطات الرومانية للبشرية وللمسيحية ، هي الحماية التي أضفتها روما على تراث الحضارة اليونانية . ويجب أن نذكر أن الرومانيين لم يكونوا في الأصل إلا قبائل متبربرة غازية لا تعني كثيراً بالثقافة ، بل كانت القوة هي مثلهم الأعلى . وكانوا قد قضوا بالفعل على حضارتين عريقتين رفيعتين ، هما : حضارة قرطاجنة في شمال أفريقية ، دون أن يتركوا لها أثرًا - وحضارة إتروريا ( Etruria ) في إيطاليا التي اكتشفت - في الأزمنة الحديثة - بعض أثارها وبقاياها . ومن الصعب إدراك ما كان يمكن لروما الجبارة أن تفعله بالعالم ، لو لم تقع تحت تأثير ثقافة اليونان الراقية وفلسفتهم الرفيعة . ولو أن إله الحرب الروماني مارس لم تهذبه الحكمة الإغريقية بالاس أثينا ( Pallas Athene ) لفعل ما فعله الوندال والتتار من القضاء على الحضارة الإنسانية ، ووقف تقدم البشرية . أما الإغريق - من جهة أخرى - فقد أمكنهم أن يغزوا ، عن طريق التفوق في كل شئ مرتبط بالحياة العقلية للإنسان ، أكثر من قدرتهم على الغزو بالسيف . وكان الفكر اليوناني في حاجة إلى قوة عملية وسياسية لحمايته . فالرومانيون بعد أن تسببوا - في البداية - في الكثير من الخراب ، تعلَّموا شيئاً فشيئاً ، وتحضروا وأسهموا في ازدهار الحضارات التالية ، بأن حفظوا وكشفوا للعالم كل الخصائص الروحية للإغريق ، وأخذت صلة الإنسان بالاله - التي عرفوها من سقراط وأفلاطون - تنتشر إلى أوسع مدى . وقد استفاد الكثيرون من عظماء اللاهوتيين وقادة الكنيسة المسيحية ، من حضارة الاغريق ، وفلسفاتهم وعلومهم اللاهوتية ، حتى قال أكليمندس السكندري إن الفلسفة اليونانية والشريعة اليهودية ، كانتا المعلم الذي أتى بالعالم إلى المسيح . كما أن الرسول بولس - الذي خرج بالمسيحية من البقاء حبيسة الحظيرة اليهودية ، ونادى بشمولها لكل الناس - تعلَّم الكثير من الفكر اليوناني وبخاصة من الرواقيين . ومما يسترعي الالتفات أن الإرساليات المسيحية الأولى ذهبت فقط إلى الشعوب التي تتكلم اليونانية ، وهو ما كان واقعاً في كل مراكز الامبراطورية الرومانية .
( 5 ) اللغة :
كانت الأحوال في الامبراطورية الرومانية من جهة اللغة على أفضل ما يكون لنشر المسيحية . وقد أمكن للجمهوريات اليونانية - بأعمالها ومشروعاتها وعبقريتها الرائعة وامكاناتها التجارية - أن تنشر لهجاتها اليونانية في كل جزر بحر إيجة وسواحل أسيا الصغرى وصقلية وكل الأقاليم اليونانية . ومن هذا الكم الكبير من اللهجات اليونانية ، نشأت أخيراً لغة يونانية عامة ( Koine ) . ومع انتصارات الاسكندر الأكبر أصبحت هذه اللغة الاغريقية هي اللغة الشائعة فكانت معروفة في شمالي الهند وفي بلاط فارس ، وعلى سواحل البحر الأسود البعيدة علاوة على البلاد المحيطة بالبحر المتوسط ، فكان الموطن الأصلي للإنجيل ( بلاد اليهودية ) محاطاً من كل الجهات بالحضارة اليونانية . بل قد تغلغلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية في وسط يهود فلسطين العنيدين والمحافظين على هويتهم . ورغم أن اليونانية لم تكن هي اللغة الأصلية لربنا يسوع المسيح ، إلا أنه على ما يبدو لنا ، كان يعرفها ويتحدث بها متى اضطر إلى ذلك ، أما لغته التي كان يتكلم ويعلَّم بها فكانت الأرامية . وتاريخ صراع المكابيين يقدم لنا دليلاً قوياً على مدى انتشار الثقافة اليونانية واللغة اليونانية بين اليهود . وفى الأيام الأخيرة لأورشليم ذاتها ، كان فيها جماعات هيلينية من يهود أتقياء، وكانت اليونانية لغة عالمية عند اليهود أنفسهم . وكان النقش المكتوب على جدار الساحة الخارجية للهيكل لتحذير الأمم - تحت التهديد بعقوبة القتل - مكتوباً باللغة اليونانية .
وأصبحت اللغة اليونانية ( Koine ) هي اللغة الشائعة بين شتات اليهود ، فقد أدرك اليهود مزايا اللغة اليونانية كلغة للتجارة - التي هي وظيفة اليهود الرئيسية - وللثقافة ولإكتساب دخلاء . وقد نشروا الأسفار المقدسة بالترجمة السبعينية في العالمين اليوناني والروماني . وعندما ظهر الرومانيون ، وجدوا هذه اللغة معروفة جداً وواسعة الإنتشار ومتأصلة الجذور ، فلم يأملوا في إحلال لغتهم محلها ، بل لم يحاولوا ذلك ، في الحقيقة إلا في صقلية وجنوبي إيطاليا ، وبالتدريج رحبوا بها واستخدموها وسيلة للاتصال بين الشعوب في المناطق الشرقية الخاضعة لهم .
ومع أن اللاتينية كانت - بالطبع - لغة الغزاة الرسمية ، فقد كان الحكام - بعامة - يصدرون أحكامهم وقراراتهم باللغة اللاتينية ومعها ترجمتها باليونانية حتى يقدر الشعب أن يفهمها . وكثيراً ما شكا الشعراء والمؤرخون اللاتينيون من أن اليونانية قد تغلبت على لغة الرومانيين المنتصرين . وبإنتشار اللاتينية أصبحت هناك لغتان عالميتان جنباً إلى جنب في كل أقطار الامبراطورية الرومانية ، ولكن كانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في النصف الشرقي من الامبراطورية ، وهو الذي كان التربة الأولى التي أنتشرت فيها المسيحية . وعندما مدت المسيحية نشاطها إلى الغرب، وجدت في اللاتينية وسيلة جاهزة للتفاهم والاتصال . واحترام الرومان للغة اليونانية أمر يدعو للتقدير ، فقد كان ذلك لفائدة المسيحية ، لأنها عندما بدأت تتجه نحو العالم تخلت عن الأرامية - لغتها الأصلية - لكي يصبح الإنجيل إنجيلاً للعالم كله ، تمت ترجمته إلى اليونانية ، ولم يضطر المبشرون المسيحيون الأوائل إلى تعلم لغات أو ألسنة ، بل كفتهم اليونانية تلك المشقة . وقد كتب الرسول بولس باليونانية إلى الكنيسة في روما ذاتها ، فقد كانت اليونانية شائعة فيها . وبينما كانت المسيحية تنتشر في الشرق اليوناني الذي ربطت بين أجزائه الادارة الرومانية ، كان الرومان يمهدون الطريق إلى الغرب ويعدونه للمسيحية .
( 6 ) الأحوال في الامبراطورية :
لقد فتحت الامبراطورية الرومانية أمام المسيحية الطرق الكبرى التي سار فيها الرسل والمبشرون . فشبكة الطرق العظيمة التي كانت تربط العالم المتحضر آنذاك ، لم تخدم الجيوش الرومانية والحرس الامبراطوري فحسب ، بل أدت نفس الخدمة للارساليات التبشيرية الأولى . وعندما بدأت الكنائس تنشأ في كل جهات الامبراطورية ، سهَّلت هذه الطرق تنظيم الكنائس والاتصالات فيما بينها ، مما دعم الكنيسة وجعلها تتغلب أخيراً على الامبراطورية ذاتها . وعندما استتب السلام في ربوع الامبراطورية ، ازدحمت كل هذه الطرق بحشود من القوافل والتجار ، فانتعشت التجارة تحت ظروف أفضل من قبل ، ولم يتبادل الناس الأشياء المادية فحسب ، بل والأشياء الروحية أيضاً . وكان الكثيرون من التجار والصناع من المسيحيين ، وبينما كانوا يبيعون ويشترون الأشياء الفانية ، لم تفتهم الفرصة لنشر الإنجيل . وكان البحر - بالنسبة لامبراطورية تحتضن كل شواطئ البحر المتوسط - وسيلة هامة للاتصال ، بعد أن أصبحت طرق التجارة البحرية في البحر المتوسط أكثر أماناً عنها في أي فترة سابقة ، فقد طرد بومبي الكبير القراصنة من البحر ، وعند سقوط سكتوس بومبي لم يكن ثمة قوة بحرية معادية . وقد أدت السفن التي كانت تروح وتجئ ، بأعداد لا حصر لها في ذلك البحر الروماني - خدمات رائعة وفرصاً عظيمة للخدمات التبشيرية المسيحية الأولى .
( 7 ) التسامح :
كان للقدر الكبير من الحرية الذي سمحت به السلطات الرومانية لمختلف الديانات ، فضل في نمو المسيحية الوليدة . فلم يكن من سياسة الامبراطورية - في بداية الأمر - اضطهاد الديانات ، أو إنشاء محاكم تفتيش . وقد ازدهرت عبادات غريبة كثيرة ، وافدة من الشرق ومن مصر ، في العاصمة . وما لم تصبح هذه العبادات خطراً على الفضيلة العامة أو على سلام المجتمع ، فإنه كان مسموحاً لها بالانتشار دون مساءلة ، بل وتحت أعين الشرطة .
( 8 ) النموذج لكنيسة جامعة :
بإلاضافة إلى ذلك ، فإن الامبراطورية الرومانية قد قدمت للمسيحية صورة ظاهرة للطموح الروحي ، فوسعت الرؤية أمام الكنيسة . فكان في إمكان بولس - كمواطن في امبراطورية عالمية - أن يحلم بديانة تضم كل البشرية ، فإن كان سيف الرومان قد استطاع أن ينتصر ويوحِّد كل المسكونة ، فيجب على الكنيسة المجاهدة ألا يكون سعيها في الدائرة الروحية ، بأقل من ذلك . كما استمد منها المسئولون الأوائل الكثير من الأفكار في تنظيم المجتمع الجديد ، حتى صارت الكنيسة المسيحية - فيما بعد - صورة من الامبراطورية الرومانية . وقد استخدم المسيحيون الكثير من أسلحة العدو، وتعلموا منه أساليب الهجوم ، والدفاع ، وقيمة التنظيم الشامل .
( 9 ) التشريع الروماني :
تميز القانون الروماني في أصوله بأضيق الاستثناءات . وقد صيغ أول قانون روماني رسمي حسب الأنماط اليونانية ، إلا أن الرومان - هنا كما في أمور أخرى كثيرة - طوَّروا ما استعاروه وصاروا أساتذة التشريع في العالم القديم . ومع اتساع امبراطوريتهم ومفاهيمهم ، أعادوا صياغة قوانينهم لتطبق على كل رعاياهم . وكان من أعظم الخدمات التي أسدتها الامبراطورية الرومانية للعالم القديم هي النظام المتناسق لقوانين صالحة ، حتى صارت مصدراً لمعظم القوانين في العالم الحاضر . وقد لعب القانون الروماني دوراً يضارع في الأهمية دور الشريعة اليهودية ، في صياغة النظم المسيحية . فقد علَّم الناس الطاعة واحترام السلطات ، وبرهن على أنه قوة فعالة للتحضر والمساواة في أرجاء الامبرطورية .
( 10 ) التمهيد سلبياً :
قدمت روما لرعاياها قوانين ممتازة وحكومة نظامية ، وحماية عسكرية ، ولكنها لم تقدم لهم ديانة مقنعة ، وكانت الامبراطورية العالمية في حاجة إلى ديانة عالمية لم تجدها إلا في المسيحية . وهكذا ليس فقط بما أمكن للرومانيين أن يتمموه ، بل بما لم يتمموه أيضاً صار الطريق ممهداً أمام الرب ، وأصبح الشعب مهيأ لمجيئه . لقد أثبتت الديانات القومية القديمة أنها غير قادرة على اشباع الحاجات المتزايدة لطبيعة الإنسان روحياً وأدبياً ، وكان الإفلاس الأدبي بارزاً . لقد انحدرت الديانة الرومانية القديمة من فضائل مجردة إلى مجرد شكليات ولم يعد الإنسان يجد في ديانة الدولة مجالاً لنشاطه الروحي . فهو لم يعد مجرد ذرة في المجتمع ، يقوم بطقوس دينية ، ليست لصالح روحه ، بل لصالح المجتمع . وكانت شخصية الفرد آخذة في البروز ببطء ، كما دعت المدارس الفلسفية الجديدة الإنسان للبحث عن السلام مع الله - بعيداً عن الدولة - في عزلة بنفسه قبل كل شئ . إلا أنه حتى أفضل تلك المدارس وجدت أن الحاجة ملحة وصارخة إلى ديانة إيجابية ، لا سلبية . الحاجة ماسة إلى حياة مثالية كاملة حية متحركة ، فوق حياة البشر العادية . وهكذا أحس الناس بشديد الحاجة إلى إعلان جديد، إلى رؤية جديدة أو إلى معرفة صحيحة بالله . وأعتقد الناس في الأيام الغابرة أن الله قد أعلن ذاته للأولين من الحكماء أو الأبطال من أسلافهم ، لذلك يجب على الأجيال التالية أن تقبل بالإيمان ما نادى به أولئك الراءون الأولون الذين كانوا أقرب إلى الله - كما قال شيشرون - ولكن سرعان ما نفذ هذا الكم من المعرفة ، فإن أفلاطون بعد أن حلَّق إلى الذروة في الفكر الفلسفي والشعري عن الإله ، اعترف بالحاجة إلى شيطان أو إنسان خارق للعادة ( سوبر مان ) ليفضي إلينا بأسرار الأبدية.
وفي بداية عصر الامبراطورية الرومانية بدأت فترة من القلق والاضطراب الديني واسع المدى ، وحاول الناس أن يجدوا لهم في الفلسفة والسحر والتنجيم والطقوس الغريبة ، مكاناً اميناً يستريحون إليه . وكان هذا سبب الانتشار السريع المكثف للأسرار الشرقية التي وعدت العلاقة المبتدئة مع الله هنا ، برجاء أفضل عند الموت ، وأرضت الرغبة الملحة في الخلود في نهاية الزمان . وكانت هذه هي النفوس الجادة المستعدة لإستقبال الأخبار الطيبة عن يسوع بفرح ، أما الآخرون فكانوا قد فقدوا كل إيمان بجميع أشكال الدين ، وأسلموا أنفسهم ليأس قاتل واعتنقوا الأبيقورية التي كانت تبشر بالفناء والانتهازية . كان لهذا النمط من التفكير سحر رهيب على من أوصلهم اليأس إلى حالة من الضياع . ونرى ذلك بصورة قوية في شعر لو كريتيوس
( Lucretius ) - أي عمر الخيام في الأدب اللاتيني - وآخرين غيره ، فإذ لم يقدروا أن يجدوا الله أسلموا أنفسهم لفلسفة الشك القاتلة . وتتأكد الحاجة الماسة إلى إنجيل جديد للحياة والخلود ، من قراءة النقوش اليونانية والرومانية المنقوشة على القبور في ذلك العصر . بل إن سينكا - الذي كاد أن يكون مسيحياً في بعض النواحي - تحدث عن الخلود كحلم جميل . ولم يكن لدى سيرفيوس سولبيشيوس
( Servius Sulpicious ) ، وهو يكتب رسالة لشيشرون لتعزيته في موت توليا (Tullia ) التي افتقدها كثيراً ، إلا كلمة لو في حديثه عن المستقبل . ويقترح قيصر - الذي كان يشغل رئاسة الكهنوت ، والذي يمثل أعلى سلطة دينية في الدولة - أن يكون السجن مدى الحياة هو عقاب المجرمين الأوغاد حيث أن الاعدام سيعني الفناء ومن ثم الراحة لهم . ويتحدث كاتو - أكثر رجال جيله تديناً وورعاً - بكلمات لا تلقي أى لوم على إبيقورية قيصر وماديته . أما شيشرون فقد اكتفى بأن يترك موضوع الخلود بلا حل . لقد سخر فلاسفة أثينا من الرسول بولس عندما تحدث في أريوس باغوس عن القيامة . كان هذا هو سلوك الطبقات المثقفة في العالم اليوناني الروماني في فجر المسيحية ، ولكن كانت هناك - بلا شك - رغبة قوية في الوجود المستمر . وكانت الطبقات الأخرى تمارس طقوس ديانات قومية ميتة بطريقة آلية ، وكان البعض يبحثون عن الإثارة وعن مجالات لإشباع أهوائهم الدنيا . كما كان البعض الآخر يبحثون عن السلام والأمل في المستقبل في أسرار الديانات الشرقية . كان قد بدأ ظهور التمييز بين الشر الأدبي والمادي ، ومن ثم إدراك الخطية ، فلم تكن الديانة والأخلاق قد اتحدتا من قبل ، وكان عرش عقل الإنسان شاغراً . وكانت المسيحية الوشيكة هي أفضل من يشغله . كان الفكر اليوناني الروماني آخذاً في الإتساع ليتلقى تعاليم يسوع النقية .
ثالثاً - موقف الامبراطورية الرومانية من الديانات :
( أ ) الديانة الرومانية أو ديانة الدولة :
يكشف تاريخ الديانة الرومانية عن تغلغل العبادات والطقوس الأترورية واليونانية والمصرية والشرقية ، حتى لم يعد ممكناً التعرف على الديانة الرومانية القديمة ، بل لم يمكن لدارسي التاريخ القديم أن يكتشفوا حقيقة العديد من الآلهة الرومانية . فقد ظلت أنماط العبادة الرومانية وطقوسها ، تتراجع باضطراد حتى أخلت السبيل - مع غيرها من الطقوس الغريبة الأخرى التي غلبت عليها - أمام قوة المسيحية . وباتساع الدولة الرومانية زادت مطالبها الدينية . وفي فترة الحكم الملكي كانت ديانة روما هي ديانة مجتمع زراعي بسيط . وفيما بين الحكم الملكي والحرب البونية الثانية ، أصبحت ديانة روما أكثر تعقيداً وزاد عدد الآلهة كثيراً بما ورد من سائر الأقاليم الإيطالية والعالم اليوناني . فقد تأثر الفكر الروماني في البداية بأسرار ديانة إتروريا الغامضة ، ولعله من هنا جاء ثلاثي الكابيتول ( جوبيتر - جونو - منيرفا ) الذي سبق أن دخل إلى إتروريا من مصادر يونانية مما يدل على أن الرومان لم يكونوا أول من تأثر في إيطاليا بديانة اليونان . أما المستعمرات الإغريقية في جنوبي إيطاليا فقد كانت سخية في مساهماتها ، ففتحت الطريق أمام الغزو التالي لآلهة اليونان . وكانت
الكتب السيبليانية ( Sibyllain ) قد نقلها الرومان في زمن مبكر جداً عن
الكوميين ( Cumae ) لتصبح أسفاراً مقدسة عند الرومان .
وفي 493 ق . م. - في أثناء مجاعة - تم بناء معبد لثلاثي الآلهة اليونانية ( ديمتر و ديونيسيوس و برسيفون ) بأسماء لاتينية هي سيرس ( Ceres ) ، و
ليبر ( Liber ) ، وليبرا ( Libera ) كبداية لإنعدام الثقة في الآلهة الرومانية القديمة ، وهو الأمر الذي تكرر كثيراً في التاريخ الروماني ، بإدخال آلهة جديدة أجنبية في أوقات الشدة . وفي 433 ق . م . جاء أبولو من نفس المصدر ، وتبعه مركوري ( عطارد ) ثم أسكليبيوس ( Asclepius ) في 293 ق . م . وفي 249 ق . م . ظهرت عبادة ديس ( Dis ) و بروسربينا ( Proserpina ) من ترنتو ( Tarentum ) . كما تم إدخال أنماط أخرى من العبادات والمعبودات غير الرومانية . لقد كانت روما في ذلك العصر ، واسعة الأفق في سياستها لمواجهة الاحتياجات الدينية المتزايدة للمجتمع . إلا أنها لم تكن تسمح بذلك خارج إيطاليا ، كما تطور الذوق نحو الأشكال الجمالية والدرامية للعبادة . وكانت فترة الحرب البونية الثانية فترة حرجة في الحياة الدينية الرومانية فترنحت العقائد الدينية أمام عدم الإيمان المتزايد ، فتخلت الطبقات المثقفة - بل والرعاع أيضاً - عن الديانة الرومانية القديمة، فغرق المثقفون في مذهب الشك ، بينما مال الرعاع إلى الخرافات ، فوضع المثقفون الفلسفة محل الدين ، أما الرعاع فأحلوا العبادات الحسية الشرقية محل الدين. وذهب الرومان مرة أخرى إلى البلاد الأخرى ليستعيروا لهم آلهة ، فذهبوا هذه المرة إلى اليونان ومصر وأسيا ، وأدخلوا جميع الآلهة اليونانية ، وسرعان ما جمعوا بينها وبين الآلهة الرومانية ، فقد دخل هيبي ( Hebe ) في 191 ق . م . باسم جوفنتاس ( Juventas ) . وفي 179 ق . م. دخلت أرطاميس باسم ديانا . وفي 138 ق . م . دخل أريز ( إله الحرب ) على أنه مارس
( Mars - المريخ ) . إلا أن الشرق - موطن الديانات - أثبت أنه أكثر نفعاً . ففي 204 ق . م . أدخل الرومان سيبيل ( Cybele ) من بسينوس (Pessinu) إلى روما وعرفوها باسم الأم العظيمة ، وكانت تلك ضربة قاضية للديانة الرومانية القديمة ، كما كانت دافعاً إلى إدخال العبادات الحسية العربيدة الغامضة التي أسرت عقول العامة . وسرعان ما جاء باكوس ( إله الخمر ) برذائله . وأدخل سولا
( Sulla ) عبادة ما ( Ma ) من فريجية بديلاً للآلهة بلونا ( Bellona ) كما أخذوا من مصر إيزيس . وفي حروب بومبي ضد القراصنة ، دخلت مترا ( Mithra ) إلى روما فكانت أعظم منافس للمسيحية . وبدأت الديانة تؤول إلى أيدي السياسيين ، حتى صارت في أواخر أيام الجمهورية في أيدي رجال السياسة . وانحدرت العبادة إلى الشكلية ، وتفاقمت الشكلية إلى الكف عن العبادة . وفي ظل الامبراطورية أخذت الأنظمة الفلسفية تحل محل الديانة وانتشرت الطقوس الشرقية . وكانت النهضة الدينية في أيام أوغسطس قيصر مجرد محاولة لنفخ الحياة في العظام اليابسة . وكانت خطته دينية من ناحية ، وسياسية من الناحية الأخرى ، لإقامة ديانة شعبية امبراطورية يكون هو رأسها ، وتدور حول شخصه . فقد اكتشف ضرورة وجود ديانة امبراطورية . فقد كان الملوك في الشرق - منذ أمد بعيد - يعتبرون آلهة لدى رعاياهم . وقد أراد الاسكندر الأكبر - كسياسي حكيم - أن يستخدم هذا الأمر كرابطة اتحاد لدولته الواسعة . كما انتشرت نفس العادة لدى خلفائه في الشرق وبخاصة في مصر وسورية . وعندما استتب السلام في عهد أوغسطس قيصر في العالم ، كان الشرق على استعداد أن يعتبره إلهًا . ومن ذلك نشأت عبادة الأباطرة ، أو عبادة روما متجسدة فيهم . وقد أدت هذه العبادة إلى الوحدة الدينية في الامبراطورية ، وفي نفس الوقت أدت إلى تفخيم الامبراطور . إلا أن كل هذا الجهد ذهب هباء ، فقد ماتت الديانة الرومانية القديمة ، وظلت الحاجات الدينية في الامبراطورية تجد شبعها في الفلسفة والأسرار التي كانت تتضمن الأمل في الخلود . وسرعان ما فقدت عبادة شخص الامبراطور أيضاً قوتها ، حتى إن فسباسيان تهكم - وهو على فراش الموت - على فكرة صيرورته إلهاً . وهكذا أخذت عبادة الامبراطور في الاضمحلال باضطراد .
( ب ) الديانات المرخص بها ، والديانات غير المرخص بها :
انقسمت الديانات غير الرومانية إلى ديانات أخرى مرخص بها وديانات غير مرخص بها ، ففي أوقات مختلفة بسبب حدوث كوارث من زلازل أو أوبئة أو مجاعات أو غيرها ، كان الرومان يلجأون الى إدخال عبادات غير رومانية كوسيلة لاسترضاء الآلهة . وكان معنى هذا أن تلك العبادات يمكن لأتباعها الأجانب ممارستها دون التعرض للعقاب . وهكذا أصبح مصرحاً لأي شعب يقيم في روما ، بحرية إقامة عبادته الأصلية طالما كان ذلك لا يتعارض مع سلام الدولة ، أو كان يفسد أخلاقيات المجتمع . إلا أنه في 186 ق . م . صدر قرار من مجلس الشيوخ بإجراء تحقيق صارم حول الطقوس الخاصة بعبادة الإله باكوس التي نشرت الانحلال الأخلاقي بين أتباعه . إلا أن روما لم تمارس مطلقاً الاضطهاد بانتظام. وكانت الطقوس الأجنبية والخزعبلات الغريبة ، رغم تحريمها وطرد أتباعها من المدينة في بعض الأحيان ، تعود دائماً أقوى مما كانت . ويجب ألا يفوتنا القول ان العناصر الأخلاقية الأصلية قد سقطت عن الديانة الرومانية ، فأصبحت مجرد ديانة عسكرية وسياسية . لخير الدولة ، وليس لخلاص الأفراد . وكان على الفرد أن يلتزم القيام بطقوس مرسومة معينة ليجنب الدولة المتاعب . ولم تكن الدولة تطلب أكثر من ذلك . بل تترك للفرد قدراً كبيراً من الحرية في البحث عن الاثارة أو متعة الجمال في دفء الأسرار الأجنبية . وهكذا بينما كان الرومان يميزون بين الديانات المرخص بها وغير المرخص بها ، إلا أنهم نادراً ما استخدموا العنف ضد الديانات غير المرخص بها ، فلم يتعرض الكثير من الديانات غير المرخص بها للإنزعاج ، بل إن فكرة الامبراطورية - في صميمها - جعلت من التسامح مع الديانات غير الرومانية أمراً ضرورياً ، وقد تنازلت الدولة - عملياً ، لا نظرياً - عن فكرة الديانات غير المرخص بها ، لكنها احتفظت بها في سجل القوانين لاستخدام ذلك في أحوال طارئة ، مثل ما حدث مع الديانة المسيحية ، ولم تكن الحكومة وحدها هي المتسامحة . بل كانت الأشكال المختلفة للديانات متسامحة فيما بينها ، وعلى علاقات طيبة مع بعضها البعض ، فكان يسمح لشخص ما بالعضوية في أسرار عبادة عدة آلهة ، وفي نفس الوقت يمكن أن يكون كاهناً لإلهين أو أكثر ، فلم يكن هناك أدنى اعتراض على عبادة المسيح مع ميترا وايزيس وأدونيس ، وكان ادراك الناس لوحدة الإله يتزايد ، ويعطون لجيرانهم الحق في عبادة الإله الواحد المجهول ، تحت أسماء مختلفة وأشكال متباينة . ويقال أن هادريان قد سمح بإقامة معابد في كل الامبراطورية للإله المجهول .
( 1 ) اليهودية ديانة مصرح بها :
وتعتبر اليهودية - بالنسبة لتاريخ المسيحية - مثالاً هاماً للديانة المصرح بها . ومع أنه لم يوجد شعب منعزل أو عنيد أكثر من اليهود ، إلا أنهم مع ذلك ومنحوا ذلك الحق . فمنذ أيام يوليوس قيصر كانت السياسة الامبراطورية نحو اليهود ودياناتهم متسامحة تماماً ، باستثناء المحاولة المجنونة في أيام غايوس ( Gauis ) التي لم تدم طويلاً . وكثيراً ما حمتهم الحكومة من كراهية الرعاع لهم . وكان مسموحاً لهم - حتى 70 م - بحرية ارسال مساهمتهم السنوية للهيكل في أورشليم ، بل وسمحت لهم بامتيازات حكم ذاتي وسلطات تشريعية خاصة بهم . وهكذا شكلوا جماعة منعزلة متميزة في وسط المجتمع الروماني . بل أن الحرب المشئومة ( 68 - 70 م ) وسقوط أورشليم ، لم يسفرا عن اضطهاد اليهود رغم أن الرومان سحبوا معظم سلطات الحكم الذاتي والتشريع الذاتي ، وأجبروا اليهود على دفع ضريبة عن كل بالغ لمعبد الكابيتول للإله جوبيتر ، ولكنهم ظلوا يسمحون بالعبادة اليهودية ويحمونها ، بل أعفوهم من الواجبات التي لا تتفق مع ديانتهم مثل تأدية الخدمة العسكرية . وكان هذا التسامح نحو الديانة اليهودية ، بالغ الأهمية بالنسبة للمسيحية الوليدة التي كانوا يعتبرونها نوعا مصلحاً من الديانة اليهودية .
( 2 ) لماذا حرمت المسيحية وحدها :
وهنا يبرز السؤال : إن كانت هذه هي السياسة العامة للامبراطورية ، من الاعتدال والتسامح وافساح المجال أمام كل الآلهة والعبادات ، واحترام معتقدات كل شعوب الامبراطورية . فكيف يحدث هذا الأمر الاستثنائي بتحريم المسيحية وحدها واضطهادها ؟
لقد كانت المسيحية - في الحقيقة - ديانة غير مرخص بها ، ولم تسمح بها الحكومة كما سمحت باليهودية ، ولكن ليست هذه إجابة السؤال ، فقد كانت هناك ديانات أخرى غير مرخص بها ، ونمت بسرعة في الامبراطورية ، كما لم يكن التحريم لأن المسيحية كانت تهاجم الخطأ وتكسب دخلاء ، وجرؤت على الظهور حتى في بيت قيصر ، فقد كانت عبادة ميترا وعبادة ايزيس تهاجمان غيرهما من العبادات ، ومع هذا تسامحت معهما روما . كما لم يكن ذلك بسبب كراهية الشعب ، لأن الشعب لم يكن يكره المسيحيين أكثر مما يكره اليهود ، فلا بد أنه كانت هناك أسباب أخرى .
( 3 ) امبراطوريتان :
لقد وُلدت امبراطوريتان في نفس الوقت تقريبا تشابهتا جداً واختلفتا جداً حتى أصبح لا بد من نشوب الصراع بينهما حتى الموت . فكان المسيحيون يؤكدون أن المجتمع الذي ينتظرونه ويعملون من أجله هو ملكوت أي مملكة ، كان لا بد من الصراع للأسباب الآتية:
أ - الخلط بين الروحي والزمني :
لم يفكر المسيحيون على أساس قومي أو عنصري ، ولكن على أساس مسكوني . ولم يستطع الرومان أن يفهموا معنى قيام مملكة الله على الأرض ، وظنوا أن المسيحيين يطمعون في اقامة ملكوت سياسي ، وسرعان ما اكتشفوا أن المسيحية لم تأت لتنقذ بل لتدمير الامبراطورية وتمزيقها . وقد جعل الحماس المسيحي من كلمة ملكوت أمراً مزعجاً جداً لوطنية الوثنيين ، لأن الكثيرين من المسيحيين - في انتظارهم لظهور الرب ثانية - أخطأوا في ظنهم أن مملكة المسيح على الأرض وشيكة الظهور ، مما يهدد الدولة الرومانية . ورغم أن المسيحيين استناروا بالتدريج في هذا الصدد ، إلا أن الضرر كان قد وقع . وكانت كل من الامبراطورية الرومانية والمسيحية تهدفان إلى إقامة تنظيم اجتماعي يضم كل الجنس البشري . ولكن رغم تشابه هاتين المملكتين في نقاط عديدة ، وقد مهدت إحداهما الطريق للأخرى ، إلا أن التناقض بينهما كان أقوى من أن يسمح بالمصالحة بينهما ، وكانت المسيحية تهدف نحو العالمية من خلال الفرد ، فأضفت قيمة جديدة على الشخصية الإنسانية .
ب - مطالب فريدة للمسيحية : يبدو أن المسيحية قد استفرت الكبرياء الرومانية بدعاواها الغريبة ، فقد نادت أن العالم سيحترق بنار ليفسح الطريق لسموات جديدة وأرض جديدة ، وان المدينة الخالدة روما لا بد أن تسقط ، وأن ملكًا سيأتي من السماء له يخضع المسيحيون ، وأنه في وسط الخراب القادم سينعم المسيحيون بالسلام.
ج - طرافة المسيحية : بعد أن خرجت المسيحية من تحت عباءة اليهودية ، لا بد أنها فاجأت الحكومة ، كديانة جديدة غير مصرح بها ، وقد أصبحت لها قوتها ، وكانت أحدث وآخر ديانة تظهر في الامبراطورية فجأة بدون سابق انذار . ولم يكن واضحًا أمام العقل الروماني ، أن المسيحية ظلت تنتشر لمدة جيل في ظل التسامح الديني الذي كفلته الدولة لليهودية باعتبارها ديانة قديمة العهد (كما ذكر تاسيتوس ) ، فقد كان الرومان ذوي طبيعة محافظة لا يحبون التجديد . وقد نصح أعظم رجال الدولة في عهد أوغسطس قيصر ، وهو ميسيناس ( Maecenas ) ، الامبراطور بألا يتسامح مع أديان جديدة هدَّامة للامبراطورية ، وأن ظهور عقيدة جديدة فجأة لها أتباع كثيرون ، قد تشكل خطراً على السلام العام .
د - عدم تسامح الديانة المسيحية وانغلاقها :وبطريقة ما كان المسيحيون يهدمون روح التسامح في الامبراطورية ، بعدم تسامحهم مع الديانات الاخري وانغلاق مجتمعهم ، بينما قبلت كل الديانات الأخرى في الامبراطورية التساهل وحرية الاختيار ، وكانت على استعداد للالتقاء مع نقاط الاتفاق مع جيرانها أكثر مما مع نقاط الاختلاف ، لكن المسيحية لم تقبل المهادنة ولم تتسامح مع سائر الأنظمة الدينية الأخرى ، وبدت بذلك ظالمة للعبادات الاخرى التي ظلت السند الروحي لكثير من الشعوب قبل أن تشرق شمس المسيحية . ولكن لا يمكن أن نلومها متى عرفنا أنه من أجل حياتها ورسالتها ، كان عليها ألا تتهاون في الحق المسلم إليها ، فقد كان العديدون من الوثنيين على استعداد أن يقبلوا المسيح بفرح مع ميترا وإيزيس وسيرابيس . لكن المسيحية كانت تستلزم الانفصال التام ، فلم تكن عبادة المسيح تحتمل أي منافس ، فهي الديانة الوحيدة المقبولة ويجب أن ينفصل أتباع المسيح عن العالم . ولقد كانت كنيسة المسيح حاسمة في موقفها ، فالمسيحية لا تتساوي مع أي ديانة أخرى ، بل هي تسمو فوق كل الديانات . وبدت - بالطبع - هذه الروح عدائية بالقياس الى روح تلك الأيام التي سمحت للديانات المتنافسة أن تعيش معًا بغير مبالاة . أضف إلى ذلك انعزال المجتمع المسيحي ، فلم يكن مسموحاً لأي وثني - مهما بلغ من الورع ومارس تطهير النفس عن طريق التصوف وطقوس ديانته القديمة- أن يكون عضواً في الكنيسة المسيحية ما لم ينبذ تلك الأشياء العزيزة عليه . وقد ظهرت روح الانعزال في كل جوانب الحياة العامة . وكان المسيحيون يجتمعون ليلاً في اجتماعات سرية ، وقد اتهمهم أعداؤهم بأنهم يرتكبون أبشع الجرائم في تلك الاجتماعات مثل إقامة ولائم للدعارة ومعاشرة الأمهات وغير ذلك من الرذائل ، وكان كل ذلك لانعزالهم .
هـ - العناد : أضف إلى ذلك العناد الشديد الذي قابل به المسيحيون مطالب السلطات الامبراطورية ، وكان ذلك مثيراً جداً للحكام الرومان . وكان يمكن أن يتركهم الرومان أحراراً في ديانتهم لو أنهم أظهروا الطاعة - ولو شكلياً - للديانة الرسمية للدولة . إن اعتدال الرومان واحترامهم للقانون قد اصطدما بعناد المسيحيين وإصرارهم ، وقد بدت شجاعة الشهداء أمام أعدائهم كنوع من التعصب العنيد ، وقد أشار الامبراطور أوريليوس إلى المسيحية مرة واحدة بتلك العبارة : محض عناد كما أشار اليها أريستيدس ( Aristides ) قائلاً إنها مجرد عناد .
و - مهاجمة الديانات الوثنية : لم يقنع المسيحيون بالانسحاب الحاسم من الممارسات الوثنية ، بل هاجموا الديانات الوثنية بكل شدة ، وصارت تلك الديانات - في رأي المسيحيين - تعاليم شياطين . كما كانت الديانة الامبراطورية وعبادة الامبراطور نجاسة في نظرهم ، ومن ثم وقعوا تحت طائلة الاتهام بعدم والولاء للامبراطور والإجرام في حقه ، وهزأوا من القول بأن عظمة روما ترجع إلى احترامها للآلهة . وهكذا بدا المسيحيون ملحدين ، من وجهة نظر الوثنيين . وحيث أن الديانة كانت مسألة ترتبط بسلامة الدولة وخيرها ، فإن الالحاد يمكن أن يستجلب غضب الآلهة على الدولة .
ز - القاء المسيحيين للأسود : ما أن بدأت المصائب والكوارث تنهال على الامبراطورية الرومانية ، حتى ألقوا باللوم على المسيحيين . ففي القديم ، كثيراً ما كانت روما تسترضي الآلهة باستيراد ديانات أخرى جديدة . وفي أحيان أخرى كان يتم استبعاد بعض الديانات الشرقية حفاظاً على الفضيلة . آما الآن ، فقد أصبح المسيحيون هم كبش الفداء ، عندما تقع الكوارث . فإذا حدثت مجاعة أو زلزلة أو وباء ، أو أي كارثة قومية ، ترتفع الصرخات مطالبة بالقاء المسيحين الى الأسود .
وقد ظلت هذه النظرة الظالمة إلى المسيحية - كعامل هدَّام للامبراطورية - حتى سقوط روما في يد ألريك (Alaric) ملك القوط . وقد نسي الوثنيون أن المصائب والكوارث الكبري - كما قال المدافعون - كانت تنزل بروما قبل العصر المسيحي . وكان المسيحيون على الدوام على استعداد للتضحية بذواتهم في أوقات الشدة ، مقدمين العون للوثنيين والمسيحيين على حد سواء .
حـ - الكراهية للجنس البشري : ولقد تجمع كل حقد على المسيحين في اتهامهم بالكراهية للجنس البشري أو للمجتمع ، والتي قوبلت بكراهية الجنس البشري لهم . لقد كان المسيحيون مكروهين للغاية ، ليس من الرعاع فقط ، بل ومن الطبقات العيا المثقفة أيضاً . وكان معظم أتباع المسيحية الأوائل من طبقة العبيد أو العتقاء . فلم يكن الكثيرون حكماء ولا الكثيرون شرفاء ( 1 كو 1 : 26 ) ، كما كان القليلون منهم مواطنون رومانيين . وقد ذكرنا بعض الجرائم التي اتهمهم بها اعدائهم ، وقد دعوهم مسيحيين لأول مرة في انطاكية ، استهزاء بهم . كما دعاهم اليهود نصاري . ولم يكن هناك لقب حقير إلا وألصقوه بهم ، فنعتوهم بأحط النعوت . ولم يجد الكتَّاب الرومان ألقابًا أبشع من أن يلقبوهم بها . فتاسيتوس (Tacitus) يعتبر الايمان المسيحي من الأمور البغيضة الشنيعة التي اجتاحت روما ، ويصفها بأنها خرافة قاتلة ، كما وصفها سوتونيوس (Suetonius) غريبة وضارة ، ويقول عنها بليني (Pliny) إنها تافهة حقيرة ، ولذلك قال يوستس (Justus) : إن المسيحيون كانوا مكروهين وملعونين من كل الجنس البشري . وقد تأكدت هذه الكراهية وهذا الحقد بهجمات الفلسفة على المسيحية . وعندما شدت الديانة الجديدة أنظار الفلاسفة ، لم يكن ذلك -أولاً - إلا للسخرية منها . ويمكن معرفة موقف الفلسفة الوثنية - بجلاء - بقراءة كتابات كلسوس (Celsus) وكتابات المدافعين المسيحيين .
( 4 ) لم تكن الامبراطورية الرومانية المصدر الوحيد للازعاج :
لقد ظلت الفلسفة طويلاً بمعزل عن ديانة الجليلي المصلوب ، فكان الحكماء هم آخر من دخل ملكوت الله . فعندما رسخت المسيحية أخيراً كقوة دائمة في الفكر الانساني ، تنازلت الفلسفة ، وأخذت أقوال المسيحية في الحسبان ، إلا أن هذا جاء متأخراً جداً ، بعد أن كان الايمان الجديد قد أصبح مكروهاً فعلاً من العالم . واكتشفت الفلسفة ضعفها وبدأت في إصلاح نفسها بمحاولة أن تكون فلسفة وديناً معاً ، وهو ما حدث بصفة خاصة في الأفلاطونية الحديثة . حيث ينحني فيها العقل أمام الاعلان . وكانت القوة الأخرى التي عكرت سلام الكنيسة المسيحية ، هي العدو الكامن داخل الحظيرة . فقد دخلت أعداد كبيرة من الوثنيين إلى الكنيسة . جاءوا بأفكارهم الشرقية واليونانية ، مثلما جاء المسيحيون من اليهود بأفكارهم اليهودية معهم . وقد أدي هذا الى هرطقات شنيعة ، وكانت كل مدرسة فكرية تشوِّه - على طريقتها الخاصة - الايمان القويم . ثم انضم الى تلك القوى المعادية ، حليف آخر هو الوثنية المصلحة بقيادة كهنوت مجروح في كبريائه . ففي البداية ، كان مما ساعد المسيحية كثيراً ، هو أنه لم يكن هناك كهنة حاقدون غيورون على رأس الديانة اليونانية الرومانية ، كما كان في اليهودية والديانات الشرقية ، فقد كان الاضطهاد الديني دائماً من صنع الكهنوت ، وهو ما لم يحدث في العالم الروماني إلا في وقت متأخر عندما بدأ إهمال المعابد والمذابح وهجرانها ، وهنا قام الكهنة كهيئة معارضة . وهكذا نرى أنه لم تقف السلطة الامبراطورية الرومانية وحدها في وجه المسيحية ، إنما كان يحرضها ويدفعها إلى ذلك : 1 - كراهية الشعب لها . 2 - الفلسفة . 3 - كهنة الوثنييين . 4 - الهرطقات داخل الكنيسة .
اقتراحات موسوعية أخرى
تعليم المسيح
المسيح - تعليمه
ليس من السهل جمع تعليم المسيح في إطار واحد ، بسبب تنوع الأساليب التي علَّم بها المس...
باريء
باريء - باري
برأ الله الخلق أي خلقهم، فالبارىء هو الله الخالق أو الصانع، وقبل عن المدينة التي لها ا...
إكليل
إكليل Crown
إكليل في العربية ( اسطفانوس ) في اليونانية وهناك كثير من الأكاليل في طقوس وممارسات وصلوا...
دبل
دَبل
الدبل هو الطاعون أو الدُمَّل أو الخُراج. ويبدو أن مرض حزقيا الملك كان نوعاً من الطاعون الدُمّ...
غيور
غيور - الغيورون
يطلق اسم الغيورين على حزب من اليهود الوطنيين الذين ظهروا في القرن الأول الميلادي ،...
بلوطات مورة
مورة - بلوطة مورة - بلوطات مورة
عندما وصل إبراهيم إلى أرض كنعان ، اجتاز في الأرض إلى مكان شكيم إلى...