كلمة منفعة
هناك صفات كثيرة للصلاة الروحية، منها أن تصلى بإيمان، وباٍنسحاق، وبفهم، وبتركيز، وبحب وعمق، وحرارة، صلاة من القلب وليس من الشفتين فقط، ونحن نود الآن أن نتكلم عن الصلاة بانسحاق القلب.
— الصلاة المنسحقة
الله
الله
حجم الخط
وهو في العبرية : الوهيم ، إيل ، عليون ، شداي ، يهوه وفي اليونانية ثيوس .
أولاً - مقدمة عامـة :
1- الفكرة في الخبرة والعقل : تقدم العقيدة الدينية فكرة الله ، أما علم اللاهوت فهو الذي يفسر وينظم محتواها ، بينما تقوم الفلسفة بتثبيت العلاقة بين فكرة الله وخبرة الإنسان . وقد يبدو لنا - من أول وهلة - أن الترتيب المنطقي لتناول هذه الفكرة ، هو أولا التأكد من الحقائق واثباتها ببراهين فلسفية ، وثانيا شرح محتواها في صورة قضايا لاهوتية ، وأخيرا النظر في تطورها وتفاعلها في داخل العقيدة الدينية ذاتها ، وقد كان هذا أكثر الأساليب استخداما في معالجة الموضوع ، ولكن التاريخ الفعلي للفكرة ، كان على عكس ذلك تماما ، فقد كانت لدي الناس فكرة عن الله ، وكان لهذه الفكرة قوة خلافة في صنع التاريخ ، قبل أن يبدأ الإنسان النظر فيها ودراستها وتنظيم سائر الجوانب المتعلقة بها في نظام عقيدي متكامل . وبالإضافة إلى ذلك فقد اعتنق الناس العقيدة قبل أي محاولة ، بل حتي قبل الشعور بالحاجة لتحديد محتوي الإيمان وعلاقته بالواقع الإنساني . وهنا يظهر أن منطق التاريخ نفسه هو الفلسفة الحقيقية ، وإذا أردنا الوصول إلى الحق المختص بهذه الفكرة ، فيجب أن نبدأ بجانب معين من الخبرة ، وأن نحدد محتوي هذا الجانب ، وبعد ذلك ندرس علاقة هذا الجانب بالخبرة كلها ، ثم نحدد مدي واقعيتها .
والديانة ظاهرة عالمية مثل ظاهرة الإنسان نفسه ، ولكل ديانة فكرة معينة عن الله ، وكذلك لكل فكرة فلسفية عن الله ما يقابلها في بعض الديانات الكائنة ، كان هو اساس الفكرة الفلسفية فمذهب وحدة الوجود بانثيزم (PANTHEISM) هو
فلسفة الوعي الديني في الهند ، والاعتقاد بوجود إله ديزيم (Deism ) كان سائداً قروناً عديدة في الصين واليهودية وغيرهما باعتباره موقفا واقعيا للناس من نحو الله ، قبل أن يتحول هذا الإيمان إلى نظرية عقلانية في فلسفة القرن الثامن عشر ، وعلم اللاهوت ليس إلا محاولة لتحديد محتوى الفكرة المسيحية عن الله وعلاقته بالعالم في مصطلحات عامة . وإذا كانت فكرة التعددية ( ضد الوحدانية ) لها مكانها في النظم الفلسفية ، فذلك راجع إلى الوعي الديني عند قطاع كبير من البشر تمسك حتى اليوم بمبدأ تعدد الآلهة .
لكن كل الديانات لا تنبع من تخمينات حول محتويات فكرة الله ، إنما الواقع هو أن كل ديانة - إلى حد ما - هي فلسفة لا شعورية نابعة من تفاعل العقل بكل طاقاته مع الخبرة الإنسانية ، ولهذا فإن كل فكرة عن الله تتضمن تفسيراً ما للعالم ، أما الإدراك الواعي لمحتواها فلا يظهر إلا في عدد محدود من الديانات التي تطورت تطوراً كبيراً فالبراهمية والبوذية واليهودية والإسلام والمسيحية هي التي استطاعت أن تقدم نظماً عظيمة من الفكر في صورة عقلانية واضحة ، أما ديانات اليونان وروما القديمة فقد عجزت عن البقاء في عصر الفكر ، فلم يكن للديانات أي فكر لاهوتي يمكن أن تدعمه الفلسفة السائدة ، وبالأخص الفلسفة اليونانية التي كانت منذ البدء - إلى حد كبير - انكارا للديانة الإغريقية وناسخة لها .
وأسفار الكتاب المقدس تستعرض الخبرة الإيمانية كتطور تلقائي ، فلا تقدم لنا إلا دراسة قليلة نسبياً ، وتأملاً محدوداً في الخبرة الإيمانية نفسها . ولا نجد إلا في سفر اشعياء
( الأصحاحات 40 - 66 ) وفي أسفار الحكمة ، وفي بعض المزامير ، أن العقل البشري يبدو كما لو كان يرجع إلى نفسه ليسأل عن معنى مشاعره وعقائده ، وحتى هنا لا يظهر أي شئ يمكن أن نرى له طبيعة فلسفية عن الإيمان بوجود الله أو عقيدة محددة أو فكر لاهوتي ، وبالتالي لا يمكننا أن نعثر على تعريفات واضحة لبناء فكرة عن الله . ومما يؤكد ذلك أن كتاب العهد القديم لم يحاولوا أن يقدموا برهانا على وجود الله لأنه لم يكن أحد في حاجة إلى هذا البرهان . كان كل اهتمامهم أن يأتوا بالناس إلى علاقة صحيحة مع الله ، وقد قدموا وجهات النظر الصحيحة عن الله في حدود ما كان ضروريا لأهدافهم عمليا . حتى الجاهل الذي قال في قلبه " ليس إله " ( مز 14 : 1 ، 53 : 1 ) ، والأمم الشريرة " الناسين الله "
( مز 9 : 17 ) ليسوا ملحدين نظريا ، ولكنهم أناس أشرار فاسدون يهملون أو يرفضون وجود الله في سلوكهم وحياتهم .
أما العهد الجديد فيحوي فكرا لاهوتيا أشمل وتأملا أعمق في المحتوى العميق لفكرة الله وفي دلالتها الكونية ، ومع ذلك لا نجد نظاما متكاملاً قائما على عقائد ذات صياغة دقيقة ، ولا أي بناء فلسفي للاختبار ككل ، وعلى هذا الأساس يبدو أن مجال إعلان فكرة الكتاب المقدس عن الله ، لن يكون جمع عدد من النصوص الكتابية ، أو كتابة تاريخ علم اللاهوت ، وإنما شرح مركز الحق الإلهي في حياة المجتمعات العبرانية والمسيحية .
2 - تحديد فكرة الله في الكتاب المقدس :
ترتبط فكرة الكتاب المقدس - منطقيا وتاريخيا - مع عدد من الأفكار الأخرى ، وهكذا ظهرت محاولات لإيجاد تعريف له طبيعة عامة ، بحيث يحتوي كل هذه الأفكار بشكل متكامل غير مجزأ حتى يمكن فهمها بصورة صحيحة وقد قبل اللاهوتيون القدامى وجهة النظر المسيحية وجمعوا في تعريفاتهم المحددة خلاصة العقيدة المسيحية والفلسفة المسيحية ، فيقول ميلانكثون : " اله جوهر روحي عاقل ، أزلي أبدي ، حقيقي ، صالح ، طاهر ، عادل ، رحيم ، له كامل الحرية ، ، وله قوة وحكمة مطلقتان غير محدودتين " . ويقول توما الأكويني عن الله - بصورة أكثر إيجازاً - إنه " الشخصية المطلقة " . وهذه التعريفات لا تولي اهتماما لوجود الديانات الأدنى والأفكار البدائية عن الله ، ولا تنقل تماما واقعية الله واقترابه كما هو معلن في المسيح ، وهناك تعريف معاصر يأخذ بالمفهوم المسيحي ، قدمه البروفسور كلارك : " الله هو روح ذو شخصية ، كامل الصلاح ، خلق في محبته المقدسة كل الكائنات من العدم وهو الذي يحفظها وينظم وجودها " ( مختصر اللاهوت المسيحي - 66 ) . وظهور علم الديانات المقارن كشف عن حقيقة هامة هي أنه " بينما تضمن كل الديانات وجود علاقة واعية بكائن يدعى " الله " ، إلا أن ادراك هذا الكائن الإلهي يختلف باختلاف الديانات ، فأحيانا هو واحد ، واحيانا هو كثرة من الآلهة ، مرة هو جزء من الكون المادي ، ومرة أخرى هو كائن روحي ، أحيانا له شبيه أو ظاهر في كل شئ في السماوات من فوق أو على الأرض من تحت ، في الجبال وفي الأشجار ، في الحيوانات وفي البشر ، أو أنه - على النقيض من ذلك - لا يمكن تشبيه مطلقا بأي صورة محددة مهما كانت ، وقد يكون إلها خاصا بأسرة معينة من البشر أو بأمة من الأمم أو بكل الجنس البشري " ( كيرد - في تطور الديانات - المجلد الأول - 62 ) . وقد بذلت محاولات للوصول إلى تعريف جديد يضم في مقولة واحدة كل الأفكار المختلفة عن الله ، التي عرفها البشر على مدى التاريخ والمثال النموذجي لهذه المحاولات هو التعريف الذي وضعه البروفسور أدامز براون : " الإله في المفهوم الديني هو كائن
غير منظور ، كائن حقيقي أو مفترض ، يرتبط به فرد أو جماعة طواعية بروابط من الاحترام والخدمة " ( موجز علم اللاهوت المسيحي - 3 ) . وهناك الكثير من التعريفات المشابهة مثل : " كائن أو كائنات فوق ادراك الحواس " ( لوتز فبرين ) ، " قوة عليا " ( الأن منزيس ) ، " كائنات روحية " ( أ . ب . تيلور ) ، " قوة عادلة متمايزة عنا " ( متى أرنولد ) وهذه التعريفات تعاني من خلل مزدوج : " إنها تقول أكثر مما يجب ، لتحتوى أفكار الديانات البدائية ، وتقول أقل مما نادت به الديانات السامية ، فليس كل الآلهة " لا ترى " أو " فوق متناول الحواس " أو " قوة عادلة " ، فكل هذه الصفات تشترك فيها كائنات أخرى غير الآلهة ولا تعطي المحتوى الجوهري في الأفكار الأسمي عن الله . وقد درس الدكتور كيرد مختلف هذه التعريفات ونظر إليها من خلال مبدأ نمو البذرة وتطورها باعتبار أن الديانات إنما هي بذرة تنمو وتتطور ، ووضع فكر على هذا النحو : " الله هو الوحدة التي يفترضها الإنسان بين النفس واللانفس ، والتي من خلالها تؤثر وتتأثر كل منهما بالأخرى " ( المرجع السابق - المجلد الأول 40 و 46 ) . ولكن هذا المبدأ لا يتحقق كاملا إلا في الديانات العليا فحسب ، ومع هذا فهناك شك في أنه يصلح كمبدأ عادل يفسر الشخصية السامية الفائقة لإله المحبة المعلن في يسوع المسيح . أما في الديانات البدائية فهذا المبدأ يظهر في صورة مجزأة ناقصة ، حتى إنه لا يمكن اكتشافه في هذه الديانات البدائية ، إلا بعد أن أعلن في شكله المطلق في الديانات العليا . وهذا التعريف قد لا يكون كافيا ولا حقيقيا ، إلا أن المنهج الذي أدى إليه ، يؤكد أنه لا يمكن أن توجد إلا فكرة واحدة حقيقية وتعريف واحد صحيح عن الله ، أما سائر الأفكار - المتعلقة بهذه الفكرة الحقيقية الوحيدة - فهي عناصر تابعة لها أو قريبة منها بشكل أو بآخر . أما الفكرة الكتابية عن الله فهي - ليست فكرة منعزلة - كجزيرة في وسط المحيط ، ولكنها مصدر الضوء الذي يشع بنوره على العقائد والديانات الأخرى بدرجات متفاوتة من النقاء .
وليس الهدف من هذه المقالة ، هو البحث في فلسفة الأديان ، وإنما الهدف هو تقديم خلاصة عن فكرة الله في مراحل معينة من تطورها في أطار فكري محدود . وعدم وجود تعريف نهائي كامل لله ، لا يشكل صعوبة حقيقية لأن عطاء كلمة " الله " عطاء كاف وواضح ، فكلمة " الله " تتضمن كل شئ كان أو مازال موضوع العبادة ، وسيظل المعنى مجالا للدراسة والتأمل .
3 - معرفة الله :
هناك مجموعة ثالثة من التعريفات تستلزم اهتماما خاصا لأنها تثير سؤالا جديداً عن معرفتنا بالله والحق الموجود في أي فكرة نعتنقها عن الله ، ونجد مثالا لذلك في تعريف الفيلسوف هربرت سبنسر : " الله هو السبب المجهول للكون ، والذي لا يمكن إدراكه أيضا ، وهو قوة غامضة معلنة لنا من خلال كل الظواهر الكونية " ( المبادئ الأولى للفلسفة - 5 : 31 ) وهذا يعني أنه لا يمكن أن يوجد تعريف محدد لفكرة الله ، لأننا لا نستطيع أن نحصل على معرفته بالمعنى الدقيق لكلمة معرفة ، ولكن يكفينا هنا أن نعلم أننا نملك عدة أفكار عن الله ، نستطيع تحديدها لأنها قالبة للتحديد ، وهذه الأفكار تصبح اكثر اكتمالا وتعقيداً كلما ارتقت في سلم الفكر الديني . ويمكن جمع هذه الأفكار من الأدب الشعبي ( الفولكلور ) وتراث الأجناس البشرية غير المتحضرة ، ومن الكتب المقدسة وعقائد الإيمان للديانات العليا ، ولكن الفكرة الرئيسية عند الفيلسوف سبنسر هي أنه طالما أن هذه الأفكار قابلة للتحديد والتعريف فهي غير صحيحة لأن الله غير معلوم وكلما حددناها كلما صار الموضوع خياليا وزائفا بدرجة اكبر . وبينما لا يوجد ما هو أكثر يقينية من ان الله موجود ، إلا أن كيانه غامض إلى أقصى حد أمام الفكر البشري .
وتنوع الأفكار يبدو مدعما لهذا الرأي . ولكن علينا أن نلاحظ أن اختلاف الأفكار هو أمر ظاهر جدا بالنسبة لأي موضوع في مجال المعرفة البشرية كما يشهد بذلك التقدم العلمي ، وبالتالي فاختلاف الأفكار لا يثبت شيئا وليس دليلا على شئ .
أما تجريد الفكر وعزله تماما عن الواقع ، فأمر لا يمكن أن يقوم ، وحتى سبنسر نفسه لم ينجح في ذلك ، فهو يقول الكثير عن الله " غير المعروف " مما يعني ضمنا معرفة واسعة عنه . وقد بدأت المشكلة بالبراهين التقليدية عن وجود الله ، فهي التي ضللت اللاأدريين ، ولكن وجود الله لا معنى له أن لم يكن له وجود في فكر الإنسان ، وإذا كان الله هو العلة الأولى التي تقبع كامنة في سر الوجود المستغلق الذي لا يمكن اختراقه ، وإذا كانت العة الأولى نفسها وراء كل الظواهر الكونية ، فلا يمكن أن تكون العلة الأولى مجرد وهم . وهكذا نرى أن فكرة سبنسر عن الله " غير المحدود " " والمطلق " متناقضة ولا يمكن قبولها فكريا . " فاللامحدود " الذي يخرج عن دائرة كل ما هو معروف ، لا يمكن أن يكون غير محدود ، والمطلق لا علاقة له بالكائنات ، لا يمكن تخيله . وإذا كان ثمة حق في فكرة " المطلق " ، فلابد أن تكون حقيقة في الخبرة الإنسانية والفكر الإنساني . واللامحدود الحقيقي يجب أن يحتوي كل كمال واقعي. وفي الحقيقة إن كل فكرة عن الله وجدت في الديانات ، إنما تدحض اللاأدرية ، لأن كل فكرة إنما تساعدنا على فهم الخبرة وتصحيحها ، ويبقى امامنا هذا السؤال الوحيد عن مدى صدق هذه الأفكار وكفايتها .
4 - الأفكار الوثنية عن الله :
وما نقدمه هنا من أفكار موجزة عن الله في الديانات المختلفة ، سوف يساعدنا على وضع الفكرة الكتابية عن الله في اطارها الصحيح بما حولها من أفكار :
أ - مذهب حيوية المادة ( أنيميزم ) ( Animism ) القائل بأن كل شئ مادي فيه روح حية تحركه . وقد ظهرت هذه الأفكار في الديانات البدائية ، ولعلها أول الأفكار التي اعتنقها الإنسان ، بل لعلها هي بداية كل الديانات ، فهي تقوم على الاعتقاد بوجود كائنات روحية كونية ، في كل الكائنات المادية تؤثر وتسيطر على كل أحداث العالم المادي وحياة الإنسان هنا على الأرض وفي العالم الآخر بعد الموت . واعتقد البدائيون أن هذه الكائنات الروحية تتصل بالبشر ، وأنها تسر أو تستاء من تصرفات البشر ، والإيمان بوجود هذه الكائنات يؤدي حتما - إن عاجلا أو آجلا - إلى احترام هذه الكائنات وعبادتها ومحاولة ارضائها " ( تيلور - الحضارت البدائية المجلد الأول - 426 - 427 ) ، وبناء على هذا الرأي ، العالم مملوء بأرواح لا أجساد لها ، شبيهة بنفس الإنسان ، وأي روح من هذه الأرواح أو كلها ، يمكن أن تعتبر آلهة .
ب - الفتشية ( Fetichism ) : وحسب هذه الأفكار تعتبر كل ثمار الأرض وكل الأشياء بعامة ، كائنات إلهية أو تحيا بأرواح قوية ( فريزر في كتابه : الآلهة أدونيس ، أتيس اوزوريس - ص 234 ) . كما تستخدم هذه الكلمة احيانا للتعبير عن الاعتقاد بأن الأرواح " تسكن في بعض الكائنات بشكل عبر أو بشكل دائم … وهكذا تصبح هذه الأشياء أو الكائنات آلهة تعبد باعتبارها مسكنا لهذه الأرواح ( تيل في كتابه : مختصر تاريخ الديانات - ص 29 ) .
ج - عبادة الأوثان : وهو تعبير دلالة أكثر تحديدا ، وهو يعني أن موضوع العبادة قد تم اختياره ، باعتباره مسكنا دائما أو رمزاً للألوهية ، وبصفة عامة ، يقوم الإنسان بصناعة هذه الرموز ببراعة واتقان لتكون أقدر على تمثيل الإله على نحو يفي بالغرض . ولا يعني هذا أن الإنسان يعبد مجرد " قطع من الأخشاب أو الأحجار " ، ولكنه يوجه عبادته إلى هذه الأشياء ، سواء كانت أشياء رمزية أو تماثيل للآلهة ، على انها مساكن أو صور لتلك الآلهة . ومن الطبيعي أن تظهر فكرة أن الأرواح التي تسكن هذه الأشياء لها شكل أو صورة الأشياء التي تسكنها . وقد عبر الرسول بولس عن الفكرة الوثنية بدقة بقوله : " لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة وإختراع إنسان " ( أع 17 : 29 ) .
د - تعدد الآلهة ( polytheism ) : وهو الاعتقاد بآلهة كثيرين وعبادتهم جميعا ، وهو اتجاه لا يختلف جوهريا عن مذهب حيوية المادة والفتشية وعبادة الأوثان . ولربما نشأ تعدد الآلهة مستقلا عن كل هذه الاتجاهات . وعبارة " تعدد الآلهة " تستخدم - على الأغلب - للدلالة على عبادة عدد معين من الآلهة المعروفين المحددين سواء كانت هذه الآلهة أروحا لا أجساد لها ، أو أرواحا تسكن في الأجرام والموجودات الطبيعية العظمى كالكواكب والجبال ، أو في تماثيل هي " نقش صناعة واختراع إنسان " وفي بلاد اليونان القديمة أو الهند الحديثة ، هناك آلهة معروفة لها أسماء يمكن حصرها ، ولكن من المفهوم جيدا أنه رغم أنه يمكن التعبير عنها بالتماثيل والصور ، إلا أنها تعيش منعزلة في عالم روحي فوق سائر العالم .
هـ - الاعتقاد بوجود إله أعلى وآلهة أخرى دونه ( Henotheism ) :
وهو اتجاه عند بعض الأفراد أو الجماعات ، حيث يعتقدون بوجود آلهة كثيرين ، إلا أن أحد هؤلاء الآلهة هو الإله الأعلى الذي يسمو فوق الآخرين ، وبالتالي توجه العبادة له وحده ، وقد مهد هذا الطريق للتوحيد عند بعض الشعوب عندما تطورت حضارتها ووصلت إلى مستوى معين من الثقافة . ويوجد تفاوت في مدى ظهور هذا الاتجاه . فسواء درسنا بابل أو مصر أو الهند أو اليونان ، فإننا نجد أثار هذا الاتجاه واضحة ومميزة في الميل نحو تركيز الظهورات المتنوعة للقوى الإلهية في مصدر واحد ( جاسترو - دراسة الأديان - 76 ) ، وهذا المنهج الفكري يطلق عليه اسم " الهينوسيزم " أو " مونولاترى " ( Monolatry ) أي عبادة إله واحد مع الاعتقاد بوجود آلهة كثيرين ، ويصاحب هذا الاتجاه فلسفة ميتافيزيقية واتجاهات اخلاقية ، ودوافع شخصية ، إما بواسطة الاتجاه العقلي نحو التوحيد أو نتيجة الارتباط الشخصي بمبدأ سياسي أو أخلاقي .
و - وحدة الوجود أو ألوهية الكون ( Pantheism ) :
وحيث يسود المبدأ السابق ( الهينوسيزم ) ، فإن مذهب تعدد الآلهة يسفر عن الاعتقاد بوحدة الوجود ، وخير مثال لذلك هو الهند حيث يعتبر " براهما " ليس الإله الأعظم والأسمى من كل الآلهة فحسب ، بل ايضا الكائن الفريد وكل الآلهة الأخرى ليست إلا ظهورات وأشكالا له ، ولكن ما حدث في الهند هو أن الآلهة التي قهرها براهما ، قد انتقمت منه ، فأصبح براهما فكرة مجرد نائية حتى أن العبادة تقدم أساسا للآلهة الأخرى التي هي ظهورات مختلفة له - كما سبق القول - وهكذا نجد أن أفضل وصف للهندوسية الحديثة، هو أنها ليست عبادة إله واحد مع الإيمان بوجود آلهة أخرى ، بل بالحري الإيمان بإله واحد مع عبادة آلهة كثيرين .
ز - الاعتقاد بوجود إله ( Deism ) : يمكن أن تتحول النزعة إلى التوحيد إلى الاتجاه العكسي ، إلى مجرد الاعتقاد بوجود إله ، ومع ذلك تؤدي إلى ظروف دينية مشابهة ، فالكائن الأسمى الذي هو الحقيقة المطلقة والقوة المهيمنة على الكون ، يصبح موضوع إيمان غامض وفكرة مجردة بعيداً عن العالم ، ومتعاليا إلى درجة استحالة الاقتراب منه ، ويصبح من اللازم أن يملأ الفراغ الناشئ بينه وبين العالم ، كائنات متعددة أدنى منه وخاضعة له وأقرب إلى الإنسان يسهل عليه الاقتراب منها وعبادتها . وقد حدث هذا في اليونان القديمة حيث كانت " الضرورة " هي ذلك الإله، أما في الصين فقد كان الإله " تيان أو السماء " هو الإله الأعظم ، ولكن كان هناك آلهة أدنى تقدم لها العبادة ، فالملائكة في الزرادشتية وفي اليهودية .. وغيرهما ، والقديسون في الطقوس الكاثوليكية ، تعبير عن هذا الاتجاه ، ووحدة الوجود والاعتقاد بوجود إله ، رغم انه كان لهما رواج ملحوظ كنظريات فلسفية ، إلا أنهما لم يستطيعا البقاء بشكل راسخ كديانات لأنهما تحولا إلى نوع من تعدد الآلهة وعبادة الأوثان ، مما يدل على أنهما صورتان زائفتان للاتجاه إلى التوحيد .
ح - التوحيد عند الساميين : والاتجاه التوحيد عند الساميين ربما كانت له أسباب فرعية كثيرة مثل العزلة القبلية ، أو العظمة القومية ، ويعتقد أن قبائل سامية كثيرة كانت قبائل موحدة لأحد هذين السببين أو لكليهما ، ولكن سرعان ما قضى الاتصال بين القبائل في الحروب أو التجارة أو المصاهرة على ذلك مما أدي إلى اندماج هذه الآلهة القبلية في الإيمان بإله اقليمي واحد مع عبادة آلهة آخرين .
ط - التوحيد الأخلاقي والشخصي : يمكن اضافة عنصر واحد آخر إلى الاتجاه التوحيدي ، ليصبح توحيدا ثابتا مستقرا ، وهذا العنصر هو ادراك أن لله علاقات أدبية مع الإنسان ، وعندما ينظر الإنسان إلى السلوك على أنه سلوك أخلاقي ، يدرك أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى مثال أو مرجع أخلاقي واحد ، وعندما يدرك أن الله هو هذا المثال والمرجع ، لابد أن يؤدي ذلك إلى معرفة الله باعتباره الأسمى والفريد ، ومع هذا قد يظل الاعتقاد في وجود كائنات أخرى تسمى آلهة ، بعض الوقت ، ولكنها سرعان ما تفقد صفات الألوهية حالما يرى الإنسان أنها أقل من الإله الواحد ، أو أنها تختلف بل وتتعارض مع هذا الإله الذي يهيمن على ضمير الإنسان ، فلا تبطل عبادتها فحسب ، بل يصل الأمر إلى اعتبار أن تقديم العبادة لها دنس وشر ، وهكذا يمنع الجانب الأخلاقي - في المفهوم التوحيدي لله - الجنوح الى الاعتقاد بوحدة الوجود أو تأليه الكون ، مما ينحدر به إلى مذهب تعدد الآلهة ، لأن الفكرة الأخلاقية عن الله تتضمن بالضرورة شخصيته وسموه الفائق المتميز عن العالم والمتعالي فوق العالم ، وكذلك علاقته الوثيقة والدائمة بالإنسان ، وإذا كان الله هو المهيمن على ضمير الإنسان ، فهو لا يمكن أن يختلط بالطبيعة الميتة أو الكائنات الخيالية النابعة من فكر الإنسان ، كما لا يمكن ابعاده إلى ما وراء السماوات وجمهور الملائكة ، وهكذا يظهر للمرة الأولى مفهوم أدبي سام عن الله ، في العهد القديم ، فهذا هو الفكر السائد في كل أسفاره .
ثانيا :- فكرة الله في العهد القديم :
1 - مسار تطور الفكرة : إن أي محاولة لكتابة التاريخ الكامل لفكرة الله في العهد القديم ، لابد أن تستدعي دراسة تمهيدية للجوانب اللغوية والمميزات التاريخية للأسفار ، وهو ما لا يتسع له هذا البحث وهدف الكاتب منه . والعهد القديم لا يقدم لنا تعليما نظاميا عن عقيدة الله ، كما لا يقدم لنا سلسلة متتابعة من العبارات التي لا تحتاج إلا إلى تجميعها في محتوى متكامل متناسق ، إن العهد القديم سجل لحياة غنية متنوعة تمتد عبر أكثر من ألف عام ، والأفكار التي سيطرت على هذه الحياة وألهمتها ، يمكن الاستدلال عليها من الأفعال والقوانين التي تحققت في ظلها ، والتي لم تكن أفكارا جامدة وثابتة عند مستوى واحد . أن الإعلان الإلهي في العهد القديم كان إعلانا متطورا باضطراد ، وأن الفكرة عن الله التي يقدمها لنا هي فكرة متطورة ، ومن اليسير التعرف على بعض مراحل التطور دون الدخول إلى مجال الدراسات النقدية المطولة ولا جدال في أن عصر الخروج - الذي يدور حول شخصية موسى - شهد مرحلة جديدة وهامة في تطور العقيدة العبرانية . ونعرف من أقدم الأسفار أن الله أعلن نفسه لإسرائيل لأول مرة بالاسم الشخصي " يهوه أدوناى " أي " الرب السيد " وهكذا أصبح " يهوه " هو المخلص الذي خلصهم من أرض مصر ، وإله الحرب الذي أعطاهم الوعد الأكيد باخضاع أرض كنعان ، وهكذا أصبح ملكهم الذي بيده كل مصائرهم في أرض ميراثهم الجديدة ، ولكن استقرار الشعب في أرض كنعان واستقرار عبادة يهو قد واجها تحديا من الآلهة المحلية والشعوب التي تعبدها .
وفي القرن التاسع قبل الميلاد ، نرى كيف وصلت الحرب ضد الرب إلى المحلة ذاتها ، فحاولت عبادة البعل أن توطد أقدامها داخل إسرائيل ، مما استلزم أن يقاوم الأنبياء ذلك معلنين أن الرب وحده هو الذي يجب أن يعبد ، وقد دعم الأنبياء العظام في القرن الثامن قبل الميلاد هذه الحقيقة على أساس السمو الأدبي الذي يتميز به يهوه ، وهكذا يكشف هؤلاء الأنبياء عن أعماق جديدة لطبيعته الأدبية ويعلنون وحدانيته وسموه ، ويرسون ذلك على قواعد سامية راسخة . وفي اثناء السبي وبعده تتسع نظرة الإسرائليين بسبب اتصالهم بالعالم الواسع ، مما يؤدي بالمفاهيم الضمنية المنطقية للتوحيد الأخلاقي إلى علم لاهوت أكثر شمولا وأبعد تجريداً ، وهكذا نرى ثلاث فترات يمكن تحديدها بكل وضوح ، تقابلها ثلاث مراحل في تطور الفكر عن الله ، في العهد القديم ، مرحلة ما قبل الأنبياء التي سادت فيها المفاهيم الموسوية ، ومرحلة الأنبياء التي توطد في أثنائها التوحيد الأدبي ، ثم مرحلة ما بعد السبي التي تميزت بالتوحيد المطلق .
ولكن عندما نتناول هذه التقسيمات الواسعة والواضحة من الضروري أن نضع في اعتبارنا حكمة الفيلسوف : " إن الأمور لا يفصل فيها بفأس " إن الأفكار المميزة لكل مرحلة يمكن دراستها في اطار مرحلتها ، ولكن لا ينبغي أن نفترض أن هذه الأفكار لم يكن لها وجود في المرحلتين الأخريين ، وعلى الأخص لا يجب أن نفترض أن الأفكار والحياة التي تمثلها لم يكن لها وجود قبل أن يرصدها التاريخ بوضوح ، فالشريعة الموسوية كان لها جذورها - دون شك - في حياة بني اسرائيل من قبل ، ولكن أي محاولة لتقصي ذلك ، لابد أن تؤدي إلى مستنقع ضخم من التخمينات والافتراضات والأركيولوجية والنقدية والفلسفية ، ولذلك فأي نتائج نصل إليها ، هي اسهامات في علم مقارنة الأديان ، أكثر منها في علم اللاهوت .
2 - أشكال ظهور الله : لابد أن كان للخبرة الدينية جانب روحي باطني وذاتي ، ولكن تطويع اللغة الموضوعية للحياة العادية لاستخدامات التجربة الذاتية عملية عسيرة وشاقة " فالناس ينظرون للخارج قبل أن ينظروا للداخل " ومن هنا فإننا نجد أن الناس يعبرون عن وعيهم ومعرفتهم بالله في العهود المبكرة ، بلغة مستعارة من العالم المرئي والموضوعي ، ولا يستتبع ذلك أنهم فكروا في الله بشكل حسي ، لأنهم يتكلمون عنه بلغة الحواس التي كانت متاحة لهم ، وفي الجانب الآخر فإن الفكر غير مستقل أبدا عن اللغة ، وطريقة تفكير الناس الذين يستخدمون لغة حسية للتعبير عن حقائق روحية ، تختلف باختلاف الأشخاص .
أ - وجه الله : تعبير طبيعي عن محضره ، والمكان الذي يرى فيه الله يدعى " فنيئيل " ، أي " وجه الله" ( تك 32 : 30 ) ووجه الرب هو بركة شعبه ( عد 6 : 25 ) وبوجهه ( حضرته ) أخرج إسرائيل من مصر ، ووجهه ( حضرته ) يسير معهم إلى كنعان ( خر 33 : 14 ) ، والطرد من أمام الله معناه الاختفاء من وجهه ( تك 4 : 14 ) أو أن يحجب الله وجهه ( تث 31 : 17 و 18 ، 32 : 20 ) وعلى نقيض هذه الفكرة نقرأ في موضع آخر أن الإنسان لا يستطيع أن يرى وجه الرب ويعيش (خر 33 : 20 ، وانظر تث 5 : 24 ، وقض 6 : 22 ، 13 : 22 ) وفي هذه النصوص الأخيرة تدل كلمة " وجه " على الوجود الكامل لله متميزا عما يمكن أن يعرفه الإنسان عنه ، وهذه العبارة والعبارات المشابهة لها تنطوي أيضا على مخافة الله التي تجعل الإنسان يتضاءل أمام عظمة الله حتى في حالة الاقتراب إليه والتي هي جزء من كل عبادة .
ب - صوت وكلمة الله : وهما تعبيران بهما ندرك شركته مع الإنسان منذ أقدم الأيام وحتى الوقت الحاضر ، والفكرة تتراوح بين الصوت المنخفض الحقيقي الذي لا يكاد يسمع ( 1 مل 19 : 12 ) واعلان الناموس الكامل للسلوك ( تث 5: 22- 24) إلى رسالة النبي ( اش 2 : 1 ، إر 1 : 2 ) ، وتجسيد مشورة الله الكاملة وعمله (مز 105 : 19 ، 147 : 18 و 19 ، هو 6 : 5 ، اش 40 : 8 ) .
ج - مجد الله : وهو ظاهرة طبيعية متميزة وكذلك ظهور الله في أعماله وعنايته وفي بعض الفصول في سفر الخروج ، نجد المجد يتجلى في نور باهر " كنار آكله " ( خر 24 : 17 ) يملأ خيمة الاجتماع ويقدسها ( خر 29 : 43 ، 40 : 34 و 35 ) ، كما ينعكس كأشعة من نور على وجه موسى ( خر 34 : 29 ) ، وفي سفر حزقيال تتكرر عبارة ، " مجد الله " بالاشارة إلى رؤيا النبي ، " لمعان " كمنظر القوس في السحاب ( حز 1 : 28 ، 10 : 4 ، 43 : 2 ) ، وفي موضع آخر يعبر عنه بكل جود الله الظاهر مصحوبا بالمناداة باسمه ( خر 33 : 17 - 23 ) وفي سفر إشعياء توجد آيتان يبدو أنهما تطويان تحت هذه العبارة فكرة الظهور الطبيعي مع حضوره الفعال في العالم ( اش 3 : 8 ، 6 : 3 ) ، ووجود الله في الخليقة وفي التاريخ يعبر عنه في المزامير " بمجده " ( مز 19 : 1 ، 57 : 5 و 11 ، 63 : 2 ، 97 : 6 ) ويعتقد كثيرون من العلماء أن الفكرة موجودة في إشعياء في أقدم صورها وأن المعني الطبيعي جاء متأخرا ، ومع هذا فإنه يبدو مغايراً لكل قياس منطقي ولو أن ظاهرتين مثل قوس قزح والبرق يبدوان أمام العقل البدائي إعلانا عن ظهور الله .
د - ملاك الله : أو ملاك الرب صورة تتكرر كثيرا لإعلان الله عن نفسه في شكل بشري ولأغراض خاصة وهو مفهوم بدائي ، وغير ثابت في أي موضع العلاقة الدقيقة لهذا المفهوم بالله أو مشابهته للإنسان ، ففي نصوص كثيرة يبدو أن الله وملاك الله هما نفس الكائن ، فيستخدم التعبيران كمترادفين ( كما في تك 16 : 7 - 12 ، 22 : 15 و 16 وخر 3 : 2 و 4 ، قض 2 : 4 و 5 ) وفي نصوص أخرى تلوح الفكرة مختلفة بدرجات متباينة ( تك 18 ، 24 : 40 ، خر 23 : 21 ، 33 : 2 و 3 ، قض 13 : 8 و 9 ) ، ولكنه في كل مكان يمثل الله بصورة كاملة متحدثا أو عاملا في ذلك الوقت ويجب التمييز بين ذلك وبين الكائنات التابعة والوسيطة التي تناولتها دراسة الملائكة المتأخرة ، وارتباطه بـ " المسيا " و " الكلمة " ( لوجوس ) إنما هو صحيح بمعنى أن هاتين العبارتين المتأخرتين أكثر دقة في التعبير عن فكرة الإعلان التي كان يشير إليها " الملاك " في الفكر البدائي .
هـ - رو ح الله : وروح الله في الزمن المبكر شكل من أشكال فعاليته في تحريك محارب أو نبي للقيام بمهمته في الحرب أو الكلام ( قض 6 : 34 ، 13 : 25 ، 1 صم 10 : 10 ) ، وفي عصر الأنبياء أصبح واسطة توصيل أفكار الله للناس .
و - اسم الله : وهو أكثر التعبيرات شمولا ، وأكثرها استخداما في العهد القديم للدلالة على إظهاره لذاته ، وللدلالة على شخصه ليكون معروفا للناس ، والاسم هو شئ مرئي أو مسموع لتقديم الله للناس ، وعلى ذلك يمكن القول إنه يقوم بأعماله ويحل محله في علاقته بالناس ، والله يعلن نفسه عن طريق إعلان اسمه ( خر 6 : 3 ، 33 : 19 ، 34 : 5 و 6 ) وخدامه يستمدون سلطانهم من اسمه ( خر 3 : 13 و 15 ، 1 صم 17 : 45 ) ، وعبادة الله معناها أن تدعو باسمه ( تك 12 : 8 ، 13 : 4 ، 21 : 33 ، 26 : 25 ، 1 مل 18 : 24 - 26 ) وأن تخشاه أو تهابه ( تث 28 : 58 ) وتحمده ( 2 صم 22 : 50 ، مز 7 : 17 ، 54 : 6 ) وتمجده ( مز 86 : 9 ) ومن الشر أن تحلف باسم الله باطلا ( خر 20 : 7 ) أو أن تدنسه وتجدف عليه ( لا 8 : 21 ، 24 : 16 ) ، ومكان سكنى الله هو المكان الذي يختاره الله ليحل فيه اسمه ( 2 صم 7 : 13 ، 1 مل 3 : 2 ، 5 : 3 و 5 ، 8 : 16 - 19 ، 18 : 32 ، تث 12 : 11 و 21 ) ، واسم الله يحامي عن شعبه ( مز 20 : 1 ، إش 30 : 27 ) ، ومن أجل اسمه لا يهملهم ( 1 صم 12 : 22 ) ، أما اذا فنوا ، فإن اسمه يختفي ( يش 7 : 9 ) ، والله معروف بأسماء مختلفة تعبر عن أشكال متنوعة من إعلانه عن ذاته ( تك 16 : 13 ، 17 : 1 ، خر 3 : 6 ، 34 : 6 ) بل إن الأسم يعطي الملاك هيبته ( خر 23 : 20 - 23 ) ولذلك فإن أسماء الله كلها لها أهميتها في الإعلان عن ذاته .
ز - صور عارضة : وبالإضافة إلى هذه الصور الثانية بدرجات مختلفة، - فإن الله أيضا يظهر في صور عارضة استثنائية ومتنوعة ، ففي سفر العدد ( 12 : 6 - 8 ) نقرأ أن موسى - دون الآخرين - كان يعاين شبه الرب ، والنار والدخان والسحاب صور أو رموز تتكرر كثيرا للدلالة على محضر الله ( كما في تك 15 : 17 ، خر 3 : 2 - 4 ، 19 : 18 ، 24 : 17 ) وبصورة خاصة " عمود السحاب نهارا وعمود النار ليلا " ( خر 13 : 21 و 22 ) عندما أكمل موسى عمل خيمة الشهادة ، " غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن " ( خر 40 : 34 ) ، وفيها تراءى الله فوق غطاء التابوت ( لا 16 : 2 ) والأحداث الخارقة للعادة أو المعجزات - في الفترة المبكرة - كانت علامات على قوة الله ( خر 7 ، 1 مل 17 ، وما بعده ) ومسائل موضوعية أي من هذه الأشكال أو كلها وعلاقتها بالجوهر الإلهي الكامل تثير قضايا واسعة ، ففكر العهد القديم تقدم كثيرا جدا عن الفكر البدائي الذي كان يربط ما بين الله والظاهرة الطبيعية ، ولكننا لا ينبغي أن نقرأ في لغته الرمزية المميزات الميتافيزيقية لعلم لاهوت اغريقي مسيحي .
ثالثا - أسماء الله :
كانت كل أسماء الله أصلا تدل على صفاته ، ولكن اشتقاقات الكثير منها - ومن ثم معانيها الأصلية - قد فقدت، فكان لابد من البحث عن معان جديدة لها :
1 - الاسماء العامة : من أقدم أسماء الله المعروفة للجنس البشري واكثرها انتشارا اسم " إيل " مع مشتقاته " إيليم " " إلوهيم " ، " إلوي " ، وهو مصطلح عام مثل " ثيوس وديوس " في اليونانية ويطلق على كل من يشغل مرتبة الألوهية ، بل قد يدل على مزكز من التوقير والسلطة بين الناس ، وقد كان موسى إلها " إلوهيم " لفرعون " ( خر 7 : 1 ) ، ولهرون ( خر 4 : 16 - قارن قض 5 : 8 ، 1 صم 2 : 25 ، خر 21 : 5 و 6 ، 22 : 7 وما بعده ، مز 58 : 11 ، 82 : 1 ) وعلى هذا مصطلح عام يعبر عن العظمة والنفوذ ، واستخدم كاسم علم لإله إسرائيل في الفترة المتأخرة من فترات التوحيد عندما اعتبر اسم العلم القديم " ياه " أو " يهوه " اقدس من أن يتردد على الشفاه ، والغموض الكامل يلف معنى الأصل " إيل " ، وحقيقة العلاقة بينه وبين " إلوهيم " و " إلوي " وأكثر الأشكال المستخدمة عند كتاب العهد القديم هو الاسم الجمع " إلوهيم " ولكنهم يستخدمونه بصورة منتظمة مع الأفعال والصفات المفردة للدلالة على " مفرد " وقد قدمت تفسيرات عديدة لاستخدام صيغة الجمع للدلالة على مفرد ، مثل أنها تعبر عن الكمال والتعدد في الطبيعة الإلهية ، أو أنها جمع جلالة أو عظمة كما يخاطب الملوك ، أو أنها إشارة مبكرة للثالوث ، ونجد تعبيرات أخرى من هذا النوع ( تك 1 : 26 ، 3 : 22 ، 1 مل 22 : 19 و 20 ، إش 6 : 8 ) ، وقد تكون هذه النظريات أبرع من أن تخطر على بال العقلية العبرية في ذلك الزمن المبكر ، وهناك من يظن أنها أثار لغوية باقية من مرحلة سابقة من مراحل الفكر هي مرحلة تعدد الآلهة ، وفي العهد القديم تشير فقط إلى الفكرة العامة عن الألوهية .
2 - الأسماء الوصفية : لتمييز " إله إسرائيل " باعتباره أسمى عن كل الآخرين المدعويين آلهة ، كثيرا ما تضاف ألقاب وصفية . " فايل عليون " يشير إلى إله إسرائيل كالأعلى بين الآلهة ( تك 14 : 18 - 20 ) ، وهكذا " ياه عليون " الرب العلي ( مز 7 : 17 ) و " عليون " ( العلي ) فقط يتكرر كثيرا في المزامير وفي إشعياء ( 14 : 14 ) .
إيل شداي فقط ، مصطلح يترجم بناء على تقليد قديم " الله القدير " ولكن اشتقاقه ومعناه غير معروفين تماما .
وهناك أسلوب آخر للدلالة على الله ، وذلك عن طريق علاقته بعابديه ، كإله إبراهيم وإسحق ويعقوب ( تك 24 : 12 ، خر 3 : 6 ) ، وإله سام ( تك 9 : 26 ) ، وإله العبرانيين ( خر 3 : 18 ، فإله إسرائيل 33 : 20 ) .
وقد استخدمت بعض الأسماء للتعبير عن قوة الله وعظمته ، وهي " صخر " ( تث 32 : 18 ، إش 30 : 29 ) " والعزيز " ( تك 49 : 24 ، إش 1 : 24 ، مز 132 : 2 ) و " الملك " و " السيد " ( أو المولى ) و " سيدي " ( خر 23 : 17 ، إش 10 : 16 و 33 ، تك 18 : 27 ، إش 6 : 1 ) وكذلك " بعل " أي " المالك " أو " السيد " حيث أنه يظهر في بعض أسماء الاعلام العبرية مثل يربعل وأشبعل وهذه الأسماء الأخيرة تصف الله كالسيد الذي يقف الإنسان منه في موقف الخادم ولكن بطل استعمالها عندما نشأت الحاجة إلى تمييز عبادة الله عن عبادة آلهة الأمم المجاورة ، وهناك مصطلح له معنى غير معروف تماما هو يهوه صباءوت ( رب الجنود ) أو " إلوهيم صباءوت " ( أو إله الجنود ) وفي المفهوم العبري قد تعنى الكلمة جيشه من الرجال أو الكواكب والملائكة فهما معا أو كل منهما على انفراد " جند السماء " ، وقد كان رب الجنود في الأزمنة المبكرة يعنى " إله الحرب " الذى قاد جيوش إسرائيل ( 1 صم 4 : 4 ، 2 صم 7 : 8 ) ، وفي 1 صم 17 : 45 يقابل هذا اللقب " إله صفوف ( جيوش ) إسرائيل " ، ولذلك فإن كل إسرائيل يطلق عليهم " اجناد الرب " ( خر 12 : 41 ) ، وفي الأنبياء حيث أصبح " رب الجنود " هو الاسم الشائع الاستعمال ، فإنه يشير إلى جميع أشكال قوة الله وعظمته الطبيعية والأدبية ( كما في إش 2 : 12 ، 6 : 3 و 5 ، 10 : 23 و 33 ) ، وهو يظهر جنبا إلى جنب معها اللقب المميز الذي يستخدمه إشعياء " قدوس إسرائيل " ( اش 5 : 16 و 24 ) ومن هنا جاء الاعتقاد بأنه يشير إلى أجناد السماء ، وهو في الواقع يستخدم اسم علم في الأنبياء ، وقد يكون معناه الأصلي قد نسى أو سقط ، ولكن لا يستتبع ذلك أن دلالة خاصة جديدة كانت مرتبطة بالكلمة " جنود " والمعنى العام للمصطلح كله تعبر عنه الترجمة السبعينية " الرب كلي القدرة " .
3 - يهوه : وهذا هو اسم العلم الشخصي لإله إسرائيل كما كان كموش إله موآب وداجون إله الفلسطينيين ، ولا نعرف المعنى الأصلي ولا مصدر اشتقاق الكلمة ، وتظهر النظريات الحديثة المتنوعة انه من ناحية تاريخ اللفظ وأصله فإنه من الممكن وجود جملة اشتقاقات ولكن لأن المعاني المرتبطة بأي منها هي دخيلة على الكلمة ومفروضة عليها ، فهي لا تضيف لمعرفتنا شيئا والعبرانيون أنفسهم ربطوا الكلمة مع كلمة " هياه " أو ( حياة ) أو " يكون " ففي الخروج ( 3 : 14 ) يعلن الرب بأنه " أهيه " وهو صيغة مختصرة لـ " إهيه أشير إهيه " المترجمة " أهية الذي أهيه " أي " أنا هو الذي أنا هو " ويظن أن هذا يعني " الوجود الذاتي " للتعبير عن الله كالمطلق ، ومع هذا فإن مثل هذه الفكرة يمكن أن تكون تجريداً ميتافيزيقيا مستحيلا ليس فقط بالنسبة للعصر الذي ظهر فيه الاسم ولكنه أيضا غريب عن العقل العبراني في أي وقت والترجمة الدقيقة للفعل الناقص " إهيه " هي " أكون الذي أكون " وهو مصطلح سامي معناه " سأكون " كل ما هو لازم حسبما يقتضي الحال وهي فكرة شائعة في العهد القديم ( انظر مز 23 ) .
وقد كان هذا الاسم مستخدما منذ عصور التاريخ المبكرة إلى ما بعد السبي ، وهو موجود في أقدم الأسفار وطبقا لما جاء في الخروج ( 3 : 13 ) وبخاصة في الخروج ( 6 : 2 و 3 ) " كان موسى أول من ذكره وكان وسيلة لإعلان جديد إلى أبناء إسرائيل عن إله آبائهم ، ولكن في بعض الأجزاء من سفر التكوين يبدو أنه كان مستخدما منذ العصور المبكرة ، والنظريات التي تنادي باشتقاقه من مصر أو أشور أو التي تربطه إتمولوجيا ( من ناحية أصل اللفظ وتاريخه ) بزيوس أو غيره ، لا يسندها أي دليل .
رابعاً - مفاهيم ما قبل عصر الأنبياء عن الرب :
1 - الرب وحده إله إسرائيل : يتكون علم اللاهوت العبري أساسا من عقيدتهم في الرب وما تتضمنه من معان ، فالمعلمون وقادة الشعب في كل الأوقات كانوا يعبدون الرب ، ويأمرون أيضا بعبادته وحده " والحقيقة " الجلية التي لا جدال فيها ، هي أنه إلى زمن الملك آخاب ، لم يقم رجل بارز في إسرائيل - بإستثناء سليمان ، وان كان هذا أمر فيه شك ، بعبادة إله غير الرب " يهوه " وفي كل أزمة قومية أو متعلقة بسبط من الأسباط ، وفي كل أوقات الخطر والحرب ، فيهوه - ويهوه وحده - هو الذي يتضرعون إليه من أجل النصر والنجاة ( مونتفيور - محاضرات هبرت - 21 ) .
ومن الضروري أن نميز بين تعاليم القادة الدينيين ، ومعتقدات وممارسات الناس بصفة عامة ، فوجود ديانة نقية سامية ، لم يستعبد كلية الممارسات الخرافية ، فاستخدام الترافيم ( تك 31 : 30 ، 1 صم 19 : 13 و 16 ، هو 3 : 4 ) ، والأفود ( قض 18 : 17 - 20 ) والأوريم ( 1 صم 28 : 6 ) للعبادة والعرافة كان شائعا في إسرائيل ، كما مارسوا تحضير الأرواح في مختلف العصور ( 1 صم 28 : 7 ، تث 18 : 10 و 11 ـ اش 8 : 19 ) ، لكن كل هذه قد شجبها القادة والأنبياء ، وهي لا تدل على أن الديانة اليهودية كانت تؤمن بحيوية المادة أو بتعدد الآلهة ، بل بالحري أن عبادة الرب دافعت عن المبدأ الوحدوي ، وتغلبت على الاتجاهات العدائية الكثيرة ، فعبادة البعل عند الكنعانيين وغيرها من ديانات القبائل المجاورة ، كانت فتنة قوية لجماهير الإسرائليين ( قض 2 : 13 ، 3 : 7 ، 8 : 33 ، 10 : 10 ، 1 صم 8 : 8 ، 12 : 10 ، 1 مل 11 : 5 و 33 ، هو 2 : 5 و 17 ، حز20، خر 20 : 5 ، 22 ؛ 20 ، 34 : 16 و 17 ) ، وفي ظروف الحياة في كنعان كانت عبادة الرب ذاتها في خطر التكيف مع هذه العبادات الوثنية .
عندما استقر الشعب في علاقات سليمة مع جيرانهم ، وبدأوا في التبادل التجاري والدبلوماسي معهم ، كان لابد من أن يقدموا لآلهة جيرانهم نوعا من الاحترام والتوقير فقد تطلبت الصداقة المجاملة الكثير من مثل هذا ( انظر 2 ملوك 5 : 18 ) . وعندما عقد سليمان محالفات أجنبية كثيرة عن طريق المصاهرة ، اضطر إلى إدخال العبادات الوثنية إلى أورشليم ( 1 مل 11 : 5 ) ، ولكن كان آخاب هو أول ملك حاول أن يجعل من عبادة البعل ، ديانة قومية جنبا إلى جنب مع عبادة الرب ( 1 مل 18 : 19 ) ، ولكن وقفة إيليا الشجاعة ، وثورة ياهو الظافرة سددتا ضربة قاضية لعبادة البعل ، فعاد الشعب ليلتصق بالرب وحده ( 1 مل 18 : 21 و 39 ) .
ولكن التبرؤ من اسم البعل لم يكن بالضرورة يعني التخلص تماما من تأثير عبادة البعل ، فقد كافح أنبياء القرن الثامن ضد هذا الشر ، فيتكلم هوشع عن عبادة البعل ( هو 2 : 8 و 12 و 13 ، انظر أيضا عاموس 2 : 8 ، إش 1 : 10 - 15 ) ، بل بلغ الأمر من إنتشار الأوثان حتى قال إرميا النبي : على عدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا ( ارميا 2 : 28 ) .
ومع ذلك فقد قاومت عبادة الرب بنجاح تأثير الديانات الوثنية ، فلم يرتبط اسم الرب - في أي وقت من الأوقات - بأحد الآلهات ، كما كان الأمر في الديانات الوثنية وعلى الرغم من أن الممارسات الشهوانية الفاسدة كانت تشكل جانبا كبيرا من العبادات الوثنية ، إلا أنها لم تستطع أن تقتحم طريقها إلى عبادة الرب .
2 - ظهور طبيعة الله وصفاته في أعماله : إن العهد القديم لا يذكر شيئا عن جوهر الله ، وتركنا نراه من خلال عمله في الطبيعة والتاريخ ومعاملاته مع البشر .
وفي تلك الفترة كانت أعماله تغلب عليها الصبغة المادية الملموسة باعتباره منقذ إسرائيل ومخلصه من مصر ، فهو " الرب رجل الحرب " ( خر 15 : 3 ) كما نقرأ عن " كتاب حروب الرب " ( عدد 21 : 14 ) . وبالانتصار في الحرب اعطى شعبه أرضهم ( قض 5 ، 2 صم 5 : 24 ، تث 33 : 27 ) ، وهو يهتم بالناس والأمم من الناحية الأدبية اكثر مما يهتم بالعالم المادي .
واهتمامه بالطبيعة مرتبط أولا بهذه الناحية ، فالأرض والنجوم والسحب تشترك في معركته ( قض 5 : 4 و 20 و 21 ) ، وقوى الطبيعة تؤدي نفس الشئ فتتمم أوامر مخلص إسرائيل من مصر ( خر 8 - 10 ، 14 : 21 ) . وهو يأمر الشمس والقمر أن يقفا إلى أن يخلصهم من الأموريين ( يش 10 : 12 ) . ويستخدم قوى الطبيعة ليؤدب شعبه لأنهم خانوا عهده ( 2 صم 24 : 15 ، 1 مل 17 : 1 ) . ويعلن عاموس أن ناموس الرب الأدبي ينطبق على الأمم الأخرى ، وانه يحدد مصائرهم ، ويتسق مع هذه الفكرة ، ان كوارث عظيمة مثل الطوفان ( تك 7 ) واهلاك مدن الدائرة ( تك 19 ) تنسب لارادة الرب .
ولكن كان العامل الأخلاقي ، أكثر الصفات المميزة ليهوه ، وهو الذي جعل منه ومن ديانته إلها فريدا بلا مثيل أو نظير . وعندما نقول إن الرب " يهوه " كان إلها مثاليا فإننا نعني أنه قد تصرف بكامل الحرية والاختيار في انسجام تام مع الأهداف التي وضعها لنفسه ، والتي فرضها أيضا قانونا للسلوك على من يعبدونه .
وأهم مظهر جوهري لطبيعته ، هو في شخصيته الحية المشرقة التي تتلألأ - في كل مرحلة من مراحل إعلانه عن نفسه - بلمعان باهر لا يقاوم .
والشخصية السماوية والروحانية الإلهية لا يظهران بكل وضوحهما في العهد القديم ، ومع ذلك فهما في العهد القديم أوضح منهما في أي مكان آخر في تاريخ الديانة ، وأساليب التعبير عنهما ، تستخدم الصفات والخصائص البشرية بمحدوديتها الأدبية والطبيعية ، فغيرة الرب ( خر 20 : 5 ، تث 5 : 9 ، 6 : 15 ) وغضبه وسخطه ( خر 32 : 10 - 12 ، تث 7 : 4 ) ، وقداسته التي لا يستطيع أن يدنو منها أحد ( خر 19 : 21 و 22 ، 1 صم 6 : 19 ، 2 صم 6 : 7 ) تبدو في نظر البعض غير معقولة ولا مقبولة ، ولكنها تأكيد لطبيعته الفريدة ومعرفته بذاته التي تمتاز عن كل من عداه ، بلغة العصر الأدبية ، وإعلان عن طبيعته الأدبية . كما أنه ينتقل من مكان إلى آخر ( قض 5 : 5 ) ، وقد يراه الناس في صورة منظورة ( خر 24 : 10 ، عدد 12 : 8 ) ، كما يتحدث عنه الكتاب كما لو كان له أعضاء كأعضاء البشر ، فله ذراعان وقدمان ويدان وفم وعينان وأذنان ، فبمثل هذه اللغة الحسية والتمثيلية ، استطاع الله الحي أن يجعل نفسه معروفا للناس .
وطبيعة الرب الأدبية معلنة في العهد القديم ، فمع أن أعماله ملموسة جدا ، فهي أيضا عادلة يقوم على تنفيذها القضاة والكهنة والأنبياء وكان هناك " الناموس " " والاحكام " منذ زمن موسى الأول منهما مجموعة من القوانين التي تحدد العلاقات بين الناس وبعضهم البعض ، والثانية للحكم في قضايا الشعب ، وكان كلاهما صادرين عن الله ، وكان الشعب يجئ إلى موسى ليسأل الله عند الاختلاف في أمر ، فكان يقضي " بين الرجل وصاحبه ويعرفهم فرائض الله وشرائعه " ( خر 18 : 15 و 16 ) . ويظهر القضاة في أغلب الأحيان ، كقادة حرب ، ولكن الواضح - كما يدل على ذلك اسمهم - انهم كانوا يقضون بين الشعب ( قض 3 : 10 ، 4 : 4 ، 10 : 2 و 3 ، 1 صم 7 : 16 ) ويتكلم الأنبياء الأوائل عن " ناموس " قد أهمله الكهنة والأنبياء بل رفضوه ( هو 4 : 6 ، 8 : 1 و 12 ، عا 2 : 4 ) . بمعنى هذا أن الله كان يتصرف بموجب مبدأ أدبي راسخ ، قد ألزم شعبه به أيضا . لقد تأرجحت حياة الشعب الأخلاقية واهتزت في اوقات مختلفة ، ولكن كان أمامهم دائما الشريعة التي اعطاها لهم الرب عن يد موسى ، وقد ربط الناموس بين الحياة الأخلاقية والفكرة الدينية ، وفقد علمهم أن جرائم القتل والسرقة والزنى وشهادة الزور ممقوته عند الرب الذي نهى عنها .
وقد جعل هذا التعليم الأخلاقي في العهد القديم ، أن تتحول العلاقة مع الرب من علاقة قومية شاملة ، إلى علاقة شخصية فردية ، وأهم قصور في مبادئ الأخلاق عند العبرانييين ، ، هو أنهم طبقوها في حدود اسرائيل فقط ، ولم يكن لها إلا أثر قليل في علاقة الإسرائليين بالشعوب الأخرى ، وكان هذا القصور مرتبطا بمفهومهم القاصر عن التوحيد ، أي اعتبارهم الرب إلها لإسرائيل فقط ، ونتيجة لهذا المفهوم القومي عن الرب ، لم تكن هناك روابط دينية وأخلاقية تنظم سلوك العبرانيين تجاه الشعوب اللأخرى .
وقد نادى الأنبياء بتوسع وتعميق مطالب الرب الأخلاقية فأزالوا هذه الحدود الأخلاقية واللاهوتية ، ولم يكن هذا أمرا جديدا ولكنه كان كامنا من قبل في طبيعة الرب وفي ناموسه .
خامساً - فكرة الله في عصر الأنبياء :
لقد استدعى رسالة الأنبياء في القرن الثامن من قبل الميلاد وحددها ، أمران هما : انحطاط أخلاق الشعب وديانته في الداخل ، والخطر المتزايد المحيط بإسرائيل ويهوذا من الأشوريين الظافرين. ويعلن الأنبياء بصوت واحد خطايا إسرائيل الأدبية والاجتماعية ويدينونها ( هو 4 : 1 ، عا 4 : 1 ، إش 1 : 21 - 23 ) لقد غطت الديانات الوثنية المجاورة على عبادة الرب ( عا 2 : 8 ، هو 3 : 1 ، إش 30 : 22 ) . لقد ادى الرخاء إلى انتشار الترف والفسق ، والطمأنينة الكاذبة استنادا إلى الروابط الخارجية مع الأمم المجاورة ، وعلى الطقوس الدينية . ويرى الأنبياء - في ضوء تهديدات آشور - اكتمال خطية إسرائيل وخيانته ، وهو ما استجلب غضب الرب عليهم ، وكانت تلك هي أدواته ( إش 10 : 5و 6 ) .
1 - البر : أبرزت هذه الظروف بر الله وهي طبيعة أصيلة ظهرت حتى في أعماله الحربية ( قض 5 : 4 ، 1 صم 12 : 7 ) ، ولكن تحليل النبي لتاريخ إسرائيل ، كشف محتواه في صورة أشمل ، فلم يكن الرب مثل الآلهة الوثنية مقيدا بأهداف ومصائر شعبه ، ولم تكن علاقتهم به رابطة طبيعية ، ولكنها كانت عهد نعمة أنعم بها عليهم مطالبا لهم بالولاء له وإطاعة ناموسه ، ولم تكن الكوارث التي تتهددهم راجعة إلى عجز الرب أمام آلهة أشور ، كما يومئ بذلك المنادون بالمذهب الطبيعي ( إش 31 : 1 ) ولكن إلى قضاء الله الذي به وضع لسلوك شعبه مقياسا للبر الذي فيه هو ، والذي أعلنه في قضائه عليهم ، وفي بادئ الأمر لم يغير الأنبياء فكرة البر ، بقدر ما اكدوا تطبيقها على العلاقة بين الشعب والرب ، ولكنهم في عملهم هذا ، رفضوا أيضا وجهات النظر السطحية ، فهي لا تقوم على الهبات غير المحدودة ولا على التقديمات التي تكلفهم الكثير : " ... ماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع إلهك " ( مى 6 : 8 ) وأن الله سيتعامل كقاض عادل مع كل الأمم بما فيهم إسرائيل ، وإسرائيل كشعب العهد يحمل المسئولية الأكبر ( عا 1 - 3 ) . وهو كقاض بار يتعامل بالعدل مع كل الأمم لابد أن يتعامل مع الأفراد بنفس الطريقة . وقد اثمرت خدمة الأنبياء وعيا قويا بعلاقة الناس الشخصية والفردية مع الله ، ولم يكن الأنبياء أنفسهم أعضاء من طبقة معينة أو مدرسة معينة أو مهنة معينة ، ولكنهم كانوا أناسا مسوقين بدعوة شخصية داخلية من الله - وكثيرا ما كان ذلك على غير رغبة منهم - ليعلنوا رسالة قاسية ( عا 7 : 14 و 15 ، إش 6 ، إرميا 1 : 1 - 9 ، حز 3 : 14 ) وقد شجب إرميا وحزقيال الفكرة الشائعة عن المسئولية الجماعية ( إرميا 31 : 29 و 30 ، حز 18 ) . وهكذا نرى أن الأنبياء في تطبيقهم لفكرة البر على عصرهم ، قد سموا بمفهوم اثنتين من التحديدات التي لازمت فكرتهم عن الله حتى ذلك العصر ، في المفهوم الشائع ، فلم تعد سيادة الرب مقصورة على إسرائيل ، ولا عليهم كأمة فقط ، ولكنه يتعامل بغير محاباة مع كل فرد وكل امة على حد سواء . كما تختفي أيضا تحديدات أخرى ، فغضبه وسخطه اللذان كان يبدوان غير معقولين وغير عادلين ، يصحبان الآن نتيجة لشدة بره وصرامه عدله ، وهو ليس برا أو عدلا قضائيا - يرتبط بالجزاء والعقاب فحسب ، ولكنه بالأحرى يهدف إلى غاية أدبية خيرة ، يحققها بالرأفة والاحسان والرحمة والغفران ، كما يحققها بالعقاب أيضا والفكر العبراني لا يرى أي تعارض بين بر الله وصلاحه ولا بين العدل والرحمة ، وعهد البر شبيه بالعلاقة بين الزوج والزوجة ، أو بين الأب والابن ، علاقة الرأفة والاحسان والمحبة الأدبية ( هو 3 : 1 ، 11 : 4 ، إش 1 : 18 ، 30 : 18 ، مى 7 : 18 ، إش 43 : 4 ، 54 : 8 ، إرميا 31 : 3 - 34 ، 9 : 24 ) . والأحداث المثيرة التي صنعها الرب مع إسرائيل - رغم عدم استحقاقهم - قد اظهرت ملء النعمة التي كانت كامنة دائما في علاقته بشعبه ( تك 33 : 11 ، 2 صم 24 : 14 ) وكانت موجودة في ثنايا الوصايا العشر ( خر 20 : 6 ) ، وقد أعلنها لهم الرب في جلال منقطع النظير ، بالقول : " الرب إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الاحسان والوفاء حافظ الاحسان إلى ألوف غافر الإثم والمعصية والخطية " ( خر 34 : 6 و 7 ) .
2 - قداسة الرب : وقداسة الرب عند الأنبياء لها معنى قريب جدا من بره فهي كفكرة - أكثر ما تكون دينية متميزة وأكثر ما تكون مقصورة على الله - كانت عرضة لتغييرات كبيرة في معناها حسب الحالة الدينية من القوة أو الانحطاط وقد اطلقت على أي شئ ، مما يستخدم في الحياة اليومية إلى ما يستخدم في العبادة ، مثل " الأدوات المنزلية ، الأماكن ، المواسم ، الحيوانات والناس . وكانت أصلا بعيدة عن معناها الأدبي الحالي ، وذلك لأنها كانت تطلق على الفاجرات " المقدسات " لخدمة الفسق في العبادات الكنعانية ( تث 23 : 18 ) ، فإن كانت الفكرة الأصلية في الكلمة هي " الانفصال " أو " الانعزال " أو لم تكن ، فلا شك في أنها اطلقت على الله في العهد القديم للتعبير عن انفصاله عن الناس وسموه عليهم ، ولم تكن لها دائما هذه الصبغة الأدبية ، لأنه لم يكن من المستطاع الاقتراب إلى الرب بسبب عظمة قوته ورهبته ( 1 صم 6 : 20 ـ إش 8 : 13 ) ، ولكنها في الأنبياء وبخاصة في إشعياء ، أصبح لها معنى أدبي واضح ، وسمع اشعياء في رؤياه إعلانا عن الرب بأنه " قدوس قدوس قدوس " فامتلأ بالاحساس بخطيته هو شخصيا ، وبخطية إسرائيل ( اش 6 : 1 - 4 ، عا 2 : 7 ) ، وللكلمة هنا معنى أعمق من الكمال الأدبي ، فالرب هو " العلي المرتفع ساكن الأبد القدوس اسمه " ( إش 57 : 15 ) فهي تعبر عن ألوهية الرب مطلق الكمال في تفرده ووجوده الذاتي ( 1 صم 2 : 2 ، عا 4 : 2 ، هو 11 : 9 ) ، وقد يبدو أن الكلمة تناقض البر ، حيث أنها تعبر عن صفات الله الميتافيزيقية والأدبية التي يتميز بها عن الإنسان وينفصل عنه ، بينما يتضمن البر تلك النشاطات الأدبية والعلاقات التي يمكن للإنسان أن يشارك الله فيها ، أما في الأنبياء ، فإن الله كائن أدبي وكل أعماله بارة ، فالكلمتان ، مع أنهما ليستا مترادفتين إلا أنها مرتبطات ، فقداسة الله تتحقق في البر ، " ويتقدس الإله القدوس بالبر " ( إش 5 : 16 ) ، وعلى ذلك فإن عبارة إشعياء المميزة : " قدوس إسرائيل " تعلن الله المرتفع العظيم السامي في علاقة معرفة وتعامل أدبي مع إسرائيل .
3 - التأويل الأدبي للبر والقداسة جعل من الله إلها عاليا : يعلن عاموس ومن بعده من الأنبياء أن سلطة الرب الأدبية وبالتالي سلطانه المطلق يمتدان إلى كل الأمم المحيطة بإسرائيل ، وما قوة أشور العالمية العظيمة ، إلا عصا غضبه وأداة بره ( عا 1 - 2 ، إش 10 : 5 ، 13 : 5 ، 19 : 1 .. ) وقد أدانوا كل صور الشرك وعبادة الأوثان ، وكان الهدف من وقوع الدينونة على القوتين العظميتين مصر وأشور ، هو رجوعهم إلى عبادة الرب ( إش 19 : 24 و 25 ، انظر أيضا 2 : 2 - 4 ، ميخا 4 : 1 -3 ) . ومن أقاصي الأرض سوف تأتي كل الأمم إلى الرب ويعلنون أن آلهة آبائهم كانت " ... كذبا وأباطيل وما لا منفعة فيه " ( إرميا 16 : 19 ) . وبلا قيد ولا شرط : " الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه " ( تث 4 : 39 ) .
4 - وحدانية الله : وكانت هي الفكرة الرائدة في اصلاح يوشيا ، فقد طهر أورشليم من عبادة البعل ومن سائر العبادات الوثنية التي كانت أقدامها قد رسخت إلى جانب عبادة الرب ( 2 مل 23 : 4 - 8 و 10 - 14 ) ، كما استؤصلت العبادات شبه الوثنية التي أساءت إلى وحدانية الله في كثير من المعابد المحلية ( 2 مل 23 : 8و 9 ) ، وقد 1 - 6 ) . وإرسالية إسرائيل إلى كل العالم تتفق مع توجيه التاريخ إلى الهدف النهائي العظيم في خلاص كل الأمم ( إش 45 : 23 ) الذي هو فلسفة التاريخ المحققة لعقيدة وحدانية الله وسلطانه على كل العالم .
5 - الخالق والسيد : فهو الخالق والسيد على كل الكون الطبيعي ، ودعوة إسرائيل وارساليته هي من الرب " خالق السموات وناشرها ، باسط الأرض ونتائجها ، معطي الشعب عليها نسمة والساكنيين فيها روحا " ( إش 42 : 5 ، انظر أيضا 40 : 12 و 26 ، 44 : 24 ، 45 : 18 ، تك 1 ) وهكذا نرى كل عناصر التوحيد الأساسية ظاهرة ، ليس في عبارات ميتافيزيقية مجردة ، ولكن باعتبارها دوافع عملية للحياة الدينية . فله وحده المشورة والتصرف ( إش 40 : 13 ) ، ولا يخفي عليه شئ ، والمستقبل كالماضي ، كلاهما معروف عنده ( إش 40 : 27 ، 42 : 9 ، 44 : 8 ، 48 : 6 ) . وعلى الرغم من ارتباطه الخاص بالهيكل في أورشليم فهو " العلي المرتفع ساكن الأبد " السماء كرسيه ، ولا يسعه بيت أو مكان ( إش 57 : 15 ، 66 : 1 ) ، ولا تحد مقاصده أي قوة من قوى التاريخ أو الطبيعة ( إش 41 : 17 - 20 ، 42 : 13 ، 43 : 13 ) ، وهو " الأول والآخر " ، " الإله الأبدي " ( إش 40 : 28 ، 41 : 4 ، 48 : 12 ) لا يوجد ما يشبه أو يقارن به ( إش 46 : 5 ) وكما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقه وأفكاره عن طرق وأفكار البشر ( إش 55 : 8 و 9 ) ، ولكن استمرت التعبيرات التي تنسب الصفات البشرية إلى الله ، فله عينان وفم وأذنان ، وأنف ويدان وذراعان ووجه ، وهو رجل الحرب ( إش 42 : 13 ، 63 : 1 ) ، وهو يصيح كامرأة في مخاضها ( إش 42 : 14 ) وكراع يطعم قطيعه ( إش 40 : 11 ) ، وبهذا فقط استطاع النبي أن يعبر عن أولهيته بصورة ملموسة .
6 - حنانه ومحبته : ويعبر عنهما بطرق مختلفة تقودنا رأسا إلى تعليم العهد الجديد عن أبوة الله ، فهو يحمل إسرائيل في حضنه بين ذراعيه كما يحمل الراعي الحملان ( إش 40 : 11 ) ، وبنو اسرائيل المبعثرون في كل مكان هم أبناؤه وبناته يفيدهم ويردهم لبلادهم ( إش 43 : 5 - 7 ) وهو يستر وجهه لحيظة في غضبه ، أما رحمته واحسانه فإلى الأبد ( اش 54 : 8 ) ، ومحبة الرب لإسرائيل أعمق وأصدق من قلب الأم ( إش 49 : 15 ، 66 : 13 ) ، وقد لا نجد في الأنبياء أن " الله روح " ولكننا في الحقيقة نجد في لغة النبي تعبيرات عن روحانية الله وشخصه أوضح وأقوى مما في التجريدات الميتافيزيقية الجامدة .
1 - فكرة الله فيما بعد السبي :
أصبحت عبادة الرب وحده أكثر وضوحا ورسوخا ، وقد ارتبطت تعاليم الأنبياء بخبرات السبي . لقد تعلم الأمناء من المسبيين أن سلطان الرب يمتد إلى كل الأمم ويشمل كل الكون ، فكان ذلك حافزا لهم على التمسك بعقيدة التوحيد وعدم العودة لعبادة الأوثان ، فآلهة كنعان بل وآلهة أشور وبابل قد قهرت ، وخضعت شعوبها للفرس الذين كانوا أقرب - في الديانة الزرادشتية - إلى التوحيد من أي شعب أممي آخر ، لأنهم - بالغرم من أنهم قد وضعوا مبدأين للوجود : إله الخير وإله الشر عبدوا " أهوارا مازدا إله الخير وحده . وعندما استسلمت فارس لليونانيين الأعرق ثقافة ، كان لدى اليونانيين ثقافتهم لينشروها في العالم وقد أسسوا مدارس في أنطاكية والإسكندرية لها اتجاهات توحيدية .
ومنذ أقدم العصور ربط الفكر العبراني بين الألم وعقاب الخطية وبين السعادة وجزاء الفضيلة ، وفي عصر ما بعد السبي أصبح الجمع بين البر والمجازاة ، وبين الخطية والعقاب ، أكثر وضوحا ، وأصبح الفكر الشائع أن كل كارثة أو شر يصيب الناس ، هو عقاب مباشر ومعادل للخطيئة التي ارتكبوها .
وقد ظهرت هذه الاتجاهات في النظرة السطحية الضيقة للكتبة والفريسيين في زمن الرب يسوع . فاستبدلوا معرفة الله الشخصية ، وعبادته عبادة شخصية ، بأفعال ميكانيكية سواء في العبادة أو في السلوك .
وكان الرجاء المسياني اعترافا صريحا بعدم اكتمال الإعلان عن الله .
تابع ... الله2
أولاً - مقدمة عامـة :
1- الفكرة في الخبرة والعقل : تقدم العقيدة الدينية فكرة الله ، أما علم اللاهوت فهو الذي يفسر وينظم محتواها ، بينما تقوم الفلسفة بتثبيت العلاقة بين فكرة الله وخبرة الإنسان . وقد يبدو لنا - من أول وهلة - أن الترتيب المنطقي لتناول هذه الفكرة ، هو أولا التأكد من الحقائق واثباتها ببراهين فلسفية ، وثانيا شرح محتواها في صورة قضايا لاهوتية ، وأخيرا النظر في تطورها وتفاعلها في داخل العقيدة الدينية ذاتها ، وقد كان هذا أكثر الأساليب استخداما في معالجة الموضوع ، ولكن التاريخ الفعلي للفكرة ، كان على عكس ذلك تماما ، فقد كانت لدي الناس فكرة عن الله ، وكان لهذه الفكرة قوة خلافة في صنع التاريخ ، قبل أن يبدأ الإنسان النظر فيها ودراستها وتنظيم سائر الجوانب المتعلقة بها في نظام عقيدي متكامل . وبالإضافة إلى ذلك فقد اعتنق الناس العقيدة قبل أي محاولة ، بل حتي قبل الشعور بالحاجة لتحديد محتوي الإيمان وعلاقته بالواقع الإنساني . وهنا يظهر أن منطق التاريخ نفسه هو الفلسفة الحقيقية ، وإذا أردنا الوصول إلى الحق المختص بهذه الفكرة ، فيجب أن نبدأ بجانب معين من الخبرة ، وأن نحدد محتوي هذا الجانب ، وبعد ذلك ندرس علاقة هذا الجانب بالخبرة كلها ، ثم نحدد مدي واقعيتها .
والديانة ظاهرة عالمية مثل ظاهرة الإنسان نفسه ، ولكل ديانة فكرة معينة عن الله ، وكذلك لكل فكرة فلسفية عن الله ما يقابلها في بعض الديانات الكائنة ، كان هو اساس الفكرة الفلسفية فمذهب وحدة الوجود بانثيزم (PANTHEISM) هو
فلسفة الوعي الديني في الهند ، والاعتقاد بوجود إله ديزيم (Deism ) كان سائداً قروناً عديدة في الصين واليهودية وغيرهما باعتباره موقفا واقعيا للناس من نحو الله ، قبل أن يتحول هذا الإيمان إلى نظرية عقلانية في فلسفة القرن الثامن عشر ، وعلم اللاهوت ليس إلا محاولة لتحديد محتوى الفكرة المسيحية عن الله وعلاقته بالعالم في مصطلحات عامة . وإذا كانت فكرة التعددية ( ضد الوحدانية ) لها مكانها في النظم الفلسفية ، فذلك راجع إلى الوعي الديني عند قطاع كبير من البشر تمسك حتى اليوم بمبدأ تعدد الآلهة .
لكن كل الديانات لا تنبع من تخمينات حول محتويات فكرة الله ، إنما الواقع هو أن كل ديانة - إلى حد ما - هي فلسفة لا شعورية نابعة من تفاعل العقل بكل طاقاته مع الخبرة الإنسانية ، ولهذا فإن كل فكرة عن الله تتضمن تفسيراً ما للعالم ، أما الإدراك الواعي لمحتواها فلا يظهر إلا في عدد محدود من الديانات التي تطورت تطوراً كبيراً فالبراهمية والبوذية واليهودية والإسلام والمسيحية هي التي استطاعت أن تقدم نظماً عظيمة من الفكر في صورة عقلانية واضحة ، أما ديانات اليونان وروما القديمة فقد عجزت عن البقاء في عصر الفكر ، فلم يكن للديانات أي فكر لاهوتي يمكن أن تدعمه الفلسفة السائدة ، وبالأخص الفلسفة اليونانية التي كانت منذ البدء - إلى حد كبير - انكارا للديانة الإغريقية وناسخة لها .
وأسفار الكتاب المقدس تستعرض الخبرة الإيمانية كتطور تلقائي ، فلا تقدم لنا إلا دراسة قليلة نسبياً ، وتأملاً محدوداً في الخبرة الإيمانية نفسها . ولا نجد إلا في سفر اشعياء
( الأصحاحات 40 - 66 ) وفي أسفار الحكمة ، وفي بعض المزامير ، أن العقل البشري يبدو كما لو كان يرجع إلى نفسه ليسأل عن معنى مشاعره وعقائده ، وحتى هنا لا يظهر أي شئ يمكن أن نرى له طبيعة فلسفية عن الإيمان بوجود الله أو عقيدة محددة أو فكر لاهوتي ، وبالتالي لا يمكننا أن نعثر على تعريفات واضحة لبناء فكرة عن الله . ومما يؤكد ذلك أن كتاب العهد القديم لم يحاولوا أن يقدموا برهانا على وجود الله لأنه لم يكن أحد في حاجة إلى هذا البرهان . كان كل اهتمامهم أن يأتوا بالناس إلى علاقة صحيحة مع الله ، وقد قدموا وجهات النظر الصحيحة عن الله في حدود ما كان ضروريا لأهدافهم عمليا . حتى الجاهل الذي قال في قلبه " ليس إله " ( مز 14 : 1 ، 53 : 1 ) ، والأمم الشريرة " الناسين الله "
( مز 9 : 17 ) ليسوا ملحدين نظريا ، ولكنهم أناس أشرار فاسدون يهملون أو يرفضون وجود الله في سلوكهم وحياتهم .
أما العهد الجديد فيحوي فكرا لاهوتيا أشمل وتأملا أعمق في المحتوى العميق لفكرة الله وفي دلالتها الكونية ، ومع ذلك لا نجد نظاما متكاملاً قائما على عقائد ذات صياغة دقيقة ، ولا أي بناء فلسفي للاختبار ككل ، وعلى هذا الأساس يبدو أن مجال إعلان فكرة الكتاب المقدس عن الله ، لن يكون جمع عدد من النصوص الكتابية ، أو كتابة تاريخ علم اللاهوت ، وإنما شرح مركز الحق الإلهي في حياة المجتمعات العبرانية والمسيحية .
2 - تحديد فكرة الله في الكتاب المقدس :
ترتبط فكرة الكتاب المقدس - منطقيا وتاريخيا - مع عدد من الأفكار الأخرى ، وهكذا ظهرت محاولات لإيجاد تعريف له طبيعة عامة ، بحيث يحتوي كل هذه الأفكار بشكل متكامل غير مجزأ حتى يمكن فهمها بصورة صحيحة وقد قبل اللاهوتيون القدامى وجهة النظر المسيحية وجمعوا في تعريفاتهم المحددة خلاصة العقيدة المسيحية والفلسفة المسيحية ، فيقول ميلانكثون : " اله جوهر روحي عاقل ، أزلي أبدي ، حقيقي ، صالح ، طاهر ، عادل ، رحيم ، له كامل الحرية ، ، وله قوة وحكمة مطلقتان غير محدودتين " . ويقول توما الأكويني عن الله - بصورة أكثر إيجازاً - إنه " الشخصية المطلقة " . وهذه التعريفات لا تولي اهتماما لوجود الديانات الأدنى والأفكار البدائية عن الله ، ولا تنقل تماما واقعية الله واقترابه كما هو معلن في المسيح ، وهناك تعريف معاصر يأخذ بالمفهوم المسيحي ، قدمه البروفسور كلارك : " الله هو روح ذو شخصية ، كامل الصلاح ، خلق في محبته المقدسة كل الكائنات من العدم وهو الذي يحفظها وينظم وجودها " ( مختصر اللاهوت المسيحي - 66 ) . وظهور علم الديانات المقارن كشف عن حقيقة هامة هي أنه " بينما تضمن كل الديانات وجود علاقة واعية بكائن يدعى " الله " ، إلا أن ادراك هذا الكائن الإلهي يختلف باختلاف الديانات ، فأحيانا هو واحد ، واحيانا هو كثرة من الآلهة ، مرة هو جزء من الكون المادي ، ومرة أخرى هو كائن روحي ، أحيانا له شبيه أو ظاهر في كل شئ في السماوات من فوق أو على الأرض من تحت ، في الجبال وفي الأشجار ، في الحيوانات وفي البشر ، أو أنه - على النقيض من ذلك - لا يمكن تشبيه مطلقا بأي صورة محددة مهما كانت ، وقد يكون إلها خاصا بأسرة معينة من البشر أو بأمة من الأمم أو بكل الجنس البشري " ( كيرد - في تطور الديانات - المجلد الأول - 62 ) . وقد بذلت محاولات للوصول إلى تعريف جديد يضم في مقولة واحدة كل الأفكار المختلفة عن الله ، التي عرفها البشر على مدى التاريخ والمثال النموذجي لهذه المحاولات هو التعريف الذي وضعه البروفسور أدامز براون : " الإله في المفهوم الديني هو كائن
غير منظور ، كائن حقيقي أو مفترض ، يرتبط به فرد أو جماعة طواعية بروابط من الاحترام والخدمة " ( موجز علم اللاهوت المسيحي - 3 ) . وهناك الكثير من التعريفات المشابهة مثل : " كائن أو كائنات فوق ادراك الحواس " ( لوتز فبرين ) ، " قوة عليا " ( الأن منزيس ) ، " كائنات روحية " ( أ . ب . تيلور ) ، " قوة عادلة متمايزة عنا " ( متى أرنولد ) وهذه التعريفات تعاني من خلل مزدوج : " إنها تقول أكثر مما يجب ، لتحتوى أفكار الديانات البدائية ، وتقول أقل مما نادت به الديانات السامية ، فليس كل الآلهة " لا ترى " أو " فوق متناول الحواس " أو " قوة عادلة " ، فكل هذه الصفات تشترك فيها كائنات أخرى غير الآلهة ولا تعطي المحتوى الجوهري في الأفكار الأسمي عن الله . وقد درس الدكتور كيرد مختلف هذه التعريفات ونظر إليها من خلال مبدأ نمو البذرة وتطورها باعتبار أن الديانات إنما هي بذرة تنمو وتتطور ، ووضع فكر على هذا النحو : " الله هو الوحدة التي يفترضها الإنسان بين النفس واللانفس ، والتي من خلالها تؤثر وتتأثر كل منهما بالأخرى " ( المرجع السابق - المجلد الأول 40 و 46 ) . ولكن هذا المبدأ لا يتحقق كاملا إلا في الديانات العليا فحسب ، ومع هذا فهناك شك في أنه يصلح كمبدأ عادل يفسر الشخصية السامية الفائقة لإله المحبة المعلن في يسوع المسيح . أما في الديانات البدائية فهذا المبدأ يظهر في صورة مجزأة ناقصة ، حتى إنه لا يمكن اكتشافه في هذه الديانات البدائية ، إلا بعد أن أعلن في شكله المطلق في الديانات العليا . وهذا التعريف قد لا يكون كافيا ولا حقيقيا ، إلا أن المنهج الذي أدى إليه ، يؤكد أنه لا يمكن أن توجد إلا فكرة واحدة حقيقية وتعريف واحد صحيح عن الله ، أما سائر الأفكار - المتعلقة بهذه الفكرة الحقيقية الوحيدة - فهي عناصر تابعة لها أو قريبة منها بشكل أو بآخر . أما الفكرة الكتابية عن الله فهي - ليست فكرة منعزلة - كجزيرة في وسط المحيط ، ولكنها مصدر الضوء الذي يشع بنوره على العقائد والديانات الأخرى بدرجات متفاوتة من النقاء .
وليس الهدف من هذه المقالة ، هو البحث في فلسفة الأديان ، وإنما الهدف هو تقديم خلاصة عن فكرة الله في مراحل معينة من تطورها في أطار فكري محدود . وعدم وجود تعريف نهائي كامل لله ، لا يشكل صعوبة حقيقية لأن عطاء كلمة " الله " عطاء كاف وواضح ، فكلمة " الله " تتضمن كل شئ كان أو مازال موضوع العبادة ، وسيظل المعنى مجالا للدراسة والتأمل .
3 - معرفة الله :
هناك مجموعة ثالثة من التعريفات تستلزم اهتماما خاصا لأنها تثير سؤالا جديداً عن معرفتنا بالله والحق الموجود في أي فكرة نعتنقها عن الله ، ونجد مثالا لذلك في تعريف الفيلسوف هربرت سبنسر : " الله هو السبب المجهول للكون ، والذي لا يمكن إدراكه أيضا ، وهو قوة غامضة معلنة لنا من خلال كل الظواهر الكونية " ( المبادئ الأولى للفلسفة - 5 : 31 ) وهذا يعني أنه لا يمكن أن يوجد تعريف محدد لفكرة الله ، لأننا لا نستطيع أن نحصل على معرفته بالمعنى الدقيق لكلمة معرفة ، ولكن يكفينا هنا أن نعلم أننا نملك عدة أفكار عن الله ، نستطيع تحديدها لأنها قالبة للتحديد ، وهذه الأفكار تصبح اكثر اكتمالا وتعقيداً كلما ارتقت في سلم الفكر الديني . ويمكن جمع هذه الأفكار من الأدب الشعبي ( الفولكلور ) وتراث الأجناس البشرية غير المتحضرة ، ومن الكتب المقدسة وعقائد الإيمان للديانات العليا ، ولكن الفكرة الرئيسية عند الفيلسوف سبنسر هي أنه طالما أن هذه الأفكار قابلة للتحديد والتعريف فهي غير صحيحة لأن الله غير معلوم وكلما حددناها كلما صار الموضوع خياليا وزائفا بدرجة اكبر . وبينما لا يوجد ما هو أكثر يقينية من ان الله موجود ، إلا أن كيانه غامض إلى أقصى حد أمام الفكر البشري .
وتنوع الأفكار يبدو مدعما لهذا الرأي . ولكن علينا أن نلاحظ أن اختلاف الأفكار هو أمر ظاهر جدا بالنسبة لأي موضوع في مجال المعرفة البشرية كما يشهد بذلك التقدم العلمي ، وبالتالي فاختلاف الأفكار لا يثبت شيئا وليس دليلا على شئ .
أما تجريد الفكر وعزله تماما عن الواقع ، فأمر لا يمكن أن يقوم ، وحتى سبنسر نفسه لم ينجح في ذلك ، فهو يقول الكثير عن الله " غير المعروف " مما يعني ضمنا معرفة واسعة عنه . وقد بدأت المشكلة بالبراهين التقليدية عن وجود الله ، فهي التي ضللت اللاأدريين ، ولكن وجود الله لا معنى له أن لم يكن له وجود في فكر الإنسان ، وإذا كان الله هو العلة الأولى التي تقبع كامنة في سر الوجود المستغلق الذي لا يمكن اختراقه ، وإذا كانت العة الأولى نفسها وراء كل الظواهر الكونية ، فلا يمكن أن تكون العلة الأولى مجرد وهم . وهكذا نرى أن فكرة سبنسر عن الله " غير المحدود " " والمطلق " متناقضة ولا يمكن قبولها فكريا . " فاللامحدود " الذي يخرج عن دائرة كل ما هو معروف ، لا يمكن أن يكون غير محدود ، والمطلق لا علاقة له بالكائنات ، لا يمكن تخيله . وإذا كان ثمة حق في فكرة " المطلق " ، فلابد أن تكون حقيقة في الخبرة الإنسانية والفكر الإنساني . واللامحدود الحقيقي يجب أن يحتوي كل كمال واقعي. وفي الحقيقة إن كل فكرة عن الله وجدت في الديانات ، إنما تدحض اللاأدرية ، لأن كل فكرة إنما تساعدنا على فهم الخبرة وتصحيحها ، ويبقى امامنا هذا السؤال الوحيد عن مدى صدق هذه الأفكار وكفايتها .
4 - الأفكار الوثنية عن الله :
وما نقدمه هنا من أفكار موجزة عن الله في الديانات المختلفة ، سوف يساعدنا على وضع الفكرة الكتابية عن الله في اطارها الصحيح بما حولها من أفكار :
أ - مذهب حيوية المادة ( أنيميزم ) ( Animism ) القائل بأن كل شئ مادي فيه روح حية تحركه . وقد ظهرت هذه الأفكار في الديانات البدائية ، ولعلها أول الأفكار التي اعتنقها الإنسان ، بل لعلها هي بداية كل الديانات ، فهي تقوم على الاعتقاد بوجود كائنات روحية كونية ، في كل الكائنات المادية تؤثر وتسيطر على كل أحداث العالم المادي وحياة الإنسان هنا على الأرض وفي العالم الآخر بعد الموت . واعتقد البدائيون أن هذه الكائنات الروحية تتصل بالبشر ، وأنها تسر أو تستاء من تصرفات البشر ، والإيمان بوجود هذه الكائنات يؤدي حتما - إن عاجلا أو آجلا - إلى احترام هذه الكائنات وعبادتها ومحاولة ارضائها " ( تيلور - الحضارت البدائية المجلد الأول - 426 - 427 ) ، وبناء على هذا الرأي ، العالم مملوء بأرواح لا أجساد لها ، شبيهة بنفس الإنسان ، وأي روح من هذه الأرواح أو كلها ، يمكن أن تعتبر آلهة .
ب - الفتشية ( Fetichism ) : وحسب هذه الأفكار تعتبر كل ثمار الأرض وكل الأشياء بعامة ، كائنات إلهية أو تحيا بأرواح قوية ( فريزر في كتابه : الآلهة أدونيس ، أتيس اوزوريس - ص 234 ) . كما تستخدم هذه الكلمة احيانا للتعبير عن الاعتقاد بأن الأرواح " تسكن في بعض الكائنات بشكل عبر أو بشكل دائم … وهكذا تصبح هذه الأشياء أو الكائنات آلهة تعبد باعتبارها مسكنا لهذه الأرواح ( تيل في كتابه : مختصر تاريخ الديانات - ص 29 ) .
ج - عبادة الأوثان : وهو تعبير دلالة أكثر تحديدا ، وهو يعني أن موضوع العبادة قد تم اختياره ، باعتباره مسكنا دائما أو رمزاً للألوهية ، وبصفة عامة ، يقوم الإنسان بصناعة هذه الرموز ببراعة واتقان لتكون أقدر على تمثيل الإله على نحو يفي بالغرض . ولا يعني هذا أن الإنسان يعبد مجرد " قطع من الأخشاب أو الأحجار " ، ولكنه يوجه عبادته إلى هذه الأشياء ، سواء كانت أشياء رمزية أو تماثيل للآلهة ، على انها مساكن أو صور لتلك الآلهة . ومن الطبيعي أن تظهر فكرة أن الأرواح التي تسكن هذه الأشياء لها شكل أو صورة الأشياء التي تسكنها . وقد عبر الرسول بولس عن الفكرة الوثنية بدقة بقوله : " لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة وإختراع إنسان " ( أع 17 : 29 ) .
د - تعدد الآلهة ( polytheism ) : وهو الاعتقاد بآلهة كثيرين وعبادتهم جميعا ، وهو اتجاه لا يختلف جوهريا عن مذهب حيوية المادة والفتشية وعبادة الأوثان . ولربما نشأ تعدد الآلهة مستقلا عن كل هذه الاتجاهات . وعبارة " تعدد الآلهة " تستخدم - على الأغلب - للدلالة على عبادة عدد معين من الآلهة المعروفين المحددين سواء كانت هذه الآلهة أروحا لا أجساد لها ، أو أرواحا تسكن في الأجرام والموجودات الطبيعية العظمى كالكواكب والجبال ، أو في تماثيل هي " نقش صناعة واختراع إنسان " وفي بلاد اليونان القديمة أو الهند الحديثة ، هناك آلهة معروفة لها أسماء يمكن حصرها ، ولكن من المفهوم جيدا أنه رغم أنه يمكن التعبير عنها بالتماثيل والصور ، إلا أنها تعيش منعزلة في عالم روحي فوق سائر العالم .
هـ - الاعتقاد بوجود إله أعلى وآلهة أخرى دونه ( Henotheism ) :
وهو اتجاه عند بعض الأفراد أو الجماعات ، حيث يعتقدون بوجود آلهة كثيرين ، إلا أن أحد هؤلاء الآلهة هو الإله الأعلى الذي يسمو فوق الآخرين ، وبالتالي توجه العبادة له وحده ، وقد مهد هذا الطريق للتوحيد عند بعض الشعوب عندما تطورت حضارتها ووصلت إلى مستوى معين من الثقافة . ويوجد تفاوت في مدى ظهور هذا الاتجاه . فسواء درسنا بابل أو مصر أو الهند أو اليونان ، فإننا نجد أثار هذا الاتجاه واضحة ومميزة في الميل نحو تركيز الظهورات المتنوعة للقوى الإلهية في مصدر واحد ( جاسترو - دراسة الأديان - 76 ) ، وهذا المنهج الفكري يطلق عليه اسم " الهينوسيزم " أو " مونولاترى " ( Monolatry ) أي عبادة إله واحد مع الاعتقاد بوجود آلهة كثيرين ، ويصاحب هذا الاتجاه فلسفة ميتافيزيقية واتجاهات اخلاقية ، ودوافع شخصية ، إما بواسطة الاتجاه العقلي نحو التوحيد أو نتيجة الارتباط الشخصي بمبدأ سياسي أو أخلاقي .
و - وحدة الوجود أو ألوهية الكون ( Pantheism ) :
وحيث يسود المبدأ السابق ( الهينوسيزم ) ، فإن مذهب تعدد الآلهة يسفر عن الاعتقاد بوحدة الوجود ، وخير مثال لذلك هو الهند حيث يعتبر " براهما " ليس الإله الأعظم والأسمى من كل الآلهة فحسب ، بل ايضا الكائن الفريد وكل الآلهة الأخرى ليست إلا ظهورات وأشكالا له ، ولكن ما حدث في الهند هو أن الآلهة التي قهرها براهما ، قد انتقمت منه ، فأصبح براهما فكرة مجرد نائية حتى أن العبادة تقدم أساسا للآلهة الأخرى التي هي ظهورات مختلفة له - كما سبق القول - وهكذا نجد أن أفضل وصف للهندوسية الحديثة، هو أنها ليست عبادة إله واحد مع الإيمان بوجود آلهة أخرى ، بل بالحري الإيمان بإله واحد مع عبادة آلهة كثيرين .
ز - الاعتقاد بوجود إله ( Deism ) : يمكن أن تتحول النزعة إلى التوحيد إلى الاتجاه العكسي ، إلى مجرد الاعتقاد بوجود إله ، ومع ذلك تؤدي إلى ظروف دينية مشابهة ، فالكائن الأسمى الذي هو الحقيقة المطلقة والقوة المهيمنة على الكون ، يصبح موضوع إيمان غامض وفكرة مجردة بعيداً عن العالم ، ومتعاليا إلى درجة استحالة الاقتراب منه ، ويصبح من اللازم أن يملأ الفراغ الناشئ بينه وبين العالم ، كائنات متعددة أدنى منه وخاضعة له وأقرب إلى الإنسان يسهل عليه الاقتراب منها وعبادتها . وقد حدث هذا في اليونان القديمة حيث كانت " الضرورة " هي ذلك الإله، أما في الصين فقد كان الإله " تيان أو السماء " هو الإله الأعظم ، ولكن كان هناك آلهة أدنى تقدم لها العبادة ، فالملائكة في الزرادشتية وفي اليهودية .. وغيرهما ، والقديسون في الطقوس الكاثوليكية ، تعبير عن هذا الاتجاه ، ووحدة الوجود والاعتقاد بوجود إله ، رغم انه كان لهما رواج ملحوظ كنظريات فلسفية ، إلا أنهما لم يستطيعا البقاء بشكل راسخ كديانات لأنهما تحولا إلى نوع من تعدد الآلهة وعبادة الأوثان ، مما يدل على أنهما صورتان زائفتان للاتجاه إلى التوحيد .
ح - التوحيد عند الساميين : والاتجاه التوحيد عند الساميين ربما كانت له أسباب فرعية كثيرة مثل العزلة القبلية ، أو العظمة القومية ، ويعتقد أن قبائل سامية كثيرة كانت قبائل موحدة لأحد هذين السببين أو لكليهما ، ولكن سرعان ما قضى الاتصال بين القبائل في الحروب أو التجارة أو المصاهرة على ذلك مما أدي إلى اندماج هذه الآلهة القبلية في الإيمان بإله اقليمي واحد مع عبادة آلهة آخرين .
ط - التوحيد الأخلاقي والشخصي : يمكن اضافة عنصر واحد آخر إلى الاتجاه التوحيدي ، ليصبح توحيدا ثابتا مستقرا ، وهذا العنصر هو ادراك أن لله علاقات أدبية مع الإنسان ، وعندما ينظر الإنسان إلى السلوك على أنه سلوك أخلاقي ، يدرك أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى مثال أو مرجع أخلاقي واحد ، وعندما يدرك أن الله هو هذا المثال والمرجع ، لابد أن يؤدي ذلك إلى معرفة الله باعتباره الأسمى والفريد ، ومع هذا قد يظل الاعتقاد في وجود كائنات أخرى تسمى آلهة ، بعض الوقت ، ولكنها سرعان ما تفقد صفات الألوهية حالما يرى الإنسان أنها أقل من الإله الواحد ، أو أنها تختلف بل وتتعارض مع هذا الإله الذي يهيمن على ضمير الإنسان ، فلا تبطل عبادتها فحسب ، بل يصل الأمر إلى اعتبار أن تقديم العبادة لها دنس وشر ، وهكذا يمنع الجانب الأخلاقي - في المفهوم التوحيدي لله - الجنوح الى الاعتقاد بوحدة الوجود أو تأليه الكون ، مما ينحدر به إلى مذهب تعدد الآلهة ، لأن الفكرة الأخلاقية عن الله تتضمن بالضرورة شخصيته وسموه الفائق المتميز عن العالم والمتعالي فوق العالم ، وكذلك علاقته الوثيقة والدائمة بالإنسان ، وإذا كان الله هو المهيمن على ضمير الإنسان ، فهو لا يمكن أن يختلط بالطبيعة الميتة أو الكائنات الخيالية النابعة من فكر الإنسان ، كما لا يمكن ابعاده إلى ما وراء السماوات وجمهور الملائكة ، وهكذا يظهر للمرة الأولى مفهوم أدبي سام عن الله ، في العهد القديم ، فهذا هو الفكر السائد في كل أسفاره .
ثانيا :- فكرة الله في العهد القديم :
1 - مسار تطور الفكرة : إن أي محاولة لكتابة التاريخ الكامل لفكرة الله في العهد القديم ، لابد أن تستدعي دراسة تمهيدية للجوانب اللغوية والمميزات التاريخية للأسفار ، وهو ما لا يتسع له هذا البحث وهدف الكاتب منه . والعهد القديم لا يقدم لنا تعليما نظاميا عن عقيدة الله ، كما لا يقدم لنا سلسلة متتابعة من العبارات التي لا تحتاج إلا إلى تجميعها في محتوى متكامل متناسق ، إن العهد القديم سجل لحياة غنية متنوعة تمتد عبر أكثر من ألف عام ، والأفكار التي سيطرت على هذه الحياة وألهمتها ، يمكن الاستدلال عليها من الأفعال والقوانين التي تحققت في ظلها ، والتي لم تكن أفكارا جامدة وثابتة عند مستوى واحد . أن الإعلان الإلهي في العهد القديم كان إعلانا متطورا باضطراد ، وأن الفكرة عن الله التي يقدمها لنا هي فكرة متطورة ، ومن اليسير التعرف على بعض مراحل التطور دون الدخول إلى مجال الدراسات النقدية المطولة ولا جدال في أن عصر الخروج - الذي يدور حول شخصية موسى - شهد مرحلة جديدة وهامة في تطور العقيدة العبرانية . ونعرف من أقدم الأسفار أن الله أعلن نفسه لإسرائيل لأول مرة بالاسم الشخصي " يهوه أدوناى " أي " الرب السيد " وهكذا أصبح " يهوه " هو المخلص الذي خلصهم من أرض مصر ، وإله الحرب الذي أعطاهم الوعد الأكيد باخضاع أرض كنعان ، وهكذا أصبح ملكهم الذي بيده كل مصائرهم في أرض ميراثهم الجديدة ، ولكن استقرار الشعب في أرض كنعان واستقرار عبادة يهو قد واجها تحديا من الآلهة المحلية والشعوب التي تعبدها .
وفي القرن التاسع قبل الميلاد ، نرى كيف وصلت الحرب ضد الرب إلى المحلة ذاتها ، فحاولت عبادة البعل أن توطد أقدامها داخل إسرائيل ، مما استلزم أن يقاوم الأنبياء ذلك معلنين أن الرب وحده هو الذي يجب أن يعبد ، وقد دعم الأنبياء العظام في القرن الثامن قبل الميلاد هذه الحقيقة على أساس السمو الأدبي الذي يتميز به يهوه ، وهكذا يكشف هؤلاء الأنبياء عن أعماق جديدة لطبيعته الأدبية ويعلنون وحدانيته وسموه ، ويرسون ذلك على قواعد سامية راسخة . وفي اثناء السبي وبعده تتسع نظرة الإسرائليين بسبب اتصالهم بالعالم الواسع ، مما يؤدي بالمفاهيم الضمنية المنطقية للتوحيد الأخلاقي إلى علم لاهوت أكثر شمولا وأبعد تجريداً ، وهكذا نرى ثلاث فترات يمكن تحديدها بكل وضوح ، تقابلها ثلاث مراحل في تطور الفكر عن الله ، في العهد القديم ، مرحلة ما قبل الأنبياء التي سادت فيها المفاهيم الموسوية ، ومرحلة الأنبياء التي توطد في أثنائها التوحيد الأدبي ، ثم مرحلة ما بعد السبي التي تميزت بالتوحيد المطلق .
ولكن عندما نتناول هذه التقسيمات الواسعة والواضحة من الضروري أن نضع في اعتبارنا حكمة الفيلسوف : " إن الأمور لا يفصل فيها بفأس " إن الأفكار المميزة لكل مرحلة يمكن دراستها في اطار مرحلتها ، ولكن لا ينبغي أن نفترض أن هذه الأفكار لم يكن لها وجود في المرحلتين الأخريين ، وعلى الأخص لا يجب أن نفترض أن الأفكار والحياة التي تمثلها لم يكن لها وجود قبل أن يرصدها التاريخ بوضوح ، فالشريعة الموسوية كان لها جذورها - دون شك - في حياة بني اسرائيل من قبل ، ولكن أي محاولة لتقصي ذلك ، لابد أن تؤدي إلى مستنقع ضخم من التخمينات والافتراضات والأركيولوجية والنقدية والفلسفية ، ولذلك فأي نتائج نصل إليها ، هي اسهامات في علم مقارنة الأديان ، أكثر منها في علم اللاهوت .
2 - أشكال ظهور الله : لابد أن كان للخبرة الدينية جانب روحي باطني وذاتي ، ولكن تطويع اللغة الموضوعية للحياة العادية لاستخدامات التجربة الذاتية عملية عسيرة وشاقة " فالناس ينظرون للخارج قبل أن ينظروا للداخل " ومن هنا فإننا نجد أن الناس يعبرون عن وعيهم ومعرفتهم بالله في العهود المبكرة ، بلغة مستعارة من العالم المرئي والموضوعي ، ولا يستتبع ذلك أنهم فكروا في الله بشكل حسي ، لأنهم يتكلمون عنه بلغة الحواس التي كانت متاحة لهم ، وفي الجانب الآخر فإن الفكر غير مستقل أبدا عن اللغة ، وطريقة تفكير الناس الذين يستخدمون لغة حسية للتعبير عن حقائق روحية ، تختلف باختلاف الأشخاص .
أ - وجه الله : تعبير طبيعي عن محضره ، والمكان الذي يرى فيه الله يدعى " فنيئيل " ، أي " وجه الله" ( تك 32 : 30 ) ووجه الرب هو بركة شعبه ( عد 6 : 25 ) وبوجهه ( حضرته ) أخرج إسرائيل من مصر ، ووجهه ( حضرته ) يسير معهم إلى كنعان ( خر 33 : 14 ) ، والطرد من أمام الله معناه الاختفاء من وجهه ( تك 4 : 14 ) أو أن يحجب الله وجهه ( تث 31 : 17 و 18 ، 32 : 20 ) وعلى نقيض هذه الفكرة نقرأ في موضع آخر أن الإنسان لا يستطيع أن يرى وجه الرب ويعيش (خر 33 : 20 ، وانظر تث 5 : 24 ، وقض 6 : 22 ، 13 : 22 ) وفي هذه النصوص الأخيرة تدل كلمة " وجه " على الوجود الكامل لله متميزا عما يمكن أن يعرفه الإنسان عنه ، وهذه العبارة والعبارات المشابهة لها تنطوي أيضا على مخافة الله التي تجعل الإنسان يتضاءل أمام عظمة الله حتى في حالة الاقتراب إليه والتي هي جزء من كل عبادة .
ب - صوت وكلمة الله : وهما تعبيران بهما ندرك شركته مع الإنسان منذ أقدم الأيام وحتى الوقت الحاضر ، والفكرة تتراوح بين الصوت المنخفض الحقيقي الذي لا يكاد يسمع ( 1 مل 19 : 12 ) واعلان الناموس الكامل للسلوك ( تث 5: 22- 24) إلى رسالة النبي ( اش 2 : 1 ، إر 1 : 2 ) ، وتجسيد مشورة الله الكاملة وعمله (مز 105 : 19 ، 147 : 18 و 19 ، هو 6 : 5 ، اش 40 : 8 ) .
ج - مجد الله : وهو ظاهرة طبيعية متميزة وكذلك ظهور الله في أعماله وعنايته وفي بعض الفصول في سفر الخروج ، نجد المجد يتجلى في نور باهر " كنار آكله " ( خر 24 : 17 ) يملأ خيمة الاجتماع ويقدسها ( خر 29 : 43 ، 40 : 34 و 35 ) ، كما ينعكس كأشعة من نور على وجه موسى ( خر 34 : 29 ) ، وفي سفر حزقيال تتكرر عبارة ، " مجد الله " بالاشارة إلى رؤيا النبي ، " لمعان " كمنظر القوس في السحاب ( حز 1 : 28 ، 10 : 4 ، 43 : 2 ) ، وفي موضع آخر يعبر عنه بكل جود الله الظاهر مصحوبا بالمناداة باسمه ( خر 33 : 17 - 23 ) وفي سفر إشعياء توجد آيتان يبدو أنهما تطويان تحت هذه العبارة فكرة الظهور الطبيعي مع حضوره الفعال في العالم ( اش 3 : 8 ، 6 : 3 ) ، ووجود الله في الخليقة وفي التاريخ يعبر عنه في المزامير " بمجده " ( مز 19 : 1 ، 57 : 5 و 11 ، 63 : 2 ، 97 : 6 ) ويعتقد كثيرون من العلماء أن الفكرة موجودة في إشعياء في أقدم صورها وأن المعني الطبيعي جاء متأخرا ، ومع هذا فإنه يبدو مغايراً لكل قياس منطقي ولو أن ظاهرتين مثل قوس قزح والبرق يبدوان أمام العقل البدائي إعلانا عن ظهور الله .
د - ملاك الله : أو ملاك الرب صورة تتكرر كثيرا لإعلان الله عن نفسه في شكل بشري ولأغراض خاصة وهو مفهوم بدائي ، وغير ثابت في أي موضع العلاقة الدقيقة لهذا المفهوم بالله أو مشابهته للإنسان ، ففي نصوص كثيرة يبدو أن الله وملاك الله هما نفس الكائن ، فيستخدم التعبيران كمترادفين ( كما في تك 16 : 7 - 12 ، 22 : 15 و 16 وخر 3 : 2 و 4 ، قض 2 : 4 و 5 ) وفي نصوص أخرى تلوح الفكرة مختلفة بدرجات متباينة ( تك 18 ، 24 : 40 ، خر 23 : 21 ، 33 : 2 و 3 ، قض 13 : 8 و 9 ) ، ولكنه في كل مكان يمثل الله بصورة كاملة متحدثا أو عاملا في ذلك الوقت ويجب التمييز بين ذلك وبين الكائنات التابعة والوسيطة التي تناولتها دراسة الملائكة المتأخرة ، وارتباطه بـ " المسيا " و " الكلمة " ( لوجوس ) إنما هو صحيح بمعنى أن هاتين العبارتين المتأخرتين أكثر دقة في التعبير عن فكرة الإعلان التي كان يشير إليها " الملاك " في الفكر البدائي .
هـ - رو ح الله : وروح الله في الزمن المبكر شكل من أشكال فعاليته في تحريك محارب أو نبي للقيام بمهمته في الحرب أو الكلام ( قض 6 : 34 ، 13 : 25 ، 1 صم 10 : 10 ) ، وفي عصر الأنبياء أصبح واسطة توصيل أفكار الله للناس .
و - اسم الله : وهو أكثر التعبيرات شمولا ، وأكثرها استخداما في العهد القديم للدلالة على إظهاره لذاته ، وللدلالة على شخصه ليكون معروفا للناس ، والاسم هو شئ مرئي أو مسموع لتقديم الله للناس ، وعلى ذلك يمكن القول إنه يقوم بأعماله ويحل محله في علاقته بالناس ، والله يعلن نفسه عن طريق إعلان اسمه ( خر 6 : 3 ، 33 : 19 ، 34 : 5 و 6 ) وخدامه يستمدون سلطانهم من اسمه ( خر 3 : 13 و 15 ، 1 صم 17 : 45 ) ، وعبادة الله معناها أن تدعو باسمه ( تك 12 : 8 ، 13 : 4 ، 21 : 33 ، 26 : 25 ، 1 مل 18 : 24 - 26 ) وأن تخشاه أو تهابه ( تث 28 : 58 ) وتحمده ( 2 صم 22 : 50 ، مز 7 : 17 ، 54 : 6 ) وتمجده ( مز 86 : 9 ) ومن الشر أن تحلف باسم الله باطلا ( خر 20 : 7 ) أو أن تدنسه وتجدف عليه ( لا 8 : 21 ، 24 : 16 ) ، ومكان سكنى الله هو المكان الذي يختاره الله ليحل فيه اسمه ( 2 صم 7 : 13 ، 1 مل 3 : 2 ، 5 : 3 و 5 ، 8 : 16 - 19 ، 18 : 32 ، تث 12 : 11 و 21 ) ، واسم الله يحامي عن شعبه ( مز 20 : 1 ، إش 30 : 27 ) ، ومن أجل اسمه لا يهملهم ( 1 صم 12 : 22 ) ، أما اذا فنوا ، فإن اسمه يختفي ( يش 7 : 9 ) ، والله معروف بأسماء مختلفة تعبر عن أشكال متنوعة من إعلانه عن ذاته ( تك 16 : 13 ، 17 : 1 ، خر 3 : 6 ، 34 : 6 ) بل إن الأسم يعطي الملاك هيبته ( خر 23 : 20 - 23 ) ولذلك فإن أسماء الله كلها لها أهميتها في الإعلان عن ذاته .
ز - صور عارضة : وبالإضافة إلى هذه الصور الثانية بدرجات مختلفة، - فإن الله أيضا يظهر في صور عارضة استثنائية ومتنوعة ، ففي سفر العدد ( 12 : 6 - 8 ) نقرأ أن موسى - دون الآخرين - كان يعاين شبه الرب ، والنار والدخان والسحاب صور أو رموز تتكرر كثيرا للدلالة على محضر الله ( كما في تك 15 : 17 ، خر 3 : 2 - 4 ، 19 : 18 ، 24 : 17 ) وبصورة خاصة " عمود السحاب نهارا وعمود النار ليلا " ( خر 13 : 21 و 22 ) عندما أكمل موسى عمل خيمة الشهادة ، " غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن " ( خر 40 : 34 ) ، وفيها تراءى الله فوق غطاء التابوت ( لا 16 : 2 ) والأحداث الخارقة للعادة أو المعجزات - في الفترة المبكرة - كانت علامات على قوة الله ( خر 7 ، 1 مل 17 ، وما بعده ) ومسائل موضوعية أي من هذه الأشكال أو كلها وعلاقتها بالجوهر الإلهي الكامل تثير قضايا واسعة ، ففكر العهد القديم تقدم كثيرا جدا عن الفكر البدائي الذي كان يربط ما بين الله والظاهرة الطبيعية ، ولكننا لا ينبغي أن نقرأ في لغته الرمزية المميزات الميتافيزيقية لعلم لاهوت اغريقي مسيحي .
ثالثا - أسماء الله :
كانت كل أسماء الله أصلا تدل على صفاته ، ولكن اشتقاقات الكثير منها - ومن ثم معانيها الأصلية - قد فقدت، فكان لابد من البحث عن معان جديدة لها :
1 - الاسماء العامة : من أقدم أسماء الله المعروفة للجنس البشري واكثرها انتشارا اسم " إيل " مع مشتقاته " إيليم " " إلوهيم " ، " إلوي " ، وهو مصطلح عام مثل " ثيوس وديوس " في اليونانية ويطلق على كل من يشغل مرتبة الألوهية ، بل قد يدل على مزكز من التوقير والسلطة بين الناس ، وقد كان موسى إلها " إلوهيم " لفرعون " ( خر 7 : 1 ) ، ولهرون ( خر 4 : 16 - قارن قض 5 : 8 ، 1 صم 2 : 25 ، خر 21 : 5 و 6 ، 22 : 7 وما بعده ، مز 58 : 11 ، 82 : 1 ) وعلى هذا مصطلح عام يعبر عن العظمة والنفوذ ، واستخدم كاسم علم لإله إسرائيل في الفترة المتأخرة من فترات التوحيد عندما اعتبر اسم العلم القديم " ياه " أو " يهوه " اقدس من أن يتردد على الشفاه ، والغموض الكامل يلف معنى الأصل " إيل " ، وحقيقة العلاقة بينه وبين " إلوهيم " و " إلوي " وأكثر الأشكال المستخدمة عند كتاب العهد القديم هو الاسم الجمع " إلوهيم " ولكنهم يستخدمونه بصورة منتظمة مع الأفعال والصفات المفردة للدلالة على " مفرد " وقد قدمت تفسيرات عديدة لاستخدام صيغة الجمع للدلالة على مفرد ، مثل أنها تعبر عن الكمال والتعدد في الطبيعة الإلهية ، أو أنها جمع جلالة أو عظمة كما يخاطب الملوك ، أو أنها إشارة مبكرة للثالوث ، ونجد تعبيرات أخرى من هذا النوع ( تك 1 : 26 ، 3 : 22 ، 1 مل 22 : 19 و 20 ، إش 6 : 8 ) ، وقد تكون هذه النظريات أبرع من أن تخطر على بال العقلية العبرية في ذلك الزمن المبكر ، وهناك من يظن أنها أثار لغوية باقية من مرحلة سابقة من مراحل الفكر هي مرحلة تعدد الآلهة ، وفي العهد القديم تشير فقط إلى الفكرة العامة عن الألوهية .
2 - الأسماء الوصفية : لتمييز " إله إسرائيل " باعتباره أسمى عن كل الآخرين المدعويين آلهة ، كثيرا ما تضاف ألقاب وصفية . " فايل عليون " يشير إلى إله إسرائيل كالأعلى بين الآلهة ( تك 14 : 18 - 20 ) ، وهكذا " ياه عليون " الرب العلي ( مز 7 : 17 ) و " عليون " ( العلي ) فقط يتكرر كثيرا في المزامير وفي إشعياء ( 14 : 14 ) .
إيل شداي فقط ، مصطلح يترجم بناء على تقليد قديم " الله القدير " ولكن اشتقاقه ومعناه غير معروفين تماما .
وهناك أسلوب آخر للدلالة على الله ، وذلك عن طريق علاقته بعابديه ، كإله إبراهيم وإسحق ويعقوب ( تك 24 : 12 ، خر 3 : 6 ) ، وإله سام ( تك 9 : 26 ) ، وإله العبرانيين ( خر 3 : 18 ، فإله إسرائيل 33 : 20 ) .
وقد استخدمت بعض الأسماء للتعبير عن قوة الله وعظمته ، وهي " صخر " ( تث 32 : 18 ، إش 30 : 29 ) " والعزيز " ( تك 49 : 24 ، إش 1 : 24 ، مز 132 : 2 ) و " الملك " و " السيد " ( أو المولى ) و " سيدي " ( خر 23 : 17 ، إش 10 : 16 و 33 ، تك 18 : 27 ، إش 6 : 1 ) وكذلك " بعل " أي " المالك " أو " السيد " حيث أنه يظهر في بعض أسماء الاعلام العبرية مثل يربعل وأشبعل وهذه الأسماء الأخيرة تصف الله كالسيد الذي يقف الإنسان منه في موقف الخادم ولكن بطل استعمالها عندما نشأت الحاجة إلى تمييز عبادة الله عن عبادة آلهة الأمم المجاورة ، وهناك مصطلح له معنى غير معروف تماما هو يهوه صباءوت ( رب الجنود ) أو " إلوهيم صباءوت " ( أو إله الجنود ) وفي المفهوم العبري قد تعنى الكلمة جيشه من الرجال أو الكواكب والملائكة فهما معا أو كل منهما على انفراد " جند السماء " ، وقد كان رب الجنود في الأزمنة المبكرة يعنى " إله الحرب " الذى قاد جيوش إسرائيل ( 1 صم 4 : 4 ، 2 صم 7 : 8 ) ، وفي 1 صم 17 : 45 يقابل هذا اللقب " إله صفوف ( جيوش ) إسرائيل " ، ولذلك فإن كل إسرائيل يطلق عليهم " اجناد الرب " ( خر 12 : 41 ) ، وفي الأنبياء حيث أصبح " رب الجنود " هو الاسم الشائع الاستعمال ، فإنه يشير إلى جميع أشكال قوة الله وعظمته الطبيعية والأدبية ( كما في إش 2 : 12 ، 6 : 3 و 5 ، 10 : 23 و 33 ) ، وهو يظهر جنبا إلى جنب معها اللقب المميز الذي يستخدمه إشعياء " قدوس إسرائيل " ( اش 5 : 16 و 24 ) ومن هنا جاء الاعتقاد بأنه يشير إلى أجناد السماء ، وهو في الواقع يستخدم اسم علم في الأنبياء ، وقد يكون معناه الأصلي قد نسى أو سقط ، ولكن لا يستتبع ذلك أن دلالة خاصة جديدة كانت مرتبطة بالكلمة " جنود " والمعنى العام للمصطلح كله تعبر عنه الترجمة السبعينية " الرب كلي القدرة " .
3 - يهوه : وهذا هو اسم العلم الشخصي لإله إسرائيل كما كان كموش إله موآب وداجون إله الفلسطينيين ، ولا نعرف المعنى الأصلي ولا مصدر اشتقاق الكلمة ، وتظهر النظريات الحديثة المتنوعة انه من ناحية تاريخ اللفظ وأصله فإنه من الممكن وجود جملة اشتقاقات ولكن لأن المعاني المرتبطة بأي منها هي دخيلة على الكلمة ومفروضة عليها ، فهي لا تضيف لمعرفتنا شيئا والعبرانيون أنفسهم ربطوا الكلمة مع كلمة " هياه " أو ( حياة ) أو " يكون " ففي الخروج ( 3 : 14 ) يعلن الرب بأنه " أهيه " وهو صيغة مختصرة لـ " إهيه أشير إهيه " المترجمة " أهية الذي أهيه " أي " أنا هو الذي أنا هو " ويظن أن هذا يعني " الوجود الذاتي " للتعبير عن الله كالمطلق ، ومع هذا فإن مثل هذه الفكرة يمكن أن تكون تجريداً ميتافيزيقيا مستحيلا ليس فقط بالنسبة للعصر الذي ظهر فيه الاسم ولكنه أيضا غريب عن العقل العبراني في أي وقت والترجمة الدقيقة للفعل الناقص " إهيه " هي " أكون الذي أكون " وهو مصطلح سامي معناه " سأكون " كل ما هو لازم حسبما يقتضي الحال وهي فكرة شائعة في العهد القديم ( انظر مز 23 ) .
وقد كان هذا الاسم مستخدما منذ عصور التاريخ المبكرة إلى ما بعد السبي ، وهو موجود في أقدم الأسفار وطبقا لما جاء في الخروج ( 3 : 13 ) وبخاصة في الخروج ( 6 : 2 و 3 ) " كان موسى أول من ذكره وكان وسيلة لإعلان جديد إلى أبناء إسرائيل عن إله آبائهم ، ولكن في بعض الأجزاء من سفر التكوين يبدو أنه كان مستخدما منذ العصور المبكرة ، والنظريات التي تنادي باشتقاقه من مصر أو أشور أو التي تربطه إتمولوجيا ( من ناحية أصل اللفظ وتاريخه ) بزيوس أو غيره ، لا يسندها أي دليل .
رابعاً - مفاهيم ما قبل عصر الأنبياء عن الرب :
1 - الرب وحده إله إسرائيل : يتكون علم اللاهوت العبري أساسا من عقيدتهم في الرب وما تتضمنه من معان ، فالمعلمون وقادة الشعب في كل الأوقات كانوا يعبدون الرب ، ويأمرون أيضا بعبادته وحده " والحقيقة " الجلية التي لا جدال فيها ، هي أنه إلى زمن الملك آخاب ، لم يقم رجل بارز في إسرائيل - بإستثناء سليمان ، وان كان هذا أمر فيه شك ، بعبادة إله غير الرب " يهوه " وفي كل أزمة قومية أو متعلقة بسبط من الأسباط ، وفي كل أوقات الخطر والحرب ، فيهوه - ويهوه وحده - هو الذي يتضرعون إليه من أجل النصر والنجاة ( مونتفيور - محاضرات هبرت - 21 ) .
ومن الضروري أن نميز بين تعاليم القادة الدينيين ، ومعتقدات وممارسات الناس بصفة عامة ، فوجود ديانة نقية سامية ، لم يستعبد كلية الممارسات الخرافية ، فاستخدام الترافيم ( تك 31 : 30 ، 1 صم 19 : 13 و 16 ، هو 3 : 4 ) ، والأفود ( قض 18 : 17 - 20 ) والأوريم ( 1 صم 28 : 6 ) للعبادة والعرافة كان شائعا في إسرائيل ، كما مارسوا تحضير الأرواح في مختلف العصور ( 1 صم 28 : 7 ، تث 18 : 10 و 11 ـ اش 8 : 19 ) ، لكن كل هذه قد شجبها القادة والأنبياء ، وهي لا تدل على أن الديانة اليهودية كانت تؤمن بحيوية المادة أو بتعدد الآلهة ، بل بالحري أن عبادة الرب دافعت عن المبدأ الوحدوي ، وتغلبت على الاتجاهات العدائية الكثيرة ، فعبادة البعل عند الكنعانيين وغيرها من ديانات القبائل المجاورة ، كانت فتنة قوية لجماهير الإسرائليين ( قض 2 : 13 ، 3 : 7 ، 8 : 33 ، 10 : 10 ، 1 صم 8 : 8 ، 12 : 10 ، 1 مل 11 : 5 و 33 ، هو 2 : 5 و 17 ، حز20، خر 20 : 5 ، 22 ؛ 20 ، 34 : 16 و 17 ) ، وفي ظروف الحياة في كنعان كانت عبادة الرب ذاتها في خطر التكيف مع هذه العبادات الوثنية .
عندما استقر الشعب في علاقات سليمة مع جيرانهم ، وبدأوا في التبادل التجاري والدبلوماسي معهم ، كان لابد من أن يقدموا لآلهة جيرانهم نوعا من الاحترام والتوقير فقد تطلبت الصداقة المجاملة الكثير من مثل هذا ( انظر 2 ملوك 5 : 18 ) . وعندما عقد سليمان محالفات أجنبية كثيرة عن طريق المصاهرة ، اضطر إلى إدخال العبادات الوثنية إلى أورشليم ( 1 مل 11 : 5 ) ، ولكن كان آخاب هو أول ملك حاول أن يجعل من عبادة البعل ، ديانة قومية جنبا إلى جنب مع عبادة الرب ( 1 مل 18 : 19 ) ، ولكن وقفة إيليا الشجاعة ، وثورة ياهو الظافرة سددتا ضربة قاضية لعبادة البعل ، فعاد الشعب ليلتصق بالرب وحده ( 1 مل 18 : 21 و 39 ) .
ولكن التبرؤ من اسم البعل لم يكن بالضرورة يعني التخلص تماما من تأثير عبادة البعل ، فقد كافح أنبياء القرن الثامن ضد هذا الشر ، فيتكلم هوشع عن عبادة البعل ( هو 2 : 8 و 12 و 13 ، انظر أيضا عاموس 2 : 8 ، إش 1 : 10 - 15 ) ، بل بلغ الأمر من إنتشار الأوثان حتى قال إرميا النبي : على عدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا ( ارميا 2 : 28 ) .
ومع ذلك فقد قاومت عبادة الرب بنجاح تأثير الديانات الوثنية ، فلم يرتبط اسم الرب - في أي وقت من الأوقات - بأحد الآلهات ، كما كان الأمر في الديانات الوثنية وعلى الرغم من أن الممارسات الشهوانية الفاسدة كانت تشكل جانبا كبيرا من العبادات الوثنية ، إلا أنها لم تستطع أن تقتحم طريقها إلى عبادة الرب .
2 - ظهور طبيعة الله وصفاته في أعماله : إن العهد القديم لا يذكر شيئا عن جوهر الله ، وتركنا نراه من خلال عمله في الطبيعة والتاريخ ومعاملاته مع البشر .
وفي تلك الفترة كانت أعماله تغلب عليها الصبغة المادية الملموسة باعتباره منقذ إسرائيل ومخلصه من مصر ، فهو " الرب رجل الحرب " ( خر 15 : 3 ) كما نقرأ عن " كتاب حروب الرب " ( عدد 21 : 14 ) . وبالانتصار في الحرب اعطى شعبه أرضهم ( قض 5 ، 2 صم 5 : 24 ، تث 33 : 27 ) ، وهو يهتم بالناس والأمم من الناحية الأدبية اكثر مما يهتم بالعالم المادي .
واهتمامه بالطبيعة مرتبط أولا بهذه الناحية ، فالأرض والنجوم والسحب تشترك في معركته ( قض 5 : 4 و 20 و 21 ) ، وقوى الطبيعة تؤدي نفس الشئ فتتمم أوامر مخلص إسرائيل من مصر ( خر 8 - 10 ، 14 : 21 ) . وهو يأمر الشمس والقمر أن يقفا إلى أن يخلصهم من الأموريين ( يش 10 : 12 ) . ويستخدم قوى الطبيعة ليؤدب شعبه لأنهم خانوا عهده ( 2 صم 24 : 15 ، 1 مل 17 : 1 ) . ويعلن عاموس أن ناموس الرب الأدبي ينطبق على الأمم الأخرى ، وانه يحدد مصائرهم ، ويتسق مع هذه الفكرة ، ان كوارث عظيمة مثل الطوفان ( تك 7 ) واهلاك مدن الدائرة ( تك 19 ) تنسب لارادة الرب .
ولكن كان العامل الأخلاقي ، أكثر الصفات المميزة ليهوه ، وهو الذي جعل منه ومن ديانته إلها فريدا بلا مثيل أو نظير . وعندما نقول إن الرب " يهوه " كان إلها مثاليا فإننا نعني أنه قد تصرف بكامل الحرية والاختيار في انسجام تام مع الأهداف التي وضعها لنفسه ، والتي فرضها أيضا قانونا للسلوك على من يعبدونه .
وأهم مظهر جوهري لطبيعته ، هو في شخصيته الحية المشرقة التي تتلألأ - في كل مرحلة من مراحل إعلانه عن نفسه - بلمعان باهر لا يقاوم .
والشخصية السماوية والروحانية الإلهية لا يظهران بكل وضوحهما في العهد القديم ، ومع ذلك فهما في العهد القديم أوضح منهما في أي مكان آخر في تاريخ الديانة ، وأساليب التعبير عنهما ، تستخدم الصفات والخصائص البشرية بمحدوديتها الأدبية والطبيعية ، فغيرة الرب ( خر 20 : 5 ، تث 5 : 9 ، 6 : 15 ) وغضبه وسخطه ( خر 32 : 10 - 12 ، تث 7 : 4 ) ، وقداسته التي لا يستطيع أن يدنو منها أحد ( خر 19 : 21 و 22 ، 1 صم 6 : 19 ، 2 صم 6 : 7 ) تبدو في نظر البعض غير معقولة ولا مقبولة ، ولكنها تأكيد لطبيعته الفريدة ومعرفته بذاته التي تمتاز عن كل من عداه ، بلغة العصر الأدبية ، وإعلان عن طبيعته الأدبية . كما أنه ينتقل من مكان إلى آخر ( قض 5 : 5 ) ، وقد يراه الناس في صورة منظورة ( خر 24 : 10 ، عدد 12 : 8 ) ، كما يتحدث عنه الكتاب كما لو كان له أعضاء كأعضاء البشر ، فله ذراعان وقدمان ويدان وفم وعينان وأذنان ، فبمثل هذه اللغة الحسية والتمثيلية ، استطاع الله الحي أن يجعل نفسه معروفا للناس .
وطبيعة الرب الأدبية معلنة في العهد القديم ، فمع أن أعماله ملموسة جدا ، فهي أيضا عادلة يقوم على تنفيذها القضاة والكهنة والأنبياء وكان هناك " الناموس " " والاحكام " منذ زمن موسى الأول منهما مجموعة من القوانين التي تحدد العلاقات بين الناس وبعضهم البعض ، والثانية للحكم في قضايا الشعب ، وكان كلاهما صادرين عن الله ، وكان الشعب يجئ إلى موسى ليسأل الله عند الاختلاف في أمر ، فكان يقضي " بين الرجل وصاحبه ويعرفهم فرائض الله وشرائعه " ( خر 18 : 15 و 16 ) . ويظهر القضاة في أغلب الأحيان ، كقادة حرب ، ولكن الواضح - كما يدل على ذلك اسمهم - انهم كانوا يقضون بين الشعب ( قض 3 : 10 ، 4 : 4 ، 10 : 2 و 3 ، 1 صم 7 : 16 ) ويتكلم الأنبياء الأوائل عن " ناموس " قد أهمله الكهنة والأنبياء بل رفضوه ( هو 4 : 6 ، 8 : 1 و 12 ، عا 2 : 4 ) . بمعنى هذا أن الله كان يتصرف بموجب مبدأ أدبي راسخ ، قد ألزم شعبه به أيضا . لقد تأرجحت حياة الشعب الأخلاقية واهتزت في اوقات مختلفة ، ولكن كان أمامهم دائما الشريعة التي اعطاها لهم الرب عن يد موسى ، وقد ربط الناموس بين الحياة الأخلاقية والفكرة الدينية ، وفقد علمهم أن جرائم القتل والسرقة والزنى وشهادة الزور ممقوته عند الرب الذي نهى عنها .
وقد جعل هذا التعليم الأخلاقي في العهد القديم ، أن تتحول العلاقة مع الرب من علاقة قومية شاملة ، إلى علاقة شخصية فردية ، وأهم قصور في مبادئ الأخلاق عند العبرانييين ، ، هو أنهم طبقوها في حدود اسرائيل فقط ، ولم يكن لها إلا أثر قليل في علاقة الإسرائليين بالشعوب الأخرى ، وكان هذا القصور مرتبطا بمفهومهم القاصر عن التوحيد ، أي اعتبارهم الرب إلها لإسرائيل فقط ، ونتيجة لهذا المفهوم القومي عن الرب ، لم تكن هناك روابط دينية وأخلاقية تنظم سلوك العبرانيين تجاه الشعوب اللأخرى .
وقد نادى الأنبياء بتوسع وتعميق مطالب الرب الأخلاقية فأزالوا هذه الحدود الأخلاقية واللاهوتية ، ولم يكن هذا أمرا جديدا ولكنه كان كامنا من قبل في طبيعة الرب وفي ناموسه .
خامساً - فكرة الله في عصر الأنبياء :
لقد استدعى رسالة الأنبياء في القرن الثامن من قبل الميلاد وحددها ، أمران هما : انحطاط أخلاق الشعب وديانته في الداخل ، والخطر المتزايد المحيط بإسرائيل ويهوذا من الأشوريين الظافرين. ويعلن الأنبياء بصوت واحد خطايا إسرائيل الأدبية والاجتماعية ويدينونها ( هو 4 : 1 ، عا 4 : 1 ، إش 1 : 21 - 23 ) لقد غطت الديانات الوثنية المجاورة على عبادة الرب ( عا 2 : 8 ، هو 3 : 1 ، إش 30 : 22 ) . لقد ادى الرخاء إلى انتشار الترف والفسق ، والطمأنينة الكاذبة استنادا إلى الروابط الخارجية مع الأمم المجاورة ، وعلى الطقوس الدينية . ويرى الأنبياء - في ضوء تهديدات آشور - اكتمال خطية إسرائيل وخيانته ، وهو ما استجلب غضب الرب عليهم ، وكانت تلك هي أدواته ( إش 10 : 5و 6 ) .
1 - البر : أبرزت هذه الظروف بر الله وهي طبيعة أصيلة ظهرت حتى في أعماله الحربية ( قض 5 : 4 ، 1 صم 12 : 7 ) ، ولكن تحليل النبي لتاريخ إسرائيل ، كشف محتواه في صورة أشمل ، فلم يكن الرب مثل الآلهة الوثنية مقيدا بأهداف ومصائر شعبه ، ولم تكن علاقتهم به رابطة طبيعية ، ولكنها كانت عهد نعمة أنعم بها عليهم مطالبا لهم بالولاء له وإطاعة ناموسه ، ولم تكن الكوارث التي تتهددهم راجعة إلى عجز الرب أمام آلهة أشور ، كما يومئ بذلك المنادون بالمذهب الطبيعي ( إش 31 : 1 ) ولكن إلى قضاء الله الذي به وضع لسلوك شعبه مقياسا للبر الذي فيه هو ، والذي أعلنه في قضائه عليهم ، وفي بادئ الأمر لم يغير الأنبياء فكرة البر ، بقدر ما اكدوا تطبيقها على العلاقة بين الشعب والرب ، ولكنهم في عملهم هذا ، رفضوا أيضا وجهات النظر السطحية ، فهي لا تقوم على الهبات غير المحدودة ولا على التقديمات التي تكلفهم الكثير : " ... ماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع إلهك " ( مى 6 : 8 ) وأن الله سيتعامل كقاض عادل مع كل الأمم بما فيهم إسرائيل ، وإسرائيل كشعب العهد يحمل المسئولية الأكبر ( عا 1 - 3 ) . وهو كقاض بار يتعامل بالعدل مع كل الأمم لابد أن يتعامل مع الأفراد بنفس الطريقة . وقد اثمرت خدمة الأنبياء وعيا قويا بعلاقة الناس الشخصية والفردية مع الله ، ولم يكن الأنبياء أنفسهم أعضاء من طبقة معينة أو مدرسة معينة أو مهنة معينة ، ولكنهم كانوا أناسا مسوقين بدعوة شخصية داخلية من الله - وكثيرا ما كان ذلك على غير رغبة منهم - ليعلنوا رسالة قاسية ( عا 7 : 14 و 15 ، إش 6 ، إرميا 1 : 1 - 9 ، حز 3 : 14 ) وقد شجب إرميا وحزقيال الفكرة الشائعة عن المسئولية الجماعية ( إرميا 31 : 29 و 30 ، حز 18 ) . وهكذا نرى أن الأنبياء في تطبيقهم لفكرة البر على عصرهم ، قد سموا بمفهوم اثنتين من التحديدات التي لازمت فكرتهم عن الله حتى ذلك العصر ، في المفهوم الشائع ، فلم تعد سيادة الرب مقصورة على إسرائيل ، ولا عليهم كأمة فقط ، ولكنه يتعامل بغير محاباة مع كل فرد وكل امة على حد سواء . كما تختفي أيضا تحديدات أخرى ، فغضبه وسخطه اللذان كان يبدوان غير معقولين وغير عادلين ، يصحبان الآن نتيجة لشدة بره وصرامه عدله ، وهو ليس برا أو عدلا قضائيا - يرتبط بالجزاء والعقاب فحسب ، ولكنه بالأحرى يهدف إلى غاية أدبية خيرة ، يحققها بالرأفة والاحسان والرحمة والغفران ، كما يحققها بالعقاب أيضا والفكر العبراني لا يرى أي تعارض بين بر الله وصلاحه ولا بين العدل والرحمة ، وعهد البر شبيه بالعلاقة بين الزوج والزوجة ، أو بين الأب والابن ، علاقة الرأفة والاحسان والمحبة الأدبية ( هو 3 : 1 ، 11 : 4 ، إش 1 : 18 ، 30 : 18 ، مى 7 : 18 ، إش 43 : 4 ، 54 : 8 ، إرميا 31 : 3 - 34 ، 9 : 24 ) . والأحداث المثيرة التي صنعها الرب مع إسرائيل - رغم عدم استحقاقهم - قد اظهرت ملء النعمة التي كانت كامنة دائما في علاقته بشعبه ( تك 33 : 11 ، 2 صم 24 : 14 ) وكانت موجودة في ثنايا الوصايا العشر ( خر 20 : 6 ) ، وقد أعلنها لهم الرب في جلال منقطع النظير ، بالقول : " الرب إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الاحسان والوفاء حافظ الاحسان إلى ألوف غافر الإثم والمعصية والخطية " ( خر 34 : 6 و 7 ) .
2 - قداسة الرب : وقداسة الرب عند الأنبياء لها معنى قريب جدا من بره فهي كفكرة - أكثر ما تكون دينية متميزة وأكثر ما تكون مقصورة على الله - كانت عرضة لتغييرات كبيرة في معناها حسب الحالة الدينية من القوة أو الانحطاط وقد اطلقت على أي شئ ، مما يستخدم في الحياة اليومية إلى ما يستخدم في العبادة ، مثل " الأدوات المنزلية ، الأماكن ، المواسم ، الحيوانات والناس . وكانت أصلا بعيدة عن معناها الأدبي الحالي ، وذلك لأنها كانت تطلق على الفاجرات " المقدسات " لخدمة الفسق في العبادات الكنعانية ( تث 23 : 18 ) ، فإن كانت الفكرة الأصلية في الكلمة هي " الانفصال " أو " الانعزال " أو لم تكن ، فلا شك في أنها اطلقت على الله في العهد القديم للتعبير عن انفصاله عن الناس وسموه عليهم ، ولم تكن لها دائما هذه الصبغة الأدبية ، لأنه لم يكن من المستطاع الاقتراب إلى الرب بسبب عظمة قوته ورهبته ( 1 صم 6 : 20 ـ إش 8 : 13 ) ، ولكنها في الأنبياء وبخاصة في إشعياء ، أصبح لها معنى أدبي واضح ، وسمع اشعياء في رؤياه إعلانا عن الرب بأنه " قدوس قدوس قدوس " فامتلأ بالاحساس بخطيته هو شخصيا ، وبخطية إسرائيل ( اش 6 : 1 - 4 ، عا 2 : 7 ) ، وللكلمة هنا معنى أعمق من الكمال الأدبي ، فالرب هو " العلي المرتفع ساكن الأبد القدوس اسمه " ( إش 57 : 15 ) فهي تعبر عن ألوهية الرب مطلق الكمال في تفرده ووجوده الذاتي ( 1 صم 2 : 2 ، عا 4 : 2 ، هو 11 : 9 ) ، وقد يبدو أن الكلمة تناقض البر ، حيث أنها تعبر عن صفات الله الميتافيزيقية والأدبية التي يتميز بها عن الإنسان وينفصل عنه ، بينما يتضمن البر تلك النشاطات الأدبية والعلاقات التي يمكن للإنسان أن يشارك الله فيها ، أما في الأنبياء ، فإن الله كائن أدبي وكل أعماله بارة ، فالكلمتان ، مع أنهما ليستا مترادفتين إلا أنها مرتبطات ، فقداسة الله تتحقق في البر ، " ويتقدس الإله القدوس بالبر " ( إش 5 : 16 ) ، وعلى ذلك فإن عبارة إشعياء المميزة : " قدوس إسرائيل " تعلن الله المرتفع العظيم السامي في علاقة معرفة وتعامل أدبي مع إسرائيل .
3 - التأويل الأدبي للبر والقداسة جعل من الله إلها عاليا : يعلن عاموس ومن بعده من الأنبياء أن سلطة الرب الأدبية وبالتالي سلطانه المطلق يمتدان إلى كل الأمم المحيطة بإسرائيل ، وما قوة أشور العالمية العظيمة ، إلا عصا غضبه وأداة بره ( عا 1 - 2 ، إش 10 : 5 ، 13 : 5 ، 19 : 1 .. ) وقد أدانوا كل صور الشرك وعبادة الأوثان ، وكان الهدف من وقوع الدينونة على القوتين العظميتين مصر وأشور ، هو رجوعهم إلى عبادة الرب ( إش 19 : 24 و 25 ، انظر أيضا 2 : 2 - 4 ، ميخا 4 : 1 -3 ) . ومن أقاصي الأرض سوف تأتي كل الأمم إلى الرب ويعلنون أن آلهة آبائهم كانت " ... كذبا وأباطيل وما لا منفعة فيه " ( إرميا 16 : 19 ) . وبلا قيد ولا شرط : " الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه " ( تث 4 : 39 ) .
4 - وحدانية الله : وكانت هي الفكرة الرائدة في اصلاح يوشيا ، فقد طهر أورشليم من عبادة البعل ومن سائر العبادات الوثنية التي كانت أقدامها قد رسخت إلى جانب عبادة الرب ( 2 مل 23 : 4 - 8 و 10 - 14 ) ، كما استؤصلت العبادات شبه الوثنية التي أساءت إلى وحدانية الله في كثير من المعابد المحلية ( 2 مل 23 : 8و 9 ) ، وقد 1 - 6 ) . وإرسالية إسرائيل إلى كل العالم تتفق مع توجيه التاريخ إلى الهدف النهائي العظيم في خلاص كل الأمم ( إش 45 : 23 ) الذي هو فلسفة التاريخ المحققة لعقيدة وحدانية الله وسلطانه على كل العالم .
5 - الخالق والسيد : فهو الخالق والسيد على كل الكون الطبيعي ، ودعوة إسرائيل وارساليته هي من الرب " خالق السموات وناشرها ، باسط الأرض ونتائجها ، معطي الشعب عليها نسمة والساكنيين فيها روحا " ( إش 42 : 5 ، انظر أيضا 40 : 12 و 26 ، 44 : 24 ، 45 : 18 ، تك 1 ) وهكذا نرى كل عناصر التوحيد الأساسية ظاهرة ، ليس في عبارات ميتافيزيقية مجردة ، ولكن باعتبارها دوافع عملية للحياة الدينية . فله وحده المشورة والتصرف ( إش 40 : 13 ) ، ولا يخفي عليه شئ ، والمستقبل كالماضي ، كلاهما معروف عنده ( إش 40 : 27 ، 42 : 9 ، 44 : 8 ، 48 : 6 ) . وعلى الرغم من ارتباطه الخاص بالهيكل في أورشليم فهو " العلي المرتفع ساكن الأبد " السماء كرسيه ، ولا يسعه بيت أو مكان ( إش 57 : 15 ، 66 : 1 ) ، ولا تحد مقاصده أي قوة من قوى التاريخ أو الطبيعة ( إش 41 : 17 - 20 ، 42 : 13 ، 43 : 13 ) ، وهو " الأول والآخر " ، " الإله الأبدي " ( إش 40 : 28 ، 41 : 4 ، 48 : 12 ) لا يوجد ما يشبه أو يقارن به ( إش 46 : 5 ) وكما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقه وأفكاره عن طرق وأفكار البشر ( إش 55 : 8 و 9 ) ، ولكن استمرت التعبيرات التي تنسب الصفات البشرية إلى الله ، فله عينان وفم وأذنان ، وأنف ويدان وذراعان ووجه ، وهو رجل الحرب ( إش 42 : 13 ، 63 : 1 ) ، وهو يصيح كامرأة في مخاضها ( إش 42 : 14 ) وكراع يطعم قطيعه ( إش 40 : 11 ) ، وبهذا فقط استطاع النبي أن يعبر عن أولهيته بصورة ملموسة .
6 - حنانه ومحبته : ويعبر عنهما بطرق مختلفة تقودنا رأسا إلى تعليم العهد الجديد عن أبوة الله ، فهو يحمل إسرائيل في حضنه بين ذراعيه كما يحمل الراعي الحملان ( إش 40 : 11 ) ، وبنو اسرائيل المبعثرون في كل مكان هم أبناؤه وبناته يفيدهم ويردهم لبلادهم ( إش 43 : 5 - 7 ) وهو يستر وجهه لحيظة في غضبه ، أما رحمته واحسانه فإلى الأبد ( اش 54 : 8 ) ، ومحبة الرب لإسرائيل أعمق وأصدق من قلب الأم ( إش 49 : 15 ، 66 : 13 ) ، وقد لا نجد في الأنبياء أن " الله روح " ولكننا في الحقيقة نجد في لغة النبي تعبيرات عن روحانية الله وشخصه أوضح وأقوى مما في التجريدات الميتافيزيقية الجامدة .
1 - فكرة الله فيما بعد السبي :
أصبحت عبادة الرب وحده أكثر وضوحا ورسوخا ، وقد ارتبطت تعاليم الأنبياء بخبرات السبي . لقد تعلم الأمناء من المسبيين أن سلطان الرب يمتد إلى كل الأمم ويشمل كل الكون ، فكان ذلك حافزا لهم على التمسك بعقيدة التوحيد وعدم العودة لعبادة الأوثان ، فآلهة كنعان بل وآلهة أشور وبابل قد قهرت ، وخضعت شعوبها للفرس الذين كانوا أقرب - في الديانة الزرادشتية - إلى التوحيد من أي شعب أممي آخر ، لأنهم - بالغرم من أنهم قد وضعوا مبدأين للوجود : إله الخير وإله الشر عبدوا " أهوارا مازدا إله الخير وحده . وعندما استسلمت فارس لليونانيين الأعرق ثقافة ، كان لدى اليونانيين ثقافتهم لينشروها في العالم وقد أسسوا مدارس في أنطاكية والإسكندرية لها اتجاهات توحيدية .
ومنذ أقدم العصور ربط الفكر العبراني بين الألم وعقاب الخطية وبين السعادة وجزاء الفضيلة ، وفي عصر ما بعد السبي أصبح الجمع بين البر والمجازاة ، وبين الخطية والعقاب ، أكثر وضوحا ، وأصبح الفكر الشائع أن كل كارثة أو شر يصيب الناس ، هو عقاب مباشر ومعادل للخطيئة التي ارتكبوها .
وقد ظهرت هذه الاتجاهات في النظرة السطحية الضيقة للكتبة والفريسيين في زمن الرب يسوع . فاستبدلوا معرفة الله الشخصية ، وعبادته عبادة شخصية ، بأفعال ميكانيكية سواء في العبادة أو في السلوك .
وكان الرجاء المسياني اعترافا صريحا بعدم اكتمال الإعلان عن الله .
تابع ... الله2
اقتراحات موسوعية أخرى
تحنة
تحنة
اسم عبري معناه تضرع ، وهو رجل من سبط يهوذا، ويقال عنه أبا مدينة ناحاش أي انه هو الذي أسسها ( 1...
وحدة الكتاب المقدس والهدف منه
الكتاب المقدس-وحدته والهدف منه
( أ ) وحدته:
ليس الكتاب المقدس مجرد مجموعة من الأسفار الدينية، أو...
فلقة
فِلقَة
الفلقة: نصف الشيء المفلوق. ويقول عريس النشيد لعروسه: شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو. كفلقة...
يشيح
يشيح
اسم عبري معناه يسبِّح وهو اسم شخص من سبط يهوذا ، ولعله كان ابن مرد من زوجته بثية بنت فرعون . و...
يم
يَمّ
اليم هو البحر ، وهي أيضاً كلمة يم فى العبرية . وقال يشوع الكاهن العظيم ، واللاويون معه ، في ص...
شمحوث
شــمحوث
اسم عبري معناه دمار ، وهو أحد رؤساء حرس داود الملك ، ويلقب باليزراحي ، وكان في فرقته أربعة...