كلمة منفعة
كل فضيلة تخلو من الحكمة، ليست فضيلة.فالمحبة مثلا يجب أن تكون محبة حكيمة، وإلا تنحرف إلى التدليل، والعطف الضار..
— الحكمة
سفر العدد
سفر العدد
حجم الخط
العدد - سفر العدد
أولاً : العنوان والمحتويات :
(1) العنوان :
اسم هذا السفر في التوراة العبرية هو في البرية، وهي العبارة الواردة في العدد الأول من الأصحاح الأول من السفر ، وذلك - على الأرجح - لأن السفر يسجل رحلات بني إسرائيل في صحراء شبه جزيرة سيناء . وسفر العدد هو السفر الرابع من أسفار التوراة وقد أطلق عليه في الترجمة السبعينية - ومنها إلى كل الترجمات التالية - سفر العدد لأنه يسجل التعدادين اللذين أجري أولهما في بداية الرحلة والثاني قرب ختامها .
(2) المحتويات :
(أ) قبل مغادرة سيناء ( 1 : 1 - 10 : 10 أي خلال تسعة عشر يوماً ، من اليوم الأول إلى اليوم العشرين من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر ) . ويسجل:
1- احصاء الشعب وتنظيمه ( الأصحاحات 1 - 4 )
2- تطهر الجماعة وبركتها ( الأصحاحات 5 ، 6 ) .
3- تقدمات الرؤساء وتدشين الخيمة ( الأصحاحان 7 ، 8 ) .
4- الاحتفال بالفصح لثاني مرة ( 9 : 1 - 14 ) .
5- السحابة والبوقان الفضيان ( 9 : 15 - 10 : 10 ) .
(ب) من سيناء إلى قادش ( 10 : 11 - 14 : 45 - وهي مدة عشرة أيام من اليوم العشرين إلى اليوم الثلاثين من الشهر الثاني ) ويسجل :
1- الارتحال من سيناء ( 10 : 11 - 36 ) .
2- أحداث تبعيرة وقبروت هتأوة ( الأصحاح 11 ) .
3- تذمر مريم وهارون على موسي، ( الأصحاح 12 ) .
4- إرسال الجواسيس ( الأصحاحان 13 ، 14 ) .
(ج) التجوال في البرية : ( الأصحاحان 15 - 19 ، على مدى 37 سنة ، من نهاية السنة الثانية إلى بداية السنة الأربعين )، ويسجل :
1- شرائع متنوعة وعقاب كاسر السبت ( الأصحاح 15 ) .
2- تمرد قورح وجماعته ( الأصحاح 16 ) .
3- عصا هارون تفرخ ( الأصحاح 17 ) .
4- واجبات ومصادر دخل الكهنة واللاويين ( الاصحاح 18 ) .
5- شريعة البقرة الحمراء وماء النجاسة ( الأصحاح 19 ) .
(د) الارتحال من قادش إلى موآب : ( الأصحاحات 20 ، 21 - وهي مدة عشرة شهور من بداية السنة الأربعين ) . وتسجل :
1- قصة بلعام النبي العراف ( 22 : 2 - 24 : 25 ) .
2- غيرة فينحاس الكاهن ( الأصحاح 25 ) .
3- الإحصاء الثاني ( 26 : 1 - 51 ) .
4- تعليمات بخصوص تقسيم الأرض ( 26 : 52 - 27 : 11 ) .
5- تعيين يشوع خليفة لموسى ( 27 : 12 - 23 ) .
6- تعليمات بخصوص التقدمات والنذور ( الاصحاحات 28 - 30 ) .
7- الحرب مع مديان ( الأصحاح 31 ) .
8- استقرار سبطي رأوبين وجاد في شرقي الأردن ( الأصحاح 32 ) .
9- قائمة بمحطات نزولهم ( 33 : 1 - 49 ) .
10- تعليمات بتطهير أرض كنعان من سكانها وتقسيمها ( 33 : 5 - 34 : 29 ).
11- تحديد مدن الملجأ ( الأصحاح 35 ) .
12- زواج الوارثات ( الأصحاح 36 ) .
ثانياً : الكاتب وتاريخ الكتابة :
جاء في السفر نفسه : وكتب موسي مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب (عد 33 :1و2). كما يتكرر القول : وكَّلم الرب موسى (1 :1،2 :1، 3 :5 و14 و40 و44، 4 :1 و21 ،5 :1 و5 إلخ). وفي سائر أسفار العهد القديم ، نجد باستمرار ان أسفار التوراة الخمسة تنسب إلى موسى ، وكذلك في الاقتباسات منها فى العهد الجديد ولم يشك أحد في نسبة هذه الأسفار الخمسة إلى موسى حتى ظهرت في القرن الثامن عشر نظرية- تدعى بدرجات متفاوته - أن هذه الأسفار ليست جميعها من كتابة موسى، متخذين من أسماء الله والقابه المختلفة في هذه الأسفار، حجة على تعدد الكاتبين لها. ولكنها نظرية لا أساس لها سوى بعض المزاعم ولأوهام أنظر الخروج - التاريخ والأعداد، والخروج - السفر ة الاسفار الخمسة موسي وسفر العدد في نهاية هذا البحث).
ثالثا : صعوبات احصائية :
(أ) ضخامة بعض الأعداد : هناك بعض الاحصاءات التي يرى فيها بعض النقاد نوعا من المغالاة، فمثلاً تقدير عدد الصالحين للتجنيد وهو 600.000 يعني أن عدد جماعة بني إسرائيل كان يبلغ نحو ½ 2 مليون نفس . ويراه البعض عدداً أكبر من المحتمل لعدة أسباب:
(1) كيف يمكن أن يتزايد عدد سبعين عائلة نزلت إلى مصر ، فيصبح بهذا القدر الكبير عند خروجهم من مصر ؟
(2) كيف يمكن خروج 1/2 2 مليون نفس من مصر في يوم واحد ؟
(3) كيف يمكن إعالة كل هذا الجمهور مع مواشيهم وقطعانهم في صحراء سيناء القاحلة ؟
(4) أين المكان الذي يتسع لإقامة مثل هذا الجمهور عند جبل سيناء ، أو في أرض فلسطين المحدودة ؟
(5) كيف استغرق هذا الجيش العرمرم - المكون من 600.000 جندي - كل هذا الزمن في غزو أرض كنعان ؟
ورداً على كل هذه التساؤلات ، نقول :
(1) ليس من المستبعد أو من المستحيل أن تتكاثر 70 أسرة في مدة 215 سنة أو على مدى سبعة أجيال (باعتبار أقصر الأزمنة، وليس في مدة 430 سنة كما يرى البعض) فيبلغ عددهم ½ 2 مليون نسمة ، منهم 600.000 محارب ، وبخاصة أننا لا نعرف تماماً نسبة التكاثر أو نسبة الوفيات ، ولكننا نقرأ : أما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيراً جداً وامتلات الأرض منهم (خر1 :7) حتى قال فرعون لشعبه هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا (خر1 : 9).
ويعترض البعض قائلين : لو أن بني إسرائيل كانوا يتكاثرون هكذا، فكيف لم يكن لهم سوي قابلتين ؟ ولكن الكتاب لا يذكر أنه لم يكن هناك سوى هاتين القابلتين لكل بني إسرائيل بل لعل، هاتين القابلتين كانتا في مدينة أون فقط ، أو أنهما كانتا تمثلان كل القابلات في بني إسرائيل وبذلك لا يكون ثمة تناقض بين خر 1 : 15 ، خر 1 : 10 . فلو كان عدد بني إسرائيل لم يتجاوز بضع عشرات من الآلاف ، فكيف كانف رعون مصر بكل جبروته يخشي تكاثرهم ؟ .
(2) أما موضوع الخروج في يوم واحد ، فليس في الكتاب ما يؤيد ذلك . فلا شك ان بني إسرائيل كانوا يتوقعون خروجهم من مصر ، منذ أن دخل موسى وهارون إلى فرعون قائلين له : هكذا يقول الرب إله إسرائيل : أطلق شعبى ليعيدوا لي في البرية (خر5 :1). كما أن موسى أنذرهم بالاستعداد قبل اليوم العاشر من الشهر الأول ، لكي تأخذ كل أسرة شاة لتذبحها في اليوم الرابع عشر من الشهر استعداداً للخروج من مصر (خر12 :1- 6) علاوة على ان الشعب كان متعطشاً للحرية منتظراً اللحظة التي يصدر لهم فيها الأمر بالتحرك.
ثم يقولون : كيف اكتفي فرعون بأخذ ستمائة مركبة لمطاردة كل هذا الجيش ؟ ولكن فرعون لم يكتف بهذه الستمائة مركبة منتخبة ، بل أخذ معه سائر مركبات مصر وجنوداً مركبيه على جميعها (خر14 :6-9)، وهو جيش كان يكفي للتغلب على جمهور بني إسرائيل المجردين من السلاح ، وهو يدل على أن عدد بنى إسرائيل كان كبيراً جداً حتى إن فرعون يجرد وراءهم جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه (خر14 :9).
(3) إن الاعتراض بصعوبة إعالة ½ 2 مليون شخص مع مواشيهم وقطعانهم في صحراء سيناء ، يفترض ان صحراء سيناء كانت قفراً يباباً، كما هي الآن ، وهو ما لا يمكن إثباته، فلا ننسي أن موسى ظل يرعي غنم يثرون مدة أربعين سنة في نفس هذه الصحراء، وأنه عند ارتحال بني إسرائيل ، كانت تقيم فيها قبائل بدوية قوية مثل عماليق (خر17: 8) كما أن قطعان بني إسرائيل ومواشيهم لم تكن تتجمع في بقعة واحدة، بل الأرجح أن الرعاة كانوا يذهيون بها إلى حيث يوجد الكلأ والماء . كما يجب أن نذكر أن بني إسرائيل لم يعتمدوا في طعامهم على إنتاج الصحراء، بل أعطاهم الله المن من السماء من منتصف الشهر الثاني بعد خروجهم من أرض مصر (خر16 :1) إلى أن دخلوا إلى أرض كنعان وأكلوا من غلة الأرض (يش5 :11 و12). كما أمدهم الله بالماء من الصخرة فى حوريب (خر17: 6) وفي برية صين حيث خرج من الصخرة المضروبة ماء غزير فشربت الجماعة ومواشيها (عد20 :6- 11، انظر مز 105 : 41).
(4) أما من جهة المكان الذي يتسع لهذا الجمهور عند جبل سيناء، فهناك سهول ووديان عديدة في منطقة جبل سينا، يمكن لهذا العدد الكبير من الناس أن ينصب خيامه فيها. أما عن أرض كنعان ، فقد اتسعت - بلا شك - لأضعاف هذا العدد في أيام ازدهار الأمة في عهد المملكة .
(5) أما ما استغرقه غزو أرض كنعان من زمن طويل، فلا يدل على قلة العدد ، بل هناك عوامل كثيرة أدت إلى ذلك فقد حدث أنهم اختلطوا بشعوب كنعان وتزوجوا معهم وعبدوا آلهتهم ، ونسوا أما أوصاهم به الله . ولو أنهم ظلوا أمناء لله ، لما استغرقوا كل هذا الزمن (انظر مز81 :13 و14).
(ب) صعوبات أخرى :
(1) واجبات الكهنة : يزعم البعض أن الواجبات الملقاة على عاتق هارون وأولاده ، كانت أضخم وأشق من أن يقوموا بها وحدهم . ولكن الشرائع اللاوية - رغم أنها أُعطيت في البرية - لم تنفذ في البرية بشكل دقيق ، بل كانت لتنفذ بكل دقة في أرض كنعان وقد شهد موسى نفسه بذلك القول : لا تعملوا حسب كل ما نحن عاملون هنا اليوم ، أي كل إنسان مهما صلح في عينيه، لأنكم لم تدخلوا حتى الآن إلى المقر والنصيب اللذين يعطيكم الرب إلهكم (تث12 :8 و9).
وليس ثمة ما يدعو إلى افتراض أن الفصح الثاني ، في السنة الثانية لخروجهم تم على غير ما حدث في مصر قبل الخروج ، حيث قام كل رب عائلة بذبح حمل الفصح بنفسه، وليس بمعرفة كاهن. علاوة على أن اللاويين قد أفرزوا للخدمة في خيمة الشهادة (عد1 :50)، وكان عليهم مساعدة الكهنة .
(2) اجتماع كل الجماعة : يتساءل بعضهم : كيف كان يمكن جمع كل الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع ( عد 10 : 3 و 4 ) ؟ و لا شك أنها مشكلة لو أن المقصود بها هو اجتماع كل فرد ( من الرجال والنساء والأولاد - أو حتى من الرجال فقط ) . ولكن لا مشكلة إطلاقا إذا فهمنا ان المقصود هو اجتماع ممثليهم : رؤساء أسباط آبائهم، رؤوس ألوف إسرائيل عد1 :16). وعندما نقرأ : ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم : اسمع يا إسرائيل .. (تث5 :1 ،29 :2) لا يمكن أن يتصور عاقل انه تكلم إلى كل فرد في الجماعة ، رغم ان ما قاله كان للجميع .
ثم يعترض البعض قائلين : كيف كان يمكن جمع كل الجماعة ( باعتبارهما ½ 2 مليون نفس) بواسطة بوقين فقط (عد10 :1-10) ولكن ما سبق أن ذكرناه بخصوص اجتماع كل الجماعة وأن المقصود به هو اجتماع ممثليهم ، فيه الرد على هذا الاعتراض أيضاً، علاوة على أن الضاربين بالأبواق كان يمكنهم ان ينتقلوا بين خيام الأسباط كما أن صوت الأبواق الفضية كان يسري في سكون الصحراء اكثر مما في ضجيج المدن . والأكثر من ذلك أنه لم يكن هناك ما يمنع من صنع المزيد من الأبواق متى لزم الأمر ، حيث لم يرد نهي عن ذلك ، بل من الواضح أن عدد الأبواق عند الدوران حول أريحا كان سبعة أبواق على الأقل (يش6: 4 و6و8 و12).
(3) تحرك الأسباط : كان الأسباط ينقسمون إلى أربع مجموعات رئيسية حول الخيمة ، وكانت كل المجموعة تتكون من نحو نصف مليون نفس ، فكيف كان يمكن تنظيم مسيرة هذه الجماعات في خط واحد ، لو أن كل مجموعة كانت لا تتحرك إلا بعد انتهاء تحرك المجموعة السابق لها، لكي تسير وراءها ، كما أن معنى ذلك أن الخط كان يمتد إلى عشرات الأميال (عن لم يكن مئاتها على رأي البعض)، ولكن الأرجح أنهم كانوا يسيرون بأن تبدأ المجموعات في التحرك في وقت واحد ، لا في خط طويل واحد ، بل في خطوط متوازية ، كل مجموعة وراء رايتها، ففي الصحراء متسع لذلك .
(4) الانتصار على مديان : كيف يمكن لاثني عشر ألف جندى من بني إسرائيل أن ينتصروا على ملوك مديان الخمسة ، وأن يقتلوا كل ذكر ، ويسبوا كل نسائهم وبهائهم وكل أملاكم ويحرقوا جميع مدنهم وحصونهم، دون أن يفقدوا إنسانا من جيش إسرائيل ، ثم يأخذون اثنين وثلاثين ألفا من العذارى ؟ (عد31 :5 و7-10 و35- 49). ولكن الكتاب المقدس يسجل الكثير من مثل هذا الحادث ، مثل : انتصار إبراهيم ورجاله (318 رجلاً) على كدر لعومر ملك عيلام وحلفائه (تك 14 :15)، وانتصار جدعون ومعه ثلثمائة رجل فقط على المدياينين (قض7 :22). وانتصار شمشون بمفرده وبلا سلاح على ألف من الفلسطينيين (قض15 :15).. إلخ .
رابعاً :- رسالة السفر :
نجد في سفر العدد كما في كل الكتاب المقدس ، إله العهد الأمين القدير يعلن ذاته . وهذا الإعلان هو الذي يربط بين جميع أجزاء السفر في وحدة واحدة . ففي كل الشرائع والأوامر ، يبين عنايته بشعبه رغم أنهم كثيرا ما تمردوا وثاروا عليه ، وكانت النتيجة أن يشتعل غضب الله عليهم فهو لا يسمح - في قداسته -أن تمر الخطية بلا قصاص (11 :1- 3و33،12 :9-15،14: 26- 35.. إلخ ) بل لم يسمح لموسي وهارون بالدخول إلى أرض كنعان (20: 12). لكن الله لم يرفض شعبه لأنه يظل أميناً لمواعيده ، فيقود شعبه في شعاب البرية حتى يصلوا إلى الأرض التي وعد بها آبائهم ، فلم يحل دون ذلك عدم امانة إسرائيل ، أو قوة الأمم التي وقفت في طريقهم.
ومما يستلفت النظر في اعلانات الله في سفر العدد :
(1) أن الله لا تغيير عنده في أمانته (انظر23 :19)، ولكن ليس معنى هذا أنه جامد المشاعر (انظر مثلا تلك القصة المؤثرة في14 :11- 24) ونلاحظ أيضاً الكثير من الانثروبومورفية ( أي خلع الصفات البشرية على الله، انظر مثلاً 10 :35 و36، وقوله رائحة سرور للرب ( 15 : 3 ) وطعامى ( 28 : 2 ) .. إلخ وهي تعبيرات يجب ألا نأخذها بمعناها الحرفي ، ولكنها في نفس الوقت تدل على اهتمام الله العميق بشعبه.
(2) يؤكد السفر قداسة الله ، فأي إنسان يقترب إلى الله يجب أن تتوفر فيه كل شروط الطهارة حسب الشرائع المفروضة (انظر مثلاً:1 :51- 53، 19 :11- 22، 20 :12 و13).
(3) حالما وصل بنو إسرئيل إلى حدود أرض الموعد سقطوا في خطية عبادة آلهة تلك الأرض ، ولكن الله ليس إله البرية فحسب ، بل هو الله على الدوام وفي كل مكان. وقد استخدام عرافاً وثنياً (22- 24) لتوبيخهم ، وعاقب إسرائيل على عبادة الأوثان (25) وكذلك الذين جروهم إلى هذه الخطية (31).
(4) في كل ما سبق نجد أن السفر به الكثير من الرموز عن المسيح، وقد أشار الرب نفسه إلى الحيه النحاسية كرمز له (يو3 :14) وكذلك كان المن والصخرة (1كو 10 :1-4) انظر أيضاً عب 9 :1- 13.. إلخ).
خامساً : موسى وسفر العدد :
(أ) الاعتراضات :
(1) نظرية أن السفر ليس وحدة واحدة ، وليس من قلم كاتب واحد ، بل بأقلام عدد من الكتَّاب في أزمنة مختلفة، وذلك بناء على استخدام أسماء الله وألقابه المختلفة ، وهو ماسبق أن ذُكر في البند ثانياً من هذا البحث .
(2) يرى البعض أن في السفر أجزاء تدل على أنها كتبت في عصور متأخرة عن زمن موسى ، مثل قصة الرجل الذي وجد يحتطب حطبا يوم السبت ( عد 15 : 32 - 36 ) إذ يبدو من لغة القصة أن الكاتب لم يكن في البرية ويمكن أن يكون هذا صحيحا اذ يجوز أن موسى كتبها وهو في أرض موآب .
كما أنهم يزعمون أن ما قاله الشعب لموسى وهارون لماذا أصعدتمانا من مصر لتأتيا بنا إلى هذا المكان الردىء ؟ (عد20 :5) إنما قالوه بعد أن وصلوا إلى أرض الموعد التي خرجوا من مصر لكى يأتوا إليها .
ولكن وصفهم لها بأنها ليست مكان زرع وتين وكرم ورمان، ولا فيه ماء للشرب (عد 20 :5) دليل على أنهم كانوا مازالوا في البرية، ول يأتوا إلى أرض الموعد ، بل كانوا - في الحقيقة - في قادش في برية صين (20 :1).
يذكر كتاب حروب الرب وكأنه شيء قديم ولكن ليس في ذلك غرابة إذ إن موسى سجل الحرب مع عماليق في كتاب وضعه في مسامع يشوع ( خر 17 : 14 ) . كما يشيرون إلى ذكر نهر ارنون كتخم لموآب ، قبل أن يتصل إليه بنو إسرائيل بزمن . ولكنها حقيقة جغرافية ، لم يكن العلم بها غريباً على شعب ، في طريقه إليها .
ويقولون أيضاً إنه لا يمكن أن يكون ما جاء في أقوال بلعام عن ملك لإسرائيل (24 :7) قد كتب قبل عهد الملكية . وهذا صحيح لو أنها لم تكن نبوة وضعها روح الله على فم بلعام . وبالمثل ما تنبا به بلعام عن هزيمة أدوم التي لم تتم إلا في عهد الملكية (2صم 8 :14، 1أخ 18 :12 و13).
وهكذا نجد أن الاعتراضات وأمثالها على نسبة السفر لموسى، لا سند لها من الحقيقة .
(ب) الأدلة على أن موسى هو الذي كتب سفر العدد :
(1) هناك أجزاء يبدو أنها كُتبت لأناس مرتحلين في برية ، ويقيمون في خيام ( الأصحاحات 1 - 4 ) ، فتصف الترتيبات للتعداد ، وتشكيل المخيم ، والبركة التي كان يبارك لها هارون الشعب (6 :24-26)، والتعليمات المفصلة للارتحال والتوقف (10 :35 و36)، والتوجيهات بخصوص بوقي الفضة (10 :1- 9)، وشريعة البقرة الحمراء وارتباطها الواضح بالحياة في البرية (19 :3 و7 و9 و14). وإذا كان النقَّاد يقرون بأن هذه الأجزاء جاءت من عهد موسى ، فلماذا يضطرون للبحث عن كاتب آخر لها غير موسى ؟ وإذا كان موسى هو كاتب هذه الأجزاء ، فلماذا لا يكون كل السفر من قلمه ؟ .
ونقرأ بوضوح أن قائمة المنازل التي حل بها بنو إسرائيل ( أصحاح 33 ( قد كتبها موسى حسب قول الرب (33 :2) وإذا لم يكن موسى هو كاتب كل السفر فلماذا يؤمر بأن يكتب مثل هذه القائمة بأسماء أماكن اندثرت معالم أغلبها ؟ لا شك في أن الرب أمر موسى بتسجيل هذه الرحلات ، لتظل مذكراً للشعب بعناية الله العجيبة بهم .
دراية الكاتب بأحوال المصريين وعاداتهم مما يؤيد كتابة موسى للسفر . فشريعة الغيرة (5 :11-31)، لها ما يشابهها في قصص قدماء المصريين في عهد رمسيس الثاني . كما أنه يذكر السمك والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم (11 :5)، وكانت فعلاً من الأطعمة الشائعة في مصر . وعبارة أما خبرون فبنيت قبل صوعن مصر بسبع سنين (13 :22)، لا يكتبها إلا شخص من عصر موسى له علم تام بتاريخ مصر في ذلك العهد.
أولاً : العنوان والمحتويات :
(1) العنوان :
اسم هذا السفر في التوراة العبرية هو في البرية، وهي العبارة الواردة في العدد الأول من الأصحاح الأول من السفر ، وذلك - على الأرجح - لأن السفر يسجل رحلات بني إسرائيل في صحراء شبه جزيرة سيناء . وسفر العدد هو السفر الرابع من أسفار التوراة وقد أطلق عليه في الترجمة السبعينية - ومنها إلى كل الترجمات التالية - سفر العدد لأنه يسجل التعدادين اللذين أجري أولهما في بداية الرحلة والثاني قرب ختامها .
(2) المحتويات :
(أ) قبل مغادرة سيناء ( 1 : 1 - 10 : 10 أي خلال تسعة عشر يوماً ، من اليوم الأول إلى اليوم العشرين من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر ) . ويسجل:
1- احصاء الشعب وتنظيمه ( الأصحاحات 1 - 4 )
2- تطهر الجماعة وبركتها ( الأصحاحات 5 ، 6 ) .
3- تقدمات الرؤساء وتدشين الخيمة ( الأصحاحان 7 ، 8 ) .
4- الاحتفال بالفصح لثاني مرة ( 9 : 1 - 14 ) .
5- السحابة والبوقان الفضيان ( 9 : 15 - 10 : 10 ) .
(ب) من سيناء إلى قادش ( 10 : 11 - 14 : 45 - وهي مدة عشرة أيام من اليوم العشرين إلى اليوم الثلاثين من الشهر الثاني ) ويسجل :
1- الارتحال من سيناء ( 10 : 11 - 36 ) .
2- أحداث تبعيرة وقبروت هتأوة ( الأصحاح 11 ) .
3- تذمر مريم وهارون على موسي، ( الأصحاح 12 ) .
4- إرسال الجواسيس ( الأصحاحان 13 ، 14 ) .
(ج) التجوال في البرية : ( الأصحاحان 15 - 19 ، على مدى 37 سنة ، من نهاية السنة الثانية إلى بداية السنة الأربعين )، ويسجل :
1- شرائع متنوعة وعقاب كاسر السبت ( الأصحاح 15 ) .
2- تمرد قورح وجماعته ( الأصحاح 16 ) .
3- عصا هارون تفرخ ( الأصحاح 17 ) .
4- واجبات ومصادر دخل الكهنة واللاويين ( الاصحاح 18 ) .
5- شريعة البقرة الحمراء وماء النجاسة ( الأصحاح 19 ) .
(د) الارتحال من قادش إلى موآب : ( الأصحاحات 20 ، 21 - وهي مدة عشرة شهور من بداية السنة الأربعين ) . وتسجل :
1- قصة بلعام النبي العراف ( 22 : 2 - 24 : 25 ) .
2- غيرة فينحاس الكاهن ( الأصحاح 25 ) .
3- الإحصاء الثاني ( 26 : 1 - 51 ) .
4- تعليمات بخصوص تقسيم الأرض ( 26 : 52 - 27 : 11 ) .
5- تعيين يشوع خليفة لموسى ( 27 : 12 - 23 ) .
6- تعليمات بخصوص التقدمات والنذور ( الاصحاحات 28 - 30 ) .
7- الحرب مع مديان ( الأصحاح 31 ) .
8- استقرار سبطي رأوبين وجاد في شرقي الأردن ( الأصحاح 32 ) .
9- قائمة بمحطات نزولهم ( 33 : 1 - 49 ) .
10- تعليمات بتطهير أرض كنعان من سكانها وتقسيمها ( 33 : 5 - 34 : 29 ).
11- تحديد مدن الملجأ ( الأصحاح 35 ) .
12- زواج الوارثات ( الأصحاح 36 ) .
ثانياً : الكاتب وتاريخ الكتابة :
جاء في السفر نفسه : وكتب موسي مخارجهم برحلاتهم حسب قول الرب (عد 33 :1و2). كما يتكرر القول : وكَّلم الرب موسى (1 :1،2 :1، 3 :5 و14 و40 و44، 4 :1 و21 ،5 :1 و5 إلخ). وفي سائر أسفار العهد القديم ، نجد باستمرار ان أسفار التوراة الخمسة تنسب إلى موسى ، وكذلك في الاقتباسات منها فى العهد الجديد ولم يشك أحد في نسبة هذه الأسفار الخمسة إلى موسى حتى ظهرت في القرن الثامن عشر نظرية- تدعى بدرجات متفاوته - أن هذه الأسفار ليست جميعها من كتابة موسى، متخذين من أسماء الله والقابه المختلفة في هذه الأسفار، حجة على تعدد الكاتبين لها. ولكنها نظرية لا أساس لها سوى بعض المزاعم ولأوهام أنظر الخروج - التاريخ والأعداد، والخروج - السفر ة الاسفار الخمسة موسي وسفر العدد في نهاية هذا البحث).
ثالثا : صعوبات احصائية :
(أ) ضخامة بعض الأعداد : هناك بعض الاحصاءات التي يرى فيها بعض النقاد نوعا من المغالاة، فمثلاً تقدير عدد الصالحين للتجنيد وهو 600.000 يعني أن عدد جماعة بني إسرائيل كان يبلغ نحو ½ 2 مليون نفس . ويراه البعض عدداً أكبر من المحتمل لعدة أسباب:
(1) كيف يمكن أن يتزايد عدد سبعين عائلة نزلت إلى مصر ، فيصبح بهذا القدر الكبير عند خروجهم من مصر ؟
(2) كيف يمكن خروج 1/2 2 مليون نفس من مصر في يوم واحد ؟
(3) كيف يمكن إعالة كل هذا الجمهور مع مواشيهم وقطعانهم في صحراء سيناء القاحلة ؟
(4) أين المكان الذي يتسع لإقامة مثل هذا الجمهور عند جبل سيناء ، أو في أرض فلسطين المحدودة ؟
(5) كيف استغرق هذا الجيش العرمرم - المكون من 600.000 جندي - كل هذا الزمن في غزو أرض كنعان ؟
ورداً على كل هذه التساؤلات ، نقول :
(1) ليس من المستبعد أو من المستحيل أن تتكاثر 70 أسرة في مدة 215 سنة أو على مدى سبعة أجيال (باعتبار أقصر الأزمنة، وليس في مدة 430 سنة كما يرى البعض) فيبلغ عددهم ½ 2 مليون نسمة ، منهم 600.000 محارب ، وبخاصة أننا لا نعرف تماماً نسبة التكاثر أو نسبة الوفيات ، ولكننا نقرأ : أما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيراً جداً وامتلات الأرض منهم (خر1 :7) حتى قال فرعون لشعبه هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا (خر1 : 9).
ويعترض البعض قائلين : لو أن بني إسرائيل كانوا يتكاثرون هكذا، فكيف لم يكن لهم سوي قابلتين ؟ ولكن الكتاب لا يذكر أنه لم يكن هناك سوى هاتين القابلتين لكل بني إسرائيل بل لعل، هاتين القابلتين كانتا في مدينة أون فقط ، أو أنهما كانتا تمثلان كل القابلات في بني إسرائيل وبذلك لا يكون ثمة تناقض بين خر 1 : 15 ، خر 1 : 10 . فلو كان عدد بني إسرائيل لم يتجاوز بضع عشرات من الآلاف ، فكيف كانف رعون مصر بكل جبروته يخشي تكاثرهم ؟ .
(2) أما موضوع الخروج في يوم واحد ، فليس في الكتاب ما يؤيد ذلك . فلا شك ان بني إسرائيل كانوا يتوقعون خروجهم من مصر ، منذ أن دخل موسى وهارون إلى فرعون قائلين له : هكذا يقول الرب إله إسرائيل : أطلق شعبى ليعيدوا لي في البرية (خر5 :1). كما أن موسى أنذرهم بالاستعداد قبل اليوم العاشر من الشهر الأول ، لكي تأخذ كل أسرة شاة لتذبحها في اليوم الرابع عشر من الشهر استعداداً للخروج من مصر (خر12 :1- 6) علاوة على ان الشعب كان متعطشاً للحرية منتظراً اللحظة التي يصدر لهم فيها الأمر بالتحرك.
ثم يقولون : كيف اكتفي فرعون بأخذ ستمائة مركبة لمطاردة كل هذا الجيش ؟ ولكن فرعون لم يكتف بهذه الستمائة مركبة منتخبة ، بل أخذ معه سائر مركبات مصر وجنوداً مركبيه على جميعها (خر14 :6-9)، وهو جيش كان يكفي للتغلب على جمهور بني إسرائيل المجردين من السلاح ، وهو يدل على أن عدد بنى إسرائيل كان كبيراً جداً حتى إن فرعون يجرد وراءهم جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه (خر14 :9).
(3) إن الاعتراض بصعوبة إعالة ½ 2 مليون شخص مع مواشيهم وقطعانهم في صحراء سيناء ، يفترض ان صحراء سيناء كانت قفراً يباباً، كما هي الآن ، وهو ما لا يمكن إثباته، فلا ننسي أن موسى ظل يرعي غنم يثرون مدة أربعين سنة في نفس هذه الصحراء، وأنه عند ارتحال بني إسرائيل ، كانت تقيم فيها قبائل بدوية قوية مثل عماليق (خر17: 8) كما أن قطعان بني إسرائيل ومواشيهم لم تكن تتجمع في بقعة واحدة، بل الأرجح أن الرعاة كانوا يذهيون بها إلى حيث يوجد الكلأ والماء . كما يجب أن نذكر أن بني إسرائيل لم يعتمدوا في طعامهم على إنتاج الصحراء، بل أعطاهم الله المن من السماء من منتصف الشهر الثاني بعد خروجهم من أرض مصر (خر16 :1) إلى أن دخلوا إلى أرض كنعان وأكلوا من غلة الأرض (يش5 :11 و12). كما أمدهم الله بالماء من الصخرة فى حوريب (خر17: 6) وفي برية صين حيث خرج من الصخرة المضروبة ماء غزير فشربت الجماعة ومواشيها (عد20 :6- 11، انظر مز 105 : 41).
(4) أما من جهة المكان الذي يتسع لهذا الجمهور عند جبل سيناء، فهناك سهول ووديان عديدة في منطقة جبل سينا، يمكن لهذا العدد الكبير من الناس أن ينصب خيامه فيها. أما عن أرض كنعان ، فقد اتسعت - بلا شك - لأضعاف هذا العدد في أيام ازدهار الأمة في عهد المملكة .
(5) أما ما استغرقه غزو أرض كنعان من زمن طويل، فلا يدل على قلة العدد ، بل هناك عوامل كثيرة أدت إلى ذلك فقد حدث أنهم اختلطوا بشعوب كنعان وتزوجوا معهم وعبدوا آلهتهم ، ونسوا أما أوصاهم به الله . ولو أنهم ظلوا أمناء لله ، لما استغرقوا كل هذا الزمن (انظر مز81 :13 و14).
(ب) صعوبات أخرى :
(1) واجبات الكهنة : يزعم البعض أن الواجبات الملقاة على عاتق هارون وأولاده ، كانت أضخم وأشق من أن يقوموا بها وحدهم . ولكن الشرائع اللاوية - رغم أنها أُعطيت في البرية - لم تنفذ في البرية بشكل دقيق ، بل كانت لتنفذ بكل دقة في أرض كنعان وقد شهد موسى نفسه بذلك القول : لا تعملوا حسب كل ما نحن عاملون هنا اليوم ، أي كل إنسان مهما صلح في عينيه، لأنكم لم تدخلوا حتى الآن إلى المقر والنصيب اللذين يعطيكم الرب إلهكم (تث12 :8 و9).
وليس ثمة ما يدعو إلى افتراض أن الفصح الثاني ، في السنة الثانية لخروجهم تم على غير ما حدث في مصر قبل الخروج ، حيث قام كل رب عائلة بذبح حمل الفصح بنفسه، وليس بمعرفة كاهن. علاوة على أن اللاويين قد أفرزوا للخدمة في خيمة الشهادة (عد1 :50)، وكان عليهم مساعدة الكهنة .
(2) اجتماع كل الجماعة : يتساءل بعضهم : كيف كان يمكن جمع كل الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع ( عد 10 : 3 و 4 ) ؟ و لا شك أنها مشكلة لو أن المقصود بها هو اجتماع كل فرد ( من الرجال والنساء والأولاد - أو حتى من الرجال فقط ) . ولكن لا مشكلة إطلاقا إذا فهمنا ان المقصود هو اجتماع ممثليهم : رؤساء أسباط آبائهم، رؤوس ألوف إسرائيل عد1 :16). وعندما نقرأ : ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم : اسمع يا إسرائيل .. (تث5 :1 ،29 :2) لا يمكن أن يتصور عاقل انه تكلم إلى كل فرد في الجماعة ، رغم ان ما قاله كان للجميع .
ثم يعترض البعض قائلين : كيف كان يمكن جمع كل الجماعة ( باعتبارهما ½ 2 مليون نفس) بواسطة بوقين فقط (عد10 :1-10) ولكن ما سبق أن ذكرناه بخصوص اجتماع كل الجماعة وأن المقصود به هو اجتماع ممثليهم ، فيه الرد على هذا الاعتراض أيضاً، علاوة على أن الضاربين بالأبواق كان يمكنهم ان ينتقلوا بين خيام الأسباط كما أن صوت الأبواق الفضية كان يسري في سكون الصحراء اكثر مما في ضجيج المدن . والأكثر من ذلك أنه لم يكن هناك ما يمنع من صنع المزيد من الأبواق متى لزم الأمر ، حيث لم يرد نهي عن ذلك ، بل من الواضح أن عدد الأبواق عند الدوران حول أريحا كان سبعة أبواق على الأقل (يش6: 4 و6و8 و12).
(3) تحرك الأسباط : كان الأسباط ينقسمون إلى أربع مجموعات رئيسية حول الخيمة ، وكانت كل المجموعة تتكون من نحو نصف مليون نفس ، فكيف كان يمكن تنظيم مسيرة هذه الجماعات في خط واحد ، لو أن كل مجموعة كانت لا تتحرك إلا بعد انتهاء تحرك المجموعة السابق لها، لكي تسير وراءها ، كما أن معنى ذلك أن الخط كان يمتد إلى عشرات الأميال (عن لم يكن مئاتها على رأي البعض)، ولكن الأرجح أنهم كانوا يسيرون بأن تبدأ المجموعات في التحرك في وقت واحد ، لا في خط طويل واحد ، بل في خطوط متوازية ، كل مجموعة وراء رايتها، ففي الصحراء متسع لذلك .
(4) الانتصار على مديان : كيف يمكن لاثني عشر ألف جندى من بني إسرائيل أن ينتصروا على ملوك مديان الخمسة ، وأن يقتلوا كل ذكر ، ويسبوا كل نسائهم وبهائهم وكل أملاكم ويحرقوا جميع مدنهم وحصونهم، دون أن يفقدوا إنسانا من جيش إسرائيل ، ثم يأخذون اثنين وثلاثين ألفا من العذارى ؟ (عد31 :5 و7-10 و35- 49). ولكن الكتاب المقدس يسجل الكثير من مثل هذا الحادث ، مثل : انتصار إبراهيم ورجاله (318 رجلاً) على كدر لعومر ملك عيلام وحلفائه (تك 14 :15)، وانتصار جدعون ومعه ثلثمائة رجل فقط على المدياينين (قض7 :22). وانتصار شمشون بمفرده وبلا سلاح على ألف من الفلسطينيين (قض15 :15).. إلخ .
رابعاً :- رسالة السفر :
نجد في سفر العدد كما في كل الكتاب المقدس ، إله العهد الأمين القدير يعلن ذاته . وهذا الإعلان هو الذي يربط بين جميع أجزاء السفر في وحدة واحدة . ففي كل الشرائع والأوامر ، يبين عنايته بشعبه رغم أنهم كثيرا ما تمردوا وثاروا عليه ، وكانت النتيجة أن يشتعل غضب الله عليهم فهو لا يسمح - في قداسته -أن تمر الخطية بلا قصاص (11 :1- 3و33،12 :9-15،14: 26- 35.. إلخ ) بل لم يسمح لموسي وهارون بالدخول إلى أرض كنعان (20: 12). لكن الله لم يرفض شعبه لأنه يظل أميناً لمواعيده ، فيقود شعبه في شعاب البرية حتى يصلوا إلى الأرض التي وعد بها آبائهم ، فلم يحل دون ذلك عدم امانة إسرائيل ، أو قوة الأمم التي وقفت في طريقهم.
ومما يستلفت النظر في اعلانات الله في سفر العدد :
(1) أن الله لا تغيير عنده في أمانته (انظر23 :19)، ولكن ليس معنى هذا أنه جامد المشاعر (انظر مثلا تلك القصة المؤثرة في14 :11- 24) ونلاحظ أيضاً الكثير من الانثروبومورفية ( أي خلع الصفات البشرية على الله، انظر مثلاً 10 :35 و36، وقوله رائحة سرور للرب ( 15 : 3 ) وطعامى ( 28 : 2 ) .. إلخ وهي تعبيرات يجب ألا نأخذها بمعناها الحرفي ، ولكنها في نفس الوقت تدل على اهتمام الله العميق بشعبه.
(2) يؤكد السفر قداسة الله ، فأي إنسان يقترب إلى الله يجب أن تتوفر فيه كل شروط الطهارة حسب الشرائع المفروضة (انظر مثلاً:1 :51- 53، 19 :11- 22، 20 :12 و13).
(3) حالما وصل بنو إسرئيل إلى حدود أرض الموعد سقطوا في خطية عبادة آلهة تلك الأرض ، ولكن الله ليس إله البرية فحسب ، بل هو الله على الدوام وفي كل مكان. وقد استخدام عرافاً وثنياً (22- 24) لتوبيخهم ، وعاقب إسرائيل على عبادة الأوثان (25) وكذلك الذين جروهم إلى هذه الخطية (31).
(4) في كل ما سبق نجد أن السفر به الكثير من الرموز عن المسيح، وقد أشار الرب نفسه إلى الحيه النحاسية كرمز له (يو3 :14) وكذلك كان المن والصخرة (1كو 10 :1-4) انظر أيضاً عب 9 :1- 13.. إلخ).
خامساً : موسى وسفر العدد :
(أ) الاعتراضات :
(1) نظرية أن السفر ليس وحدة واحدة ، وليس من قلم كاتب واحد ، بل بأقلام عدد من الكتَّاب في أزمنة مختلفة، وذلك بناء على استخدام أسماء الله وألقابه المختلفة ، وهو ماسبق أن ذُكر في البند ثانياً من هذا البحث .
(2) يرى البعض أن في السفر أجزاء تدل على أنها كتبت في عصور متأخرة عن زمن موسى ، مثل قصة الرجل الذي وجد يحتطب حطبا يوم السبت ( عد 15 : 32 - 36 ) إذ يبدو من لغة القصة أن الكاتب لم يكن في البرية ويمكن أن يكون هذا صحيحا اذ يجوز أن موسى كتبها وهو في أرض موآب .
كما أنهم يزعمون أن ما قاله الشعب لموسى وهارون لماذا أصعدتمانا من مصر لتأتيا بنا إلى هذا المكان الردىء ؟ (عد20 :5) إنما قالوه بعد أن وصلوا إلى أرض الموعد التي خرجوا من مصر لكى يأتوا إليها .
ولكن وصفهم لها بأنها ليست مكان زرع وتين وكرم ورمان، ولا فيه ماء للشرب (عد 20 :5) دليل على أنهم كانوا مازالوا في البرية، ول يأتوا إلى أرض الموعد ، بل كانوا - في الحقيقة - في قادش في برية صين (20 :1).
يذكر كتاب حروب الرب وكأنه شيء قديم ولكن ليس في ذلك غرابة إذ إن موسى سجل الحرب مع عماليق في كتاب وضعه في مسامع يشوع ( خر 17 : 14 ) . كما يشيرون إلى ذكر نهر ارنون كتخم لموآب ، قبل أن يتصل إليه بنو إسرائيل بزمن . ولكنها حقيقة جغرافية ، لم يكن العلم بها غريباً على شعب ، في طريقه إليها .
ويقولون أيضاً إنه لا يمكن أن يكون ما جاء في أقوال بلعام عن ملك لإسرائيل (24 :7) قد كتب قبل عهد الملكية . وهذا صحيح لو أنها لم تكن نبوة وضعها روح الله على فم بلعام . وبالمثل ما تنبا به بلعام عن هزيمة أدوم التي لم تتم إلا في عهد الملكية (2صم 8 :14، 1أخ 18 :12 و13).
وهكذا نجد أن الاعتراضات وأمثالها على نسبة السفر لموسى، لا سند لها من الحقيقة .
(ب) الأدلة على أن موسى هو الذي كتب سفر العدد :
(1) هناك أجزاء يبدو أنها كُتبت لأناس مرتحلين في برية ، ويقيمون في خيام ( الأصحاحات 1 - 4 ) ، فتصف الترتيبات للتعداد ، وتشكيل المخيم ، والبركة التي كان يبارك لها هارون الشعب (6 :24-26)، والتعليمات المفصلة للارتحال والتوقف (10 :35 و36)، والتوجيهات بخصوص بوقي الفضة (10 :1- 9)، وشريعة البقرة الحمراء وارتباطها الواضح بالحياة في البرية (19 :3 و7 و9 و14). وإذا كان النقَّاد يقرون بأن هذه الأجزاء جاءت من عهد موسى ، فلماذا يضطرون للبحث عن كاتب آخر لها غير موسى ؟ وإذا كان موسى هو كاتب هذه الأجزاء ، فلماذا لا يكون كل السفر من قلمه ؟ .
ونقرأ بوضوح أن قائمة المنازل التي حل بها بنو إسرائيل ( أصحاح 33 ( قد كتبها موسى حسب قول الرب (33 :2) وإذا لم يكن موسى هو كاتب كل السفر فلماذا يؤمر بأن يكتب مثل هذه القائمة بأسماء أماكن اندثرت معالم أغلبها ؟ لا شك في أن الرب أمر موسى بتسجيل هذه الرحلات ، لتظل مذكراً للشعب بعناية الله العجيبة بهم .
دراية الكاتب بأحوال المصريين وعاداتهم مما يؤيد كتابة موسى للسفر . فشريعة الغيرة (5 :11-31)، لها ما يشابهها في قصص قدماء المصريين في عهد رمسيس الثاني . كما أنه يذكر السمك والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم (11 :5)، وكانت فعلاً من الأطعمة الشائعة في مصر . وعبارة أما خبرون فبنيت قبل صوعن مصر بسبع سنين (13 :22)، لا يكتبها إلا شخص من عصر موسى له علم تام بتاريخ مصر في ذلك العهد.
اقتراحات موسوعية أخرى
نمر
نمر
النمر حيوان ضخم مفترس ، من عائلة القط ، ومن أشد الحيوانات المفترسة شراسة وأكثر انتشاراً في منا...
حرف
حِرَف
أولاً: مصادر المعلومات :
نستقي معلوماتنا عن الحرف في أزمنة الكتاب المقدس من مصدرين رئيسيين،...
ارجيم
أرجيم
معناه نسَّاج ونقرأ في صموئيل الثاني ( 21 : 19 ) أن ألحانان بن يعري أرجيم البيتلحمي قتل جليات ا...
هيمام
هيمام
اسم عبري معناه اضطراب وهو أحد ابني لوطان بن سعير الحوري ( تك 36 : 20 - 22) ، ويسمى أيضا هومام
ملكيا
ملكيا - ملكياهو
اسم عبري معناه : يهوه (الرب) ملك ، وهو :
(1) - أحد اللاويين من نسل جرشون، الذين أق...
عكبور
كلمة سامية تعني فأر (تك 36: 38)