كلمة منفعة
يظن البعض أن الحياة مع الرب هي مجرد إيمان، وحب وروح، ولا تهم الفضائل والسلوك..
— السلوك المسيحي
اورشليم
اورشليم، الجيولوجية
حجم الخط
أورشليم والجيولوجية والمناخ والينابيع
(1) جيولوجيتها : إن جيولوجية موقع أورشليم والمناطق المحيطة بها بسيطة نسبياً عندما تدرس بالارتباط بأرض فلسطين ككل ، والمظهر البارز هو أن الصخور كلها مكونة من أشكال مختلفة من الحجر الجيري مع طبقات تحتوى على الصوان ، ولا توجد صخور أولية ولا أحجار رملية ( مثل التى تظهر على السطح فى شرقي الأردن ) ، كما لا توجد صخور بركانية ، والتكوينات تبدو فى طبقات منتظمة تنحدر نحو الجنوب الشرقي بزاوية قدرها عشر درجات تقريباً .
ومازالت توجد طبقات ذات كثافة كبيرة كتلك الأحجار الطباشيرية من العصر بعد الترتيارى (الثلاثى Tertiary ) التى تتوج الكثير من قمم التلال فى فلسطين ، والتى كانت تغطى فى يوم من الأيام الأرض كلها . ومازالت هذه الطبقات ظاهرة فى التلال العالية التى تطل على أورشليم من جهة الشرق ، والجنوب الشرقي والجنوب الغربي . وتوجد على جبل الزيتون - على سبيل المثال - طبقة من الحجر الجيري المختلط يسمى بالحجر الناري وطبقات رسوبية أكثر كثافة تسمى كاكولي ، ويمكن التمييز بين طبقتين فيها . وفى هاتين الطبقتين- وبخاصة الأخيرة - توجد جيوب تحتوى على الطين الغنى بكربونات الكالسيوم ، كما توجد فى الطبقتين أحزمة من الصوان .
أما فوق المدينة فقد زال كل ذلك منذ أزمنة طويلة ، ولكننا نجد ثلاث طبقات من الحجر الجيري ذات كثافات متباينة يميز بينها بسهولة المشتغلون بالبناء من أهل البلاد :
( أ) - المزة الحلة : وهى طبقة صلدة ذات لون رمادي محمر يمكن صقلها ، وتصل فى بعض الأماكن إلى سمك 70 قدماً أو أكثر ، و الصخرة المقدسة فى منطقة الهيكل تنتمى إلى تلك الطبقة . والكثير من أحجار البناء القديمة كان من تلك الطبقة .
(ب) - تحت هذه الطبقة توجد طبقة الملكية ، وهى وإن لم تكن سميكة جداً ، إذ أن سمكها يقرب من 35 قدماً ، لكنها كانت كبيرة الأهمية فى تاريخ المدينة ، فما يميز هذه الطبقة هو أنها عندما تتعرض للهواء لأول مرة تصبح لينة إلى درجة يمكن قطعها بسكين ، ولكن بتأثير الجو تتقسى حتى تصبح حجراً صلداً ذا قوة تحمل ملحوظة ، تجعله صالحاً للبناء. ومع هذا فإن أعظم ما فى هذه الطبقة هو أن فيها قد اكتشفت مئات الكهوف وخزانات المياه والقبور والقنوات التى تتخلل موقع المدينة.
( ج) - وتحت الطبقة الميكية يوجد حجر جيري حديث التكوين ذو صلابة شديدة يعرف باسم المزة اليهودية ، وهو من أحجار البناء عالية القيمة ، رغم أنه من الصعب العمل به ، ويتميز جيولوجياً عن المزة الحلوة باحتوائه على أصداف متحجرة ، ويتميز بأنه حجر رمادي ضارب للصفرة ، وفى بعض الأحيان يبدو ذا حمرة خفيفة . وثمة أنواع مختلفة ذات مظهر محمر متميز تعرف باسم المزة الحمراء مما يجعلها صالحة لتزيين الأعمدة وشواهد القبور وغير ذلك ، وهي قابلة للصقل الشديد ويطلق عليها هناك أحياناً اسم الرخام .
وهذه الطبقة العميقة التي تستقرعليها المدينة كلها ، تظهر على السطح في وادي قدرون ، ونظرا لأنها لا تنفذ السوائل ، فمن المحتمل أن يكون هذا هو سبب وجود النبع الحقيقي الوحيد ، وهو نبع العذراء . والماء الموجود في ذلك الموضع وفي المناطق المحيطة بأورشليم ، ينفذ بسهولة فى الطبقة العليا ، ولكنه يجد طريقه إلى السطح بسبب هذه الطبقة الصماء . ومصدر ماء هذا النبع السطحي نسبياً هو سبب ضعف نوعيته .
2- المناخ والأمطار : من المحتمل أن تكون الظواهر العامة لمناخ أورشليم باقية كما هي لم يطرأ عليها تغيير عبر التاريخ ، على الرغم من وجود الكثير من الدلائل على وجود دورات من الأمطار الغزيرة والقليلة ، والأحواض التي لا يمكن حصرها ، والتي ترجع إلى كل العصور ، والقنوات الطويلة المعقدة التي تجلب المياه من أماكن بعيدة ، تشهد بأنه في معظم أدوار التاريخ كان سقوط المطر موسمياً كما هو الحال في الوقت الحاضر .
وعلى وجه العموم يمكن اعتبار مناخ أورشليم مناخاً صحياً ، ويمكن الوقاية من الأمراض الشائعة ، إلى حد بعيد ، في ظل حكومة واعية ، حتي الملاريا التي تنتشر بكثرة وافدة من المناطق المنخفضة ، يمكن القضاء عليها لو اتخذت إجراءات كافية لإبادة بعوضة الأنوفيلس ناقلة العدوى . وبسبب موقعها المرتفع والمكشوف ، فإن الريح والمطر والبرد تتجاوز معدلها في السهول الساحلية ووادي الأردن . وعلى الرغم من أن برد الشتاء قارس كما أن الشتاء هو أيضاً موسم سقوط الأمطار الغزيرة (انظر عزرا 10 : 9) ، لكن منازل وملابس الأهالي معدة لتحمل الحرارة أكثر من البرودة ، حيث أن أدني درجات البرد المسجلة هي 25 درجة فهرنهيت فقط ، وفي العادة لا يظهر الضباب إلا في اثنتي عشرة ليلة في السنة كلها . وفي أثناء شهور الصيف عديمة الأمطار ، يرتفع متوسط درجات الحرارة بانتظام حتي يصل إلى 73.6 درجة فهرنهيت في شهر أغسطس ، ولكن في بعض الأيام قد تصل درجة الحرارة إلى مائة درجة فهرنهيت في الظل ، ويحدث ذلك عادة في شهر سبتمبر . وفي منتصف الصيف ، فان النسيم الشمالي الغربي البارد والذي يهب عادة بعد الظهيرة وفي أول الليل ، يسهم كثيراً في إتاحة حياة صحية . أما أسوا الأيام فتأتي في منتصف مايو وفى منتصف سبتمبر حتى نهاية أكتوبر ، عندما تهب السيروكو (الرياح الجنوبية الشرقية الجافة)، فهي تهب حارة خانقة قادمة من الصحراء حاملة معها في بعض الأحيان تراباً ناعماً يحيل الجو معتماً ، فيذبل كل نبات أخضر ، وتقاسي الكائنات الحية ، وبخاصة الناس غير المعتادين على مثل هذه الظروف ، فيقاسون كثيراً أو قليلاً من الاكتئاب والمتاعب البدنية ، وتجد الملاريا وذبابة الرمل وسائر الحميات فرصتها لتتفشي بصورة ملحوظة ، في ذلك الزمان يقال لهذا الشعب ولأورشليم : ريح لافحة من الهضاب في البرية نحو بنت شعبي لا للتذرية ولا للتنقية (إرميا 4 : 11) .
وفي الفترة الأخيرة من الصيف - بالإضافة إلى نوبات ريح السيروكو - يسقط ندي ثقيل في أثناء الليل . وفي نهاية سبتمبر أو بداية أكتوبر تسقط الأمطار المبكرة وهو أمر مألوف في الأمطار الاستوائية المصحوبة بالرعد . ويعقب ذلك فترة من الجفاف تستمر أسابيع عديدة ، ثم يبدأ موسم سقوط الأمطار في ديسمبر ويناير وفبراير ، وفي بعض الأحيان يكون سقوط الأمطار الغزيرة في مارس موضع رضي السكان ، عندما تملأ المياه الأحواض في أواخر الموسم مما يعطي حصاداً وفيراً . ومتوسط كمية المطر حوالي 26 بوصة في السنة ، وأعلي كمية سجلت في المدينة كانت 42.95 بوصة في موسم 1877-1878 ، وكان الحد الأدني 12.5 بوصة في موسم 1869-1870 . والأمطار الغزيرة ليست هامة للتخزين فقط ، أو لتزويد الينابيع أو لإنتاج المحاصيل ، ولكن حيث أن مخلفات المدينة تتكدس - بصورة كبيرة - في المصارف البدائية خلال موسم الجفاف ، فان ذلك يستلزم قوة دفع مياه ضخمة لإزاحتها . ويسقط الثلج بغزارة في بعض الفصول مسبباً دماراً ملحوظاً للأسقف رديئة البناء ، وللأشجار . وقد وصل المطر في شتاء 1910-1911 إلى تسع بوصات .
3- الينابيع الطبيعية : يوجد نبع طبيعي واحد في منطقة أورشليم ، ومع هذا فإن بعض المراجع لا تعتبره نبعاً حقيقياً بالنسبة لضحالة مصدره . هذا النبع المتقطع هو المعروف حالياً باسم عين أم الدراج (أي نبع أم الدرجات) ويسميه المواطنون المسيحيون عين ستي مريم (عين السيدة مريم) ، ويطلق عليه الأوربيون عادة نبع العذارء .
وتشير كل الدلائل الأركيولوجية إلى أنه كان السبب الأول في جذب السكان الأوائل إلى هذا الوقع . وكان يعرف هذا النبع في العهد القديم باسم جيحون (1مل 1 :38) ، ويرتفع الماء من قلب قاع وادي قدرون ، وإن كان يظهر في الجانب الغربي وعلي بعد 300 ياردة من السور للحرم . ويتم الوصول إلى النبع عن طريق صفين من الدرجات ، الصف العلوي يتكون من 16 درجة ويؤدي إلى رصيف مستو صغير تغطيه قنطرة حديثة ، والصف السفلي أضيق ويتكون من 14 درجة تنتهي عند فم كهف صغير . ويخرج الماء من شق طويل (يبلغ حوالي 16 قدماً) ويجري شرقاً وغرباً في القاع الصخري لوادي قدرون ، أسفل السطح الحالي بأقدام كثيرة . والطرف الغربي وهو الأعلي من هذا الشق ، يوجد في مدخل الكهف ، ولكن معظم المياه تتدفق من الجزء الأدني والأوسع الذي يقع تحت الدرجات . وعندما يكون الماء ضحلاً ، تزحف نساء سلوام إلي النقرة تحت الدرجات ليملأن قِرب الماء منها ، وفي مثل هذه الأوقات لا يصل الماء أبداً إلى الكهف . وفي النهاية البعيدة للكهف توجد بداية أنفاق قنوات المياه القديمة التي سنتحدث عنها فيما بعد . وهذا النبع متقطع ، فالماء يرتفع بسرعة ويتدفق بقوة ملحوظة عدة مرات في اليوم الواحد بعد الفصل المطير ، ومرة أو مرتين فقط في فصل الجفاف . وظاهرة التقطع هذه في الينابيع ، ليست بظاهرة نادرة في فلسطين . ويمكن تعليل ذلك بتراكم المياه الجوفية في بعض الكهوف أو شقوق الصخور ، فتكوّن خزاناً يفرغ نفسه بفعل الامتصاص (مثل السيفون) فحينما يصل الماء المتراكم إلى منحني السيفون الطبيعي ، يبدأ في الانسياب ويستمر في الجريان إلي أن يفرغ الخزان . وتعزي هذه الظاهرة - بالطبع - عند الجهلاء إلى عمل خارق للطبيعة ، وتعزي عند الفلاحين الآن إلي عمل الشيطان. ويزور سكان البلاد الأصليون ، وبخاصة اليهود ، هذا النبع - حتى يومنا هذا - في فترات فيضانه بقصد الاستشفاء . ومن الصعب أن نقول إن حالة التقطع في هذا النبع قديمة جداً ، ولكن حيث أن جيروم قد أشار إليها ، فمن المحتمل أنها كانت موجودة في أيام العهد الجديد . وإذا كان الأمر كذلك ، يكون ذلك دليلاً قوياً علي وجود بركة بيت حسدا في هذا الموقع .
وفي العصور القديمة كانت كل كميات المياه تنحدر إلى الوادي الصخري المتسع . ولكن في زمن مبكر ، أقيم جدار لكي يخزن المياه ويحول النبع إلى بركة ، وبدون مثل هذا العمل ، لم يكن ممكناً أن يجد الماء طريقه إلى الكهف والأنفاق - وقد أنشئت هذه الأنفاق (التي سنصنفها فيما بعد) بغرض الوصول إلي الماء من داخل أسوار المدينة ، كما لمنع أعداء اليهود من الوصول إلى الماء (2 أخ 32 : 4) .
وعلي الرغم من أن أهالي سلوام يستحدمون ماء هذا النبع في جميع الأغراض ، فهو ملحي المذاق ويحتوي على نسبة ملحوظة من مياه المجاري وأقذارها ، فهو غير صالح للشرب ، وهذا راجع - دون شك - إلي التوزيع الواسع لمياه المجاري ، إما قصداً (لدي الحدائق) أو دون قصد (عن طريق رشح المجاري فوق التربة التي تغطي الصخور التي تفيض منها المياه) . ولاشك في أن المياه كانت أكثر نقاوة في الأزمنة القديمة ، كما يحتمل أن النبع كان أغزر مياهاً ، حيث تحبس الآن مئات الأحواض ، المياه التي كانت تتسرب خلال التربة غلي مصادر النبع العميقة .
وتجري مياه نبع العذراء عبر نفق سلوام وتخرج عند عين سلوان (عين سلوام) إلي بركة سلوام ، ومن هناك تنزل إلي وادي قدرون لتروي بساتين الخضر العديدة حول قرية سلوام .
والمصدر الثاني للمياه في أورشليم هو البئر العميقة المسماة بئر أيوب والتي تقع أدني قليلاً من النقطة التي يتقابل عندها وادي قدرون مع ابن هنوم . وترجع تسميتها بهذا الاسم إلى أسطورة تقول إن الله أمر أيوب أن يقف علي قدميه فينفجر نبع بعمل معجزي . وكانت البئر قد اختفت عن الأنظار ، ولكن أعيد اكتشافها بواسطة الصليبيين في 1184 م ، وقاموا بتطهيرها . ويبلغ عمقها نحو 125 قدماً ، والماء الذى يغذى هذه البئر لا ينضب ، ولكن نوعيته ليست بأفضل من نوعية ماء عين العذراء . وبعد عدة أيام من المطر الغزير ، يتسرب الماء إلى تحت الأرض ، وينفجر أسفل الوادي ببضع ياردات مكوناً مجري صغيراً ، ويستمر في الجريان عدة أيام بعد أن ينتهي سقوط الأمطار بغزارة . و قدرون الفائض عامل عظيم في جذب انتباه سكان أورشليم الوطنيين ، فيهرعون من المدينة للاستمتاع بذلك المنظر النادر لجريان المياه . ولابد أن عين روجل كانت في أحد الأماكن المجاورة لبئر أيوب . ولو كانت عين روجل ينوبوعاً طبيعيا ، فلابد أن مصدرها مطمور الآن تحت كتل القمامة الهائلة المتجمعة هناك .
وعلي بعد نحو 600 ياردة جنوبي بئر أيوب ، يوجد حوض صغير مفروش بالحصباء حيث ينفجر نبع صغير يسمي عين اللوزة عندما تفيض بئر أيوب ، وهو ليس نبعاً حقيقياً ، ولكنه يستمد مياهه من مياه بئر أيوب ، التي تنساب خلال قناة قديمة محفورة في الصخر في الناحية الغربية من وادي النار .
والنبع الآخر في منطقة أورشليم هو حمام الشفاء وهو عبارة عن حوض صخري تحت الأرض في وادي التروبيون داخل أسوار المدينة حيث تتجمع فيه المياه عن طريق الرشح عبر نفايات المدينة . ورغم أنه كان مرة خزاناً - ربما كانت له قنوات محفورة في الصخر لتوصيل المياه إليه - إلا أنه الآن بئر عميقة أقيمت فوقها قناطر في فترات مختلفة حيث تجمعت قمامة المدينة عبر القرون .
وليس ثمة دليل علي أنه كان هناك أي نبع طبيعي ، حيث أن الماء في فصل الجفاف هو في الواقع من مياه المجاري علي الرغم من أنه يستخدم في حمام تركي مجاور .
ويعتقد ج. أ سميث أن بئر عين التنين التي يذكرها نحميا (نح 2 : 13) كانت تقع في وادي هنوم ، ولعلها كانت نبعاً طارئا ظهر على مدي بضع سنوات ، ولكن لا يوجد الآن مثل هذا النبع أو البئر .
(1) جيولوجيتها : إن جيولوجية موقع أورشليم والمناطق المحيطة بها بسيطة نسبياً عندما تدرس بالارتباط بأرض فلسطين ككل ، والمظهر البارز هو أن الصخور كلها مكونة من أشكال مختلفة من الحجر الجيري مع طبقات تحتوى على الصوان ، ولا توجد صخور أولية ولا أحجار رملية ( مثل التى تظهر على السطح فى شرقي الأردن ) ، كما لا توجد صخور بركانية ، والتكوينات تبدو فى طبقات منتظمة تنحدر نحو الجنوب الشرقي بزاوية قدرها عشر درجات تقريباً .
ومازالت توجد طبقات ذات كثافة كبيرة كتلك الأحجار الطباشيرية من العصر بعد الترتيارى (الثلاثى Tertiary ) التى تتوج الكثير من قمم التلال فى فلسطين ، والتى كانت تغطى فى يوم من الأيام الأرض كلها . ومازالت هذه الطبقات ظاهرة فى التلال العالية التى تطل على أورشليم من جهة الشرق ، والجنوب الشرقي والجنوب الغربي . وتوجد على جبل الزيتون - على سبيل المثال - طبقة من الحجر الجيري المختلط يسمى بالحجر الناري وطبقات رسوبية أكثر كثافة تسمى كاكولي ، ويمكن التمييز بين طبقتين فيها . وفى هاتين الطبقتين- وبخاصة الأخيرة - توجد جيوب تحتوى على الطين الغنى بكربونات الكالسيوم ، كما توجد فى الطبقتين أحزمة من الصوان .
أما فوق المدينة فقد زال كل ذلك منذ أزمنة طويلة ، ولكننا نجد ثلاث طبقات من الحجر الجيري ذات كثافات متباينة يميز بينها بسهولة المشتغلون بالبناء من أهل البلاد :
( أ) - المزة الحلة : وهى طبقة صلدة ذات لون رمادي محمر يمكن صقلها ، وتصل فى بعض الأماكن إلى سمك 70 قدماً أو أكثر ، و الصخرة المقدسة فى منطقة الهيكل تنتمى إلى تلك الطبقة . والكثير من أحجار البناء القديمة كان من تلك الطبقة .
(ب) - تحت هذه الطبقة توجد طبقة الملكية ، وهى وإن لم تكن سميكة جداً ، إذ أن سمكها يقرب من 35 قدماً ، لكنها كانت كبيرة الأهمية فى تاريخ المدينة ، فما يميز هذه الطبقة هو أنها عندما تتعرض للهواء لأول مرة تصبح لينة إلى درجة يمكن قطعها بسكين ، ولكن بتأثير الجو تتقسى حتى تصبح حجراً صلداً ذا قوة تحمل ملحوظة ، تجعله صالحاً للبناء. ومع هذا فإن أعظم ما فى هذه الطبقة هو أن فيها قد اكتشفت مئات الكهوف وخزانات المياه والقبور والقنوات التى تتخلل موقع المدينة.
( ج) - وتحت الطبقة الميكية يوجد حجر جيري حديث التكوين ذو صلابة شديدة يعرف باسم المزة اليهودية ، وهو من أحجار البناء عالية القيمة ، رغم أنه من الصعب العمل به ، ويتميز جيولوجياً عن المزة الحلوة باحتوائه على أصداف متحجرة ، ويتميز بأنه حجر رمادي ضارب للصفرة ، وفى بعض الأحيان يبدو ذا حمرة خفيفة . وثمة أنواع مختلفة ذات مظهر محمر متميز تعرف باسم المزة الحمراء مما يجعلها صالحة لتزيين الأعمدة وشواهد القبور وغير ذلك ، وهي قابلة للصقل الشديد ويطلق عليها هناك أحياناً اسم الرخام .
وهذه الطبقة العميقة التي تستقرعليها المدينة كلها ، تظهر على السطح في وادي قدرون ، ونظرا لأنها لا تنفذ السوائل ، فمن المحتمل أن يكون هذا هو سبب وجود النبع الحقيقي الوحيد ، وهو نبع العذراء . والماء الموجود في ذلك الموضع وفي المناطق المحيطة بأورشليم ، ينفذ بسهولة فى الطبقة العليا ، ولكنه يجد طريقه إلى السطح بسبب هذه الطبقة الصماء . ومصدر ماء هذا النبع السطحي نسبياً هو سبب ضعف نوعيته .
2- المناخ والأمطار : من المحتمل أن تكون الظواهر العامة لمناخ أورشليم باقية كما هي لم يطرأ عليها تغيير عبر التاريخ ، على الرغم من وجود الكثير من الدلائل على وجود دورات من الأمطار الغزيرة والقليلة ، والأحواض التي لا يمكن حصرها ، والتي ترجع إلى كل العصور ، والقنوات الطويلة المعقدة التي تجلب المياه من أماكن بعيدة ، تشهد بأنه في معظم أدوار التاريخ كان سقوط المطر موسمياً كما هو الحال في الوقت الحاضر .
وعلى وجه العموم يمكن اعتبار مناخ أورشليم مناخاً صحياً ، ويمكن الوقاية من الأمراض الشائعة ، إلى حد بعيد ، في ظل حكومة واعية ، حتي الملاريا التي تنتشر بكثرة وافدة من المناطق المنخفضة ، يمكن القضاء عليها لو اتخذت إجراءات كافية لإبادة بعوضة الأنوفيلس ناقلة العدوى . وبسبب موقعها المرتفع والمكشوف ، فإن الريح والمطر والبرد تتجاوز معدلها في السهول الساحلية ووادي الأردن . وعلى الرغم من أن برد الشتاء قارس كما أن الشتاء هو أيضاً موسم سقوط الأمطار الغزيرة (انظر عزرا 10 : 9) ، لكن منازل وملابس الأهالي معدة لتحمل الحرارة أكثر من البرودة ، حيث أن أدني درجات البرد المسجلة هي 25 درجة فهرنهيت فقط ، وفي العادة لا يظهر الضباب إلا في اثنتي عشرة ليلة في السنة كلها . وفي أثناء شهور الصيف عديمة الأمطار ، يرتفع متوسط درجات الحرارة بانتظام حتي يصل إلى 73.6 درجة فهرنهيت في شهر أغسطس ، ولكن في بعض الأيام قد تصل درجة الحرارة إلى مائة درجة فهرنهيت في الظل ، ويحدث ذلك عادة في شهر سبتمبر . وفي منتصف الصيف ، فان النسيم الشمالي الغربي البارد والذي يهب عادة بعد الظهيرة وفي أول الليل ، يسهم كثيراً في إتاحة حياة صحية . أما أسوا الأيام فتأتي في منتصف مايو وفى منتصف سبتمبر حتى نهاية أكتوبر ، عندما تهب السيروكو (الرياح الجنوبية الشرقية الجافة)، فهي تهب حارة خانقة قادمة من الصحراء حاملة معها في بعض الأحيان تراباً ناعماً يحيل الجو معتماً ، فيذبل كل نبات أخضر ، وتقاسي الكائنات الحية ، وبخاصة الناس غير المعتادين على مثل هذه الظروف ، فيقاسون كثيراً أو قليلاً من الاكتئاب والمتاعب البدنية ، وتجد الملاريا وذبابة الرمل وسائر الحميات فرصتها لتتفشي بصورة ملحوظة ، في ذلك الزمان يقال لهذا الشعب ولأورشليم : ريح لافحة من الهضاب في البرية نحو بنت شعبي لا للتذرية ولا للتنقية (إرميا 4 : 11) .
وفي الفترة الأخيرة من الصيف - بالإضافة إلى نوبات ريح السيروكو - يسقط ندي ثقيل في أثناء الليل . وفي نهاية سبتمبر أو بداية أكتوبر تسقط الأمطار المبكرة وهو أمر مألوف في الأمطار الاستوائية المصحوبة بالرعد . ويعقب ذلك فترة من الجفاف تستمر أسابيع عديدة ، ثم يبدأ موسم سقوط الأمطار في ديسمبر ويناير وفبراير ، وفي بعض الأحيان يكون سقوط الأمطار الغزيرة في مارس موضع رضي السكان ، عندما تملأ المياه الأحواض في أواخر الموسم مما يعطي حصاداً وفيراً . ومتوسط كمية المطر حوالي 26 بوصة في السنة ، وأعلي كمية سجلت في المدينة كانت 42.95 بوصة في موسم 1877-1878 ، وكان الحد الأدني 12.5 بوصة في موسم 1869-1870 . والأمطار الغزيرة ليست هامة للتخزين فقط ، أو لتزويد الينابيع أو لإنتاج المحاصيل ، ولكن حيث أن مخلفات المدينة تتكدس - بصورة كبيرة - في المصارف البدائية خلال موسم الجفاف ، فان ذلك يستلزم قوة دفع مياه ضخمة لإزاحتها . ويسقط الثلج بغزارة في بعض الفصول مسبباً دماراً ملحوظاً للأسقف رديئة البناء ، وللأشجار . وقد وصل المطر في شتاء 1910-1911 إلى تسع بوصات .
3- الينابيع الطبيعية : يوجد نبع طبيعي واحد في منطقة أورشليم ، ومع هذا فإن بعض المراجع لا تعتبره نبعاً حقيقياً بالنسبة لضحالة مصدره . هذا النبع المتقطع هو المعروف حالياً باسم عين أم الدراج (أي نبع أم الدرجات) ويسميه المواطنون المسيحيون عين ستي مريم (عين السيدة مريم) ، ويطلق عليه الأوربيون عادة نبع العذارء .
وتشير كل الدلائل الأركيولوجية إلى أنه كان السبب الأول في جذب السكان الأوائل إلى هذا الوقع . وكان يعرف هذا النبع في العهد القديم باسم جيحون (1مل 1 :38) ، ويرتفع الماء من قلب قاع وادي قدرون ، وإن كان يظهر في الجانب الغربي وعلي بعد 300 ياردة من السور للحرم . ويتم الوصول إلى النبع عن طريق صفين من الدرجات ، الصف العلوي يتكون من 16 درجة ويؤدي إلى رصيف مستو صغير تغطيه قنطرة حديثة ، والصف السفلي أضيق ويتكون من 14 درجة تنتهي عند فم كهف صغير . ويخرج الماء من شق طويل (يبلغ حوالي 16 قدماً) ويجري شرقاً وغرباً في القاع الصخري لوادي قدرون ، أسفل السطح الحالي بأقدام كثيرة . والطرف الغربي وهو الأعلي من هذا الشق ، يوجد في مدخل الكهف ، ولكن معظم المياه تتدفق من الجزء الأدني والأوسع الذي يقع تحت الدرجات . وعندما يكون الماء ضحلاً ، تزحف نساء سلوام إلي النقرة تحت الدرجات ليملأن قِرب الماء منها ، وفي مثل هذه الأوقات لا يصل الماء أبداً إلى الكهف . وفي النهاية البعيدة للكهف توجد بداية أنفاق قنوات المياه القديمة التي سنتحدث عنها فيما بعد . وهذا النبع متقطع ، فالماء يرتفع بسرعة ويتدفق بقوة ملحوظة عدة مرات في اليوم الواحد بعد الفصل المطير ، ومرة أو مرتين فقط في فصل الجفاف . وظاهرة التقطع هذه في الينابيع ، ليست بظاهرة نادرة في فلسطين . ويمكن تعليل ذلك بتراكم المياه الجوفية في بعض الكهوف أو شقوق الصخور ، فتكوّن خزاناً يفرغ نفسه بفعل الامتصاص (مثل السيفون) فحينما يصل الماء المتراكم إلى منحني السيفون الطبيعي ، يبدأ في الانسياب ويستمر في الجريان إلي أن يفرغ الخزان . وتعزي هذه الظاهرة - بالطبع - عند الجهلاء إلى عمل خارق للطبيعة ، وتعزي عند الفلاحين الآن إلي عمل الشيطان. ويزور سكان البلاد الأصليون ، وبخاصة اليهود ، هذا النبع - حتى يومنا هذا - في فترات فيضانه بقصد الاستشفاء . ومن الصعب أن نقول إن حالة التقطع في هذا النبع قديمة جداً ، ولكن حيث أن جيروم قد أشار إليها ، فمن المحتمل أنها كانت موجودة في أيام العهد الجديد . وإذا كان الأمر كذلك ، يكون ذلك دليلاً قوياً علي وجود بركة بيت حسدا في هذا الموقع .
وفي العصور القديمة كانت كل كميات المياه تنحدر إلى الوادي الصخري المتسع . ولكن في زمن مبكر ، أقيم جدار لكي يخزن المياه ويحول النبع إلى بركة ، وبدون مثل هذا العمل ، لم يكن ممكناً أن يجد الماء طريقه إلى الكهف والأنفاق - وقد أنشئت هذه الأنفاق (التي سنصنفها فيما بعد) بغرض الوصول إلي الماء من داخل أسوار المدينة ، كما لمنع أعداء اليهود من الوصول إلى الماء (2 أخ 32 : 4) .
وعلي الرغم من أن أهالي سلوام يستحدمون ماء هذا النبع في جميع الأغراض ، فهو ملحي المذاق ويحتوي على نسبة ملحوظة من مياه المجاري وأقذارها ، فهو غير صالح للشرب ، وهذا راجع - دون شك - إلي التوزيع الواسع لمياه المجاري ، إما قصداً (لدي الحدائق) أو دون قصد (عن طريق رشح المجاري فوق التربة التي تغطي الصخور التي تفيض منها المياه) . ولاشك في أن المياه كانت أكثر نقاوة في الأزمنة القديمة ، كما يحتمل أن النبع كان أغزر مياهاً ، حيث تحبس الآن مئات الأحواض ، المياه التي كانت تتسرب خلال التربة غلي مصادر النبع العميقة .
وتجري مياه نبع العذراء عبر نفق سلوام وتخرج عند عين سلوان (عين سلوام) إلي بركة سلوام ، ومن هناك تنزل إلي وادي قدرون لتروي بساتين الخضر العديدة حول قرية سلوام .
والمصدر الثاني للمياه في أورشليم هو البئر العميقة المسماة بئر أيوب والتي تقع أدني قليلاً من النقطة التي يتقابل عندها وادي قدرون مع ابن هنوم . وترجع تسميتها بهذا الاسم إلى أسطورة تقول إن الله أمر أيوب أن يقف علي قدميه فينفجر نبع بعمل معجزي . وكانت البئر قد اختفت عن الأنظار ، ولكن أعيد اكتشافها بواسطة الصليبيين في 1184 م ، وقاموا بتطهيرها . ويبلغ عمقها نحو 125 قدماً ، والماء الذى يغذى هذه البئر لا ينضب ، ولكن نوعيته ليست بأفضل من نوعية ماء عين العذراء . وبعد عدة أيام من المطر الغزير ، يتسرب الماء إلى تحت الأرض ، وينفجر أسفل الوادي ببضع ياردات مكوناً مجري صغيراً ، ويستمر في الجريان عدة أيام بعد أن ينتهي سقوط الأمطار بغزارة . و قدرون الفائض عامل عظيم في جذب انتباه سكان أورشليم الوطنيين ، فيهرعون من المدينة للاستمتاع بذلك المنظر النادر لجريان المياه . ولابد أن عين روجل كانت في أحد الأماكن المجاورة لبئر أيوب . ولو كانت عين روجل ينوبوعاً طبيعيا ، فلابد أن مصدرها مطمور الآن تحت كتل القمامة الهائلة المتجمعة هناك .
وعلي بعد نحو 600 ياردة جنوبي بئر أيوب ، يوجد حوض صغير مفروش بالحصباء حيث ينفجر نبع صغير يسمي عين اللوزة عندما تفيض بئر أيوب ، وهو ليس نبعاً حقيقياً ، ولكنه يستمد مياهه من مياه بئر أيوب ، التي تنساب خلال قناة قديمة محفورة في الصخر في الناحية الغربية من وادي النار .
والنبع الآخر في منطقة أورشليم هو حمام الشفاء وهو عبارة عن حوض صخري تحت الأرض في وادي التروبيون داخل أسوار المدينة حيث تتجمع فيه المياه عن طريق الرشح عبر نفايات المدينة . ورغم أنه كان مرة خزاناً - ربما كانت له قنوات محفورة في الصخر لتوصيل المياه إليه - إلا أنه الآن بئر عميقة أقيمت فوقها قناطر في فترات مختلفة حيث تجمعت قمامة المدينة عبر القرون .
وليس ثمة دليل علي أنه كان هناك أي نبع طبيعي ، حيث أن الماء في فصل الجفاف هو في الواقع من مياه المجاري علي الرغم من أنه يستخدم في حمام تركي مجاور .
ويعتقد ج. أ سميث أن بئر عين التنين التي يذكرها نحميا (نح 2 : 13) كانت تقع في وادي هنوم ، ولعلها كانت نبعاً طارئا ظهر على مدي بضع سنوات ، ولكن لا يوجد الآن مثل هذا النبع أو البئر .
اقتراحات موسوعية أخرى
ثريات
ثريات - chandeliers
هي تلك المعلقات النحاسية المشغولة والتي تحوي في داخلها القناديل المضاءة وكانت تع...
ميت اومس
إسم قبطى معناه مطموس مدفون
تاوه
تأوه
من آه وهي تفيد الشكوى والتوجع ( 2صم 23 : 15 ، أي 11 : 17 ، مز 10 : 7 ، 38 : 29 ).
بيزنطي
بيزنطي
نسبة إلى مدينة بيزنطة القديمة التي أسست سنة 657ق.م وقد دعيت بيزنطة علي أسم بيزاس أحد قادتها ا...
ترمة
ترمة
اسم مكان كان فيه ابيمالك بن جدعون، عندما أرجوان إلينا زبول رئيس مدينة شكيم بكلام جعل بن عابد...
بروجيازميني
بروجيازميني - presanctified
مصطلح طقسي بيزنطي يعني القدسات السابق تقديسها حيث يتم إقامة قداس قصير عل...