كلمة منفعة
في تجربة السيد المسيح على الجبل قال له الشيطان: (إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا) (مت 4: 3).
— استخدام السلطان

ارميا النبي

ارميا النبي، إرميا النبي، مراثي
حجم الخط
إرميا النبي
أولا - الاسم والشخصية : إرميا واحد من أنبياء إسرائيل العظام ، ولأن الاسم كان شائع الاستعمال ، لذلك يدعي النبي ابن حلقيا ( إر 1 : 1 ) ، وهو ليس حلقيا رئيس الكهنة الذي جاء ذكره في الأصحاحين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من الملوك الثاني ، إذ يذكر عنه فقط أنه من الكهنة الذين في عناثوث في أرض بنيامين . وفي عناثوث - وهي الآن قرية أناتا على سفر ساعة ونصف شمالي شرق أورشليم - عاشت فئة من الكهنة تنتمي إلى فرع صادوق الكاهن ( 1 مل 2 : 26 ) .
ثانياً- حياة إرميا : لقد دعا الرب إرميا للخدمة كنبي وهو بعد شاب ( 1 : 6 ) في نحو العشرين من عمره ، في السنة الثالثة عشرة للملك يوشيا ( 1 : 2 ، 25 : 3 ) في سنة 627 ق.م . وظل نشيطاً في خدمته من ذلك الحين حتى خراب أورشليم في 586 ق.م ، طيلة حكم الملوك يوشيا ويهوآحاز ويهوياقيم ويهوياكين وصدقيا ، وحتى بعد سقوط أورشليم ، ظل يتنبأ وهو في مصر لعدة سنوات على الأقل ، فامتدت خدمته نحو خمسين عاماً. ويحتمل أنه عاش أولاً في عناثوث وكان يتردد علانية على أورشليم في المناسبات والأعياد الكبيرة ، ثم سكن أخيراً في أورشليم ، وكان بها في الأيام العصيبة من حصار المدينة وخرابها .
ومع أن الملك يوشيا كان يخاف الله ومستعداً لخدمة يهوه ، وسرعان ما أعلن اصلاحاته حسب شريعة يهوه ، في السنة الثامنة عشرة من ملكه ، إلا أن إرميا عندما دعي لخدمته النبوية ، لم يشك اطلاقاً في أن دينونة الله ستحل على المدينة قريباً( 1 : 11 وما بعده ) . وعندما وجد سفر الشريعة في الهيكل بعد سنوات قليلة ( 2مل 22 ، 23 ) أذاع إرميا كلمات هذا العهد على الشعب الذين كانوا في المدينة وفي كل نواحي البلاد ( 11 : 1 - 8 ، 17 : 19 - 27 ) وحثهم بشدة على الطاعة للوصية الإلهية . ولكنه بعمله هذا صار موضوع كراهية شديدة وبخاصة في موطنه عناثوث . بل إن إخوته وأقاربه تآمروا عليه ، بإعلانهم أنه من أخطر المتعصبين ( 12 : 6 ) . وعلى أي حال ، كانت أيام إرميا في عهد هذا الملك التقي أسعد أيام خدمته ، وقد رثاه إرميا عند موته المبكر بمراث حزينة ، نوه عنها كاتب سفر الأخبار ( 2 أخ 35 : 25 ) ولكنها لم تصل إلينا .
وكانت أحوال إرميا على غير ما يرام بعد وفاة يوشيا ، فقد تلقي الملك يهوآحاز ( شلوم ) - الذي حكم ثلاثة أشهر فقط - إعلان القضاء عليه ، من إرميا ( 22 : 10 وما بعده ) . أما يهوياقيم ( 609 - 598 ق.م ) فقد أيد بدوره عبادة الأوثان ، وضايق الشعب بمحبته للترف وإقامة المباني الضخمة ( إرميا 22 : 13 وما بعده ) ، علاوة على أن سياسته كانت مبنية على الخيانة والغدر ، فقد تآمر مع مصر على سيده نبوخذ نصر . وجاءت اللحظة الحاسمة في السنة الرابعة من ملكه ، حين انتصر الكلدانيون في موقعة كركميش في غربي أسيا ، كما سبق أن تنبأ إرميا ( 46 : 1 - 12 ) .

وفي أيام يهوياقيم ألقي إرميا خطابه العظيم في الهيكل ( الأصحاحات 7 - 9 ، 10 : 17 - 25 ) فصمم الكهنة على قتله ( الأصحاح 26 ) ، ولكن الرؤساء ذوي النفوذ أنقذوه من أيديهم ، ولكنه تعرض للإهانة من المسئولين تلبية لرغبة الكهنة ( ص 20 ) . ونرى من إرميا ( 36 : 1 ، وما بعده ) ، أنه لم يعد يسمح له بالدخول إلى الهيكل ، ولهذا أمره الرب أن يجمع نبواته في درج ، وأن يقرأها للشعب تلميذه الأمين باروخ ( 36 ، 45 ) . ولما وقع السفر في يد الملك ، أحرقه ، ولكن إرميا عاد وأملى السفر ثانية على باروخ مع إضافات جديدة .
أما يهوياكين أو كنياهو ( 22 : 24 وما بعده ) ابن يهوياقيم ، فبعد أن حكم ثلاثة أشهر ، أخذه نبوخذ نصر أسيراًإلى بابل ، وأخذ معه عدداً كبيراً من النبلاء وخيرة الشعب ( 24 : 1 ، 29 : 2 ) كما سبق وتنبأ إرميا ( 22 : 20 - 30 ) ، ولم تتحسن الأمور في عهد صدقيا ( 596 - 585 ق.م ) مع أن الملك نفسه لم يكن معادياً لإرميا مثلما كان يهوياقيم ، ولكن كان أكثر الناس كراهية له هم الأمراء وقادة الجيش الذين أصبح بيدهم الأمر بعد أن اجليت أفضل طبقة من الشعب إلى بابل . وظلوا في تمردهم ضد بابل ، مما اضطر إرميا معه إلى معارضة حركة وطنية من ذلك النوع . وأخيراً جاء الجيش البابلي لمعاقبة الملك الخائن الذي دخل مرة أخرى في تحالف مع مصر . لقد نصحه إرميا بإلحاح بالخضوع ، ولكن الملك كان ضعيفاً وجباناً جداًأمام نبلائه ، فطال الحصار ، وسبب معاناة رهيبة في حياة إرميا ، إذ ألقاه قادة الجيش في سجن قذر متهمين إياه بالخيانة ( 37 : 11 وما بعده ) أما الملك الذي استشاره سراً، فقد أخرجه من السجن ووضعه في دار السجن ( 37 : 17 وما بعده ) حيث استطاع أن يتحرك بحرية وأن يتنبأ مرة أخرى . وإذ حل القضاء ، أمكنه أن يتحدث عن رجاء المستقبل ( 32 ، 33 ) . ويحتمل أن أصحاحي ( 30 ، 31 ) يشيران إلى تلك الفترة ، ولكن بسبب استمرار ندائه للشعب بالتسليم ، ألقاه المسئولون في جب موحل ، ولكن أحد رجال البلاط - عبد ملك - أشفق عليه وأنقذه ( 39 : 15 - 18 ) ، فعاد مرة أخرى إلى دار السجن ، وبقى هناك حتى فتحت أورشليم .
وبعد احتلال المدينة ، عامله البابليون باحترام عظيم عندما علموا أنه تحدث لصالحهم ( 39 : 11 - 40 : 1 وما بعده ) وأعطوه حرية الاختيار بين الذهاب إلى بابل أو البقاء في وطنه ، ولكنه قرر البقاء ، وذهب إلى جدليا الوالي في المصفاة ، وكان جدلياًإنساناً جديراً بالثقة ، ولكن عندما اغتال المعارضون الأثمة هذا الرجل بعد فترة وجيزة ، قرر اليهود الذين كانوا قد تُركوا في فلسطين - مهددين وخائفين من انتقام الكلدانيين - أن يهاجروا إلى مصر ، فحذرهم إرميا بشدة وأنذرهم بانتقام يهوه إذا أصروا على ذلك ( 42 : 1 وما بعده ) ، ولكنهم أصروا على رأيهم ، بل وأجبروا النبي الشيخ على الذهاب معهم ( 43 : 1 وما بعده ) ، وكانت وجهتهم الأولى مدينة تحفنحيس في مصر السفلى ( الوجه البحرى ) وهناك واصل إرميا مناداته بكلمة الله لزملائه الإسرائيليين ونجد شيئاً من ذلك في ( 43 : 8 - 13 ) ، وفي عظته في الأصحاح الرابع والأربعين ، التي قالها في وقت لاحق ، ولكن قبل 570 ق.م . ولا بد أن إرميا كان قد بلغ في ذلك الوقت مابين السبعين والثمانين من عمره ويحتمل أنه مات بعد ذلك بقليل في مصر . ويقول بعض آباء الكنيسة إن اليهود قد رجموه حتى الموت في تحفنحيس . ( جيوم وترتليان … وغيرهما ) ، ولكن ليس لهذا القول ما يؤيده تماماً، وهو أشبه بالتقليد اليهودي الذي يقول إنه أخذ من مصر إلى بابل ومعه باروخ بأمر نبوخذ نصر ، وهناك مات .
ثالثاً- صفات إرميا الشخصية : لا يقدم لنا سفر إرميا صورة كاملة لحياة النبي ورسالته فحسب ، بل يقدم لنا أيضاً الكثير عن حياته الداخلية ومشاعره أكثر من أي نبي آخر . فمن هذا السفر نعرف أنه كان بطبيعته رقيقاً في مشاعره وعواطفه ، وإن كانت له صورة مغايرة في رسالة القضاء القاسي ، التي كان عليه أن ينادي بها . لقد جعله الله في تبليغ رسالته مثل الحديد صلباً لا يلين ( 1 : 18 ، 15 : 20 ) . هذا التناقض بين مشاعره الشخصية الرقيقة الدافئة ، وبين رسالته الصارمة ، يظهر بوضوح - مرات عديدة - في تعبيراته القلبية في نبواته . لقد ابتهج أولاً عندما تكلم الله إليه ( 15 : 16 ) ، ولكن سرعان ما صارت كلمات الله في قلبه مصدراً للألم والمعاناة ( 15 : 17 وما بعده ) . كان يود أن لا ينطق بها ، لn.Du tust deine م داود صباحا كان كلام الرب الى جاد النبي رائي داود قائلاحبة ، ولكن لم يسمح له بالزواج ( 16 : 1 وما بعده ) . لقد اضطر أن يهجر مباهج الشباب ( 15 : 17 ) . لقد أحب شعبه أكثر مما فعل غيره ، ومع ذلك اضطر إلى التنبؤ عليهم بالشر ، وبدا كما لو كان عدواً لأمته ، وكثيراً ما جعله هذا حزيناً. لقد شعر بعمق العداوة التي كان هو ضحيتها لأنه لم يعلن إلا الحق . ( انظر شكواه 9 : 1 ، 12 : 5 ، 15 : 10 ، 17 : 14 - 18 ، 18 : 23 … ) وفي هذا الصراع المؤلم بين قلبه ووصايا الرب ، كان يتمنى لو أن الله لم يكلمه ، بل لقد لعن اليوم الذي ولد فيه ( 15 : 10 ، 20 : 14 - 18 ، انظر أيوب 3 : 1 وما بعده ) . ويجب أن نميز بدقة بين هذه الشكاوى وبين تلك التي أبلغها الرب بروحه للنبي ، إن الله يوبخه على هذه الشكاوى ويطلب إليه أن يتوب وأن يثق فيه ويطيعه ( 15 : 19 ) ، فيصبح راسخاً لا يتزعزع . بل إن إدانته المريرة لأعدائه ( 11 : 20 ، وما بعده ، 15 : 15 ، 17 : 18 ، 18 : 21 - 23 ) نبعت جزئياً من طبيعته العميقة الحساسة ، وتظهر الفرق الكبير بينه وبين المتألم الكامل الذي صلي من أجل ألد أعدائه . ولكن على أي حال ، كان إرميا أشبه ما يكون بالمخلص المتألم أكثر من كل قديسي العهد القديم ، وقد ظل ككاهن يصلي من أجل شعبه حتى نهاه الله عن ذلك ( 7 : 16 ، 11 : 14 ، 14 : 11 ، 18 : 20 ) . لقد كان عليه - أكثر منهم جميعهم - أن يتألم بسبب غضب الله على الشعب . لقد شعر أفراد الشعب أنفسهم أنه كان يريد خيرهم ، ويمكننا أن نرى ذلك في أن الشعب المتمرد - الذين فعلوا دائماً عكس ما أمرهم به ، والذين اعتبروه نبياً غير مرغوب فيه - إضطروه للذهاب معهم إلى مصر لأنهم أدركوا أنه هو العبقري الفذ بينهم .
رابعاً- نبوات إرميا : كان على إرميا أن ينادى بقضاء الله على يهوذا ، وذلك بسبب ارتداد الشعب عن يهوه ، وعبادتهم الأصنام على المرتفعات كما فعل إسرائيل ، لقد وجدت الممارسات الوثنية الشريرة طريقها إلى حياة الشعب ، لقد دخلت الوثنية صراحة بواسطة أشخاص من أمثال منسى، حتى وصلت إلى تقديم الأطفال ذبيحة لبعل ومولك في وادي بن هنوم ( 7 : 18 ، 19 : 5 ، 32 : 35 ) وعبادة ملكة السموات ( 7 : 18 ، 44 : 19 ) . صحيح أن إصلاحات يوشيا قد اكتسحت أسوأ هذه الشرور ، ولكنها لم تؤد إلى عودة قلبية حقيقية إلى الرب ، ولأن هذه الاصلاحات كانت أكثر ما تكون سطحية خارجية لإرضاء الملك ، وهكذا يدين إرميا الشعب للخطايا السابقة ، ويضيف إليها ذنوب الجيل المعاصر ( 18 : 11 وما بعده ) . ومع هذا النفاق الديني ، جاء الفساد الأخلاقي كعدم الأمانة والظلم واضطهاد العاجزين والنميمة وأمثالها ( انظر الاتهامات في 5 : 1 وما بعده و 7 و 26 ، 6 : 7 و 13 ، 7 : 5 و 9 ، 9 : 2 و 6 و 8 ، 17 : 9 ، 21 : 12 ، 22 : 13 ، 23 : 10 ، 29 : 3 … الخ - وهي اتهامات موجهة إلى القادة الروحيين والكهنة والأنبياء ) .
وقد أعلن إرميا منذ البداية ، أن القضاء القادم قريباً، عقاباً لخطايا الشعب ، سيكون غزو البلاد بواسطة عدو سيجتاحها من الخارج ، كما هو واضح من رؤيا القدر المنفوخة ووجهها من جهة الشمال ، التي رآها النبي في بدء دعوته ( 1 : 13 و 14 ) ، ولم يذكر اسم هذه القوة القادمة من الشمال ، إلا في السنة الرابعة ليهوياقيم ( ص 25 ) حيث تحدد اسم نبوخذ نصر على أنه هو الفاتح المنتصر . ويظن البعض أنه في السنوات الأولي كان السكيثيون في ذهنه عندما تحدث عن الأعداء الذين سيأتون من الشمال ، وبخاصة في الأصحاحات من 4 - 6 ، وقد ذكر هيرودوت أن السكيثيين - قبل دعوة إرميا للنبوةبسنوات قليلة - كانوا قد احتلوا ميديا ثم عبروا أسيا الصغرى واقتحموا طريقهم حتى مصر ، مخترقين كنعان ومارين في مسيرتهم من الشرق إلى الغرب ببيت شان . كما يحتمل أن التخريب الذي أحدثه هؤلاء الناس العتاة ، كان له أثره في اللهجة التي استخدمها إرميا في نبواته ( 4 : 11 ، 5 : 15 ، 6 : 3 و 22 ) ولكن ليس من المعقول أن إرميا لم يتوقع أكثر من النهب والسلب بواسطة جحافل السكيثيين البدو ، فلم يكن للسكيثيين المركبات الموصوفة في ( 4 : 13 ) ، والأكثر من هذا ، ينبغي أن لا ننسي أن إرميا منذ البداية تكلم عن إجلاء شعبه إلى تلك البلاد الأجنبية ( 3 : 18 ، 5 : 19 ) ، بينما لم يكن سبي إسرائيل إلى بلاد السكيثيين في الحسبان . وعلى أي حال ، فمنذ السنة الرابعة ليهوياقيم ، صرح إرميا أن الكلدانيين هم العدو الذي سيأتي من الشمال ( انظر إش 39 : 6 ، ميخا 4 : 10 ، حب 1 : 6 ) . وهناك أيضاًأنبياء آخرون يعتبرون أن البابليين ينتمون إلى مجموعة الأمم الشمالية ( زكريا 6 : 8 ) لأنهم كانوا دائماً يأتون من الشمال ، كما أنهم كانوا الخلفاء الشرعيين للأشوريين .
على النقيض من أدعياء النبوة الذين كانوا يأملون في معالجة الأمور ( 6 : 14 ) ، فإن إرميا - منذ البداية تنبأ بخراب المدينة والهيكل ، وعن نهاية الأمة اليهودية وسبي الشعب بواسطة هؤلاء الأعداء القادمين من الخارج . وبناء على ما جاء في إرميا ( 25 : 11 ، 29 : 10 ) نجد أن مدة السيادة البابلية ( وليس بالضبط مدة السبي ) كانت لا بد أن تستمر سبعين عاماً يعقبها الخلاص من قبضتها . تكرر الوعد بذلك في السنوات الأولي من حياة النبي ( 3 : 14 ، 12 : 14 ، 16 : 14 ) ، كما تكرر أيضاً بكثرة في أثناء الحصار وبعده ( 23 : 1 ، 24 : 6 ، 47 : 2 - 7 ) .
وأهم مايميز النبي إرميا هو تقواه الروحية العميقة ، فمآل العبادة الخارجية إلى الدمار لأنها مظاهر تفتقر إلى روح الاحساس بخوف الله ، فالختان الظاهري لا قيمة له بدون نقاوة القلب الداخلية ، وسيحيق الدمار بالهيكل لأنه أصبح مخبأ للخطاة ، وأصبحت الذبائح بلا قيمة لافتقار الذين يقدمونها إلى الحياة الروحية ، وهذا كله يحزن الله . لقد شجب تفسير شريعة الله وتطبيقها ( 8 : 8 ) ، حتى تابوت العهد لم يعد يعلن مجد حضور الرب . كان لا بد للشريعة أن تكتب على قلوب الناس ( 31 : 31 … الخ ) . وإن كان النبي لا يصف أمجاد زمن المسيا بالتفصيل ، إلا أنه يذكر مراراًأوصافها الروحية في عبارة الرب برنا ( 23 : 6 ، 33 : 16 ) . وعلى كل حال لا ينبغي أن نقلل من قيمة مثالية إرميا ، فقد آمن بعودة حقيقية لسيادة الله عملياً، مثل سائر الأنبياء ( الأصحاحات 31 ، 32 ، 38 - 40 ) .
أما من جهة تعبيرات إرميا النبوية ، فقد كان ذا طبيعة شاعرية ، ولكنه لم يكن شاعراً فحسب ، بل كثيراً ما استخدم أسلوب الرثاء ، ولكنه لم يكن مقيداً به ، بل كان ينتقل بحرية إلى الأوزان الشعرية الأخرى ومنها إلى الأساليب النثرية حسب مقتضى الحال . والنغمة الحزينة الرتيبة التي تنسجم مع رسالته الحزينة ، تتحول أحيانا إلى تعبيرات متنوعة أكثر حيوية عندما يتحدث النبي عن أمم أخرى ، ففي هذه الحال يستخدم تعبيرات الأنبياء السابقين .
خامساً- سفر إرميا : نقرأ عن كتابة السفر لأول مرة في الأصحاح السادس والثلاثين ، وفي الأعداد الأولى منه . ففي السنة الرابعة ليهوياقيم ، وبناء على أمر الرب ، أملى إرميا نبواته التي تكلم بها حتى ذلك الحين ، على تلميذه باروخ ، فكتبها في درج . وبعد أن أحرق الدرج بأمر الملك يهوياقيم ، قام إرميا بإملاء محتوياته مرة أخرى مع بعض الإضافات ( 36 : 32 ) ، وهكذا بدأت كتابة السفر ، ثم زيدت عليه بعض الأقوال الأخرى ، وأجريت عليه بعض التعديلات ، فبينما نجد أحاديث السفر مرتبة تاريخياً- على الأغلب - حتى السنة الرابعة للملك يهوياقيم ، إلا أننا نجد في السفر - كما هو بين أيدينا الآن - ابتداء ( من 21 : 1 ، 23 : 1 ، 26 : 1 .. ) أحاديث من عهد صدقيا ، ومما لا شك فيه أن النسخة الثانية ( 36 : 28 ) احتوت الأصحاح الخامس والعشرين ومعه الخطابات الموجهة ضد الأمم الوثنية التي كانت وقتئذ . إن عدم الترتيب من الوجهة التاريخية - في السفر كما هو الآن - ترجع إلى أن الأحداث التاريخية أو الملاحق الخاصة بخدمة إرميا ، قد أضيفت إلى السفر في أوقات لاحقة مثل الأصحاحات 26 ، 35 ، 36 ، وغيرها . وفي هذه الإضافات نجد أحاديث للنبي من تاريخ أسبق . وبداية من الأصحاح السابع والثلاثين ، نجد قصة النبي في أثناء حصار أورشليم وبعد خراب المدينة .
وهناك تساؤل عما إذا كانت هذه الإجزاء - التي تميل إلى الأسلوب القصصي والتي تبدو أنها من إنتاج شخص معاصر قد يكون باروخ - قد كونت في وقت ما سفراً قائماً بذاته ، ثم أخذت منها أجزاء ، في وقت لاحق ، وضمت إلى سفر إرميا أو أنها أدخلت إليه بواسطة باروخ . وإذا أخذنا بوجهة النظر الأولى ، فإننا نجد ما يؤيدها في أنها ليست دائماً في ترتيبها التاريخي الصحيح ، فمثلاً يعتبر الأصحاح السادس والعشرين جزءاً من خطاب الهيكل في الأصحاحات 7 - 9 . وعلى العموم فإن سفر باروخ هذا - الذي يري بعض النقاد أنه كان سفراً مستقلاًإلى جانب سفر إرميا - لايكوّن قصة حياة مترابطة ، ولا يبدو أنه كتب لمثل هذا الغرض فهو يحتوى على مقدمات لكلمات وأحاديث معينة للنبي ، والنتائج التي أعقبتها ، ولذلك فمن المحتمل جداًأن يكون باروخ - في وقت لاحق - قد قام ببعض هذه الإضافات للسفر الأصلي ، الذي أملاه عليه النبي ، ولعل النبي نفسه قد عاونه في ذلك ، وربما كان إملاء النبي له في بعض المواضع بينتهي بقصة من باروخ ( 19 : 14 - 20 : 6 ) أو يبدأ بها ، إذ يبدو أن باروخ قد كتب مقدمة تاريخية ثم أملاه إرميا النبوة ( 27 : 1 ، 18 : 1 ، 32 : 1 وغيرها ) ومن الطبيعي أن الأجزاء التي جاءت من قلم باروخ تعتبر كتابات صحيحة .
سادساً- صحة السفر ووحدته : ينكر بعض النقاد على إرميا وعلى تلميذه باروخ ، أجزاء معينة من السفر الحالي وينسبونها إلى تاريخ لاحق . ومن هذه الأجزاء 10 : 1 - 16 ، وهو جزء يحتوى على تحذير للذين في السبي من عبادة الأوثان ، والتي - كما يدعون - لا يمكن أن تكولمدينة والمنطقة المحيطة بها العديد من النهم ينكرون - وبدون أي سند - صلة الأصحاح 17 : 19 - 27 بإرميا على أساس أنه لايمكن أن يكون قد خطر على باله التشديد على شريعة السبت . ولكنه على أي حال ، لم يكن محدثاً مثالياً فحسب ، بل احترم أيضاً كل الفرائض والأحكام الإلهية ( انظر 11 : 1 - 8 ) . كما يرفض البعض الأصحاح الخامس والعشرين ، بينما يهاجم آخرون الأعداد من 12 - 14 ومن 27 - 28 من هذا الأصحاح - بصفة خاصة - ولا حجة واضحة لهم في الحالتين . إلا أننا من الجانب الآخر نرى أن العدد السادس والعشرين ، والفقرة الأخيرة من العدد الثالث عشر إضافات لاحقة ، فمن المرجح أن تكون العبارة : كل ما كتب في هذا السفر الذي تنبأ به إرميا على كل الشعوب تذييلاًأضيف إلى النص الأصلي ، وكذلك العبارة في العدد السادس والعشرين : وملك شيشك يشرب بعدهم تعتبر دخيلة ، وكلمة شيشك هنا تعتبر بديلاً لكلمة بابل ( كما جاء في 51 : 41 ) ، ولا توجد هذه الجملة في السبعينية . أما الهجوم على الأصحاحين 30 ، 31 فهو هجوم لا يعتد به . كما لا نجد في السبعينية ص 33 : 14 - 16 وترتبط محتوياته بأجزاء في إرميا تتعرض لهجوم عنيف ، ويعتبر النقاد أن إرميا كان على درجة من الروحانية لايمكن أن يعمل معها على استمرار الكهنوت اللاوي . وفي ص 39 يرون أن الأعداد 1 و 2و 4 - 10 إضافات واضحة لا تنتمي لهذا المكان . وبين الأحاديث ضد الأمم في الأصحاحات من 46 - 51 نجد أن الآيات 46 : 1 - 12 والتي ذكرت قبيل معركة كركميش ، لا يمكن أن تكون غير صحيحة ، كما أن الأعداد 13 - 18 صحيحة كذلك . والحقيقة أن النص قد عاني كثيراً، ولكن ليس ثمة حجج مقبولة ضد النبوات الواردة في الأصحاحات 47 ، 48 ، 49 ، إذا افترضنا أن إرميا أكّد مرة أخرى بعض أقواله ضد الأمم الوثنية والتي يبدو أنها لم تتحقق تماماً في وقته ، أما الأقوال في الأصحاحين 50 ، 51 ضد بابل ، فإنها تحمل طابع إرميا ، وهو طابع أقوى من الشكوك التي لا يغفل وزنها . أما الأحداث في 51 : 59 … الخ والتي ليست مجالاً للتساؤل ، فإنها تفترض وجود أقوال مسهبة سابقة لإرميا ضد بابل ، والأرجح أن كتابة هذه الأقوال - كما هي مدونة بالسفر الذي بين أيدينا - يرجع تاريخها إلى ما بعد 586 ق.م ، كما أنه لا يمكن اثبات وجود أي أثر لإشعياء التثنوي أو لأي كتبة لاحقين في سفر إرميا ، أما الأصحاح 52 فيبدو أنه اقتبس من سفر الملوك حرفياً تقريباً( 2 مل 24 ، 25 ) .
سابعاً- الترجمة السبعينية للسفر : هناك مشكلة تتعلق بالمقابلة بين نص سفر إرميا في العبرية والترجمة السبعينية له ، فالصورة العبرية للسفر لا تختلف عن اليونانية في مادتها أكثر من أي سفر من أسفار العهد القديم الأخرى فحسب ، بل تختلف في الترتيب أيضاً، فالأقوال المختصة بالشعوب الوثنية ( اصحاحات 46 - 51 ) موجودة في السبعينية في سياق الأصحاح الخامس والعشرين وفي ترتيب مختلف تماماً( انظر مثلاً49 : 35 وما بعده حتى 46 و 50 و 51 ، 47 : 1 - 7 ، 49 : 7 - 22 ، 49 : 1 - 5 و 28 - 33 و 23 - 27 و 48 ) . وبالإضافة إلى هذا فإن القراءات في كل السفر تختلف في كثير من الحالات ، فالنصوص السبعينية ، بصفة عامة ، أقصر و اكثر تركيزاً. كما أن كلمات النص اليوناني أقل من النص العبري المعترف به بحوالي 2700 كلمة عبرية ، وبذلك يكون أقل من النص العبري بمقدار الثمن ، أما فيما يختص بادراج الأقوال ضد الشعوب الوثنية في الأصحاح التاسع والعشرين ، فإن الترتيب اليوناني - بكل تأكيد - ليس أكثر أصالة من الترتيب العبري ، لأنه يمزق الأجزاء المترابطة في الأصحاح الخامس والعشرين ، ويحتمل أن يكون هذا قد حدث نتيجة لسوء الفهم ، فقد اعتبرت كلمات ص 25 : 13 إشارة إلى أنه هنا تأتي الأقوال ضد الأمم الوثنية . كما أن ترتيب هذه الأحاديث في النص اليوناني لا يأتي طبيعياً كما في النص العبري . أما بالنسبة للنص ذاته ، فيظن البعض أن النص في السبعينية يستحق التفضيل بالنسبة لإيجازه ، وأن النص العبري قد زيد بما أضيف إليه . والترجمة اليونانية - بوجه عام - غير دقيقة ، ويغلب أنها تمت بدون فهم دقيق للموضوع ، وهناك ما يدعو للأعتقاد بأن المترجم قد اختصر النص ، حيثما ظن أن أسلوب إرميا كان شديداً، وحيثما واجه أشياء متكررة فرأى أن يحذفها ، أو عمد إلى ذلك عندما اعترضته مشاكل في الموضوع أو في اللغة . ومع ذلك لا ننكر أن ترجمته - في مواضع كثيرة - يمكن أن تكون صحيحة وأن تكون قد حدثت إضافات إلى النص العبري .
إرميا : رسالة إرميا :
أولاً- العنوان : وهو حسب المخطوطتين الفاتيكانية والإسكندرانية رسالة إرميا ولكن يوجد بالمخطوطة الفاتيكانية وغيرها عنوان إضافي لتقديم الرسالة : نسخة من الرسالة التي أرسلها إرميا إلى المسبيين إلى بابل بواسطة نبوخذ نصر ملك البابليين ، وليعلمهم بما أمره به الرب أما مايلي ذلك ، فهو ليس رسالة بل عرضاً تهكمياً لحماقة عبادة الأوثان . أما فكرة تقديمها كرسالة من إرميا ، فمرجع ذلك قد يكون ما جاء بإرميا 29 : 1 … الخ .
ثانياً- قانوينة الرسالة وقيمتها : كان الآباء اليونانيون الأوائل ، يميلون - بوجه عام - إلى اعتبار الرسالة جزءاً من الأسفار القانونية ، لذلك تذكر في قوائم الأسفار القانونية لأوريجانوس وأبيفانيوس وكيرلس الأورشليمي وأثناسيوس ، وعليه فقد اعترف بها رسميا في مجمع لاودكية ( 360 م ) .
ثالثاً- مضمون الرسالة : يبين الكاتب بطلان وشر العبادة الوثنية ، وأن اليهود - بسبب خطاياهم - سيسبون إلى بابل حيث يبقون هناك سبعة أجيال ، وفي تلك البلاد سيتعرضون لعبادة آلهة تلك الشعوب . وواضح أن هدف الكاتب هو أن يحذرهم مقدماً بإثبات عجز الأصنام التي يعبدونها ، وعدم نفعها ، وكذلك سخف وفساد طقوس الديانة البابلية . ونرى حواراً مماثلاً لهذه الرسالة في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس ( انظر مثلاًإش 44 : 9 - 19 - وهي تماثل رسالة إرميا في حزمها ، إرميا 10 : 3 - 9 ، مز 115 : 4 - 8 ، مز 135 : 15 - 18 ، الحكمة 13 : 10 - 19 ، 15 : 13 - 17 ) .
رابعاً- لغة الكتابة الأصلية : يتفق رأي كل العلماء على أن رسالة إرميا كتبت أصلاً باليونانية فليس بها أي دلائل على الترجمة ، كما أن أسلوبها اليوناني جيد على وجه العموم ، وتكثر فيها الأساليب البيانية التي تتميز بها اللغة اليونانية لشمالي مصر في بداية الحقبة المعاصرة ، ولا يوجد أي أثر لأصل عبري رغم ما فهم خطأ من أن أوريجانوس قد ذكر وجود هذا الأصل في عصره . أما الكتَّاب الرومانيون فيدافعون عن وجود أصل عبري ويشيرون إلى بعض التعبيرات العبرية ( عدد 44 ) وكذلك استخدام زمن المستقبل بدلاً من الماضي ، ولكننا نجد ذلك أيضاً في الكتابات الهيلينية اليونانية .
خامساً- الكاتب وزمن الكتابة وغرضها : يمكن الجزم بأن كاتب الرسالة كان من مواطني الإسكندرية الذين عاشوا فيها في نهاية القرن الأخير قبل الميلاد ، كما أن اللغة اليونانية للرسالة والإشارة إلى الديانة المصرية ( عدد 19 حيث تذكر وليمة الأنوار في سايس المذكورة في هيرودوت ) ، وكذلك التلميح إلى رسالة إرميا في المكابيين الثاني ( 2 : 2 ) ، كل هذه تجعل الاستنتاج المذكور آنفاً، محتملاً جداً. ولقد كان في ذهن الكاتب الأخطار المحيطة بديانة قومه من الريفيين بسبب الأشكال الخلابة لعبادة الأصنام ، التي كانت تذخر بها الإسكندرية .
وبالقطع لم يكن إرميا هو المؤلف لأن الرسالة كتبت أصلاً باليونانية كما أنها لم تشكل مطلقاً جزءاً من الأسفار العبرية القانونية ، كما أن أسلوب معالجتها للموضوع أقل بكثير من مستوى كتابات النبي المسلَّم بصحتها .
سادساً- النص والترجمات :
1- اليونانية : وهي موجودة بصفة خاصة في المخطوطات الرئيسية للترجمة السبعينية ( المخطوطات ذات الحروف المتصلة ) .
2- السريانية : البشيطة ، وهي شبيهة باليونانية ولكنها أكثر تحرراً، وقريبة جداً من النسخة الفاتيكانية .
3-اللاتينية : جاءت ترجمة الفولجاتا من اليونانية مباشرة ، وهناك ترجمة لاتينية مختلفة نشرها ساباتييه في كتابه فرائض الكتاب المقدس وهي أكثر تحرراً من الفولجاتا .
هناك أيضاً ترجمات عربية ( تتبع المخطوطة الإسكندرانية ) والقبطية ( طبعة 1810 ) والأثيوبية ( طبعة دلمان 1894 ) .
إرميا - مراثي إرميا
أولاً- الاسم : المراثي اسم جمع أطلقه التقليد على خمس مراث موجودة في الأسفار العبرية القانونية ، وهي رثاء لمصير أورشليم الخربة . ويطلق معلمو اليهود على هذا السفر الصغير اسم إكها أي كيف ، وهي الكلمة التي تبدأ بها المراثي في العبرية ( وكذلك في العربية ) . أما السبعينية فتطلق عيه اسم المراثي تبعاً لموضوعه .
ثانياً- شكل السفر : يحتوي هذا السفر الصغير على خمس مراث ، تكون كل مرثاة منها أصحاحاً، وتتميز الأربع الأولي بالاستخدام العرضي للحروف الهجائية ( أي أن يبدأ كل بيت من القصيدة بحرف من الحروف الهجائية حسب ترتيب الأبجدية العبرية ) ، وبالإضافة إلى هذا فإن أوزان الرثاء الشعرية تميز هذه المراثي ، فتأتي شطرة طويلة من ثلاثة أو أربعة مقاطع ، تتبعها شطرة أقصر من مقطعين أو ثلاثة . ففي الأصحاحين الأول والثاني ، تبدأ كل ثلاث شطرات بنفس الحرف من الحروف الهجائية ، ولكن في الأصحاح الرابع تبدأ كل شطرتين بنفس الحرف ، أما في الأصحاح الثالث فتبدأ كل ثلاثة أبيات بنفس الحرف ، وكل بيت منها يتكون من شطرتين تبدأ كل منهما بنفس الحرف . أما في الأصحاح الخامس فنجد أن بعض الحروف الهجائية ناقصة ، ولكن عدد المجموعات الزوجية للأبيات يتفق مع عدد الحروف في الأبجدية العبرية ( أي 22 حرفاً) . وفي الأصحاحات 2 و 3 و 4 يأتي الحرف العبري عين بعد الحرف العبري ف كما في مزمور 34 . أما الأصحاح الأول فيتبع الترتيب الأبجدي المعتاد .
ثالثاً- محتويات السفر : تتحدث المراثي الخمس عن الكارثة القومية التي حلت باليهود وبصفة خاصة بالعاصمة أورشليم على يد الكلدانيين ( 587 - 586 ق.م ) فتصف المعاناة والقلاقل التي حلت بالمدينة ، والخراب الذي أصاب الهيكل ، وقسوة أعداء إسرائيل وتعييراتهم ، وبخاصة من الأدوميين ، والهوان الذي حل بالملك والأشراف والكهنة والأنبياء ، وما سببته خطاياهم من دمار البلاد وخرابها . وجاء هذا الوصف مشفوعاً بالتوسل طلباً لرحمة الله . وهنا لايمكن أن نتوقع تتابعاً دقيقاً للأفكار في المشاعر الحزينة ولا في الشكل ، فنجد تكراراً كثيراً، ولكن كل مرثاة تبين وجهاً خاصاً من وجوه الكارثة . ويعتبر الأصحاح الثالث فريداً في نوعه ، ففيه يصف آلامه الشخصية مرتبطة بالكارثة العامة ، وبعد ذلك يبدأ - باسم الجماعة - مزموراً للتوبة . إن شدة معاناة الكاتب لم تكن بسبب خطاياه الشخصية بقدر ما كانت بسبب فجور شعبه . ولم تكتب هذه القصائد في أثناء الحصار ، بل كتبت فيما بعد ، في وقت كان الشعب مازال يذكر بوضوح المعاناة والآلام التي تميز بها ذلك الوقت ، وكذلك عندما كان سقوط أورشليم مازال حياً قوياً في أذهانهم .
رابعاً- كاتب السفر : يجمع التقليد اليهودي على أن إرميا هو كاتب السفر . وقد وجدت هذه القصائد نفسها بغير اسم كاتبها في بعض المخطوطات العبرية ، بينما وجدت عبارة إضافية في نسخة من السبعينية ، نستنتج من أسلوبها العبري أنها كانت موجودة في الأصل الذي ترجمت عنه ، وهذه العبارة تقول : حدث بعد أن سبي إسرائيل ، وتركت أورشليم خراباً، جلس إرميا يبكي ، ونطق على أورشليم بهذه المرثاة ، فقال … كما يذكر في الترجوم أيضاًأن إرميا هو الكاتب ، كما لا يشك معلمو اليهود وآباء الكنيسة في هذا الأمر . كما يعتقد جيروم ( ويخاصة مما جاء في زكريا 12 : 11 ) ان ما جاء في الأخبار الثاني ( 35 : 25 ) يشير إلى هذه المراثي ، كما يذكر يوسيفوس نفس الشيء . فإذا كان الأمر كذلك ، فيكون كاتب سفر الأخبار قد اعتبر أن هذه المراثي قد كتبت بمناسبة موت يوشيا ، ولكن لا يمكن أن ينسب إليه مثل هذا من إساءة الفهم ، فلا شك أنه عرف ذلك النوع من المراثي ولكنها فقدت فيما بعد . على كل حال ، لقد كان إرميا بطبيعته مطبوعاً على كتابة هذا النوع من المراثي كما هو واضح من سفر نبواته .
ولم يثر التساؤل عن حقيقة كتابة إرميا لهذه المراثي ، إلا في العصور الحديثة ، فإن الكثيرين من النقاد ينكرون على إرميا ذلك ، ويقدمون حججاً مبنية على الشكل والمادة ، فمع أن لغة المراثي تشبه كثيراًأحاديث إرميا ، إلا أنه - في نفس الوقت - توجد اختلافات كثيرة . أما القول بأن خطة الشعر الأبجدية غير جديرة بإرميا ، فإنما هو انحياز ضده ، سببه اختلاف التذوق عنه في عصرنا الحاضر ، فواضح أن شعراء العبرية قد استخدموا هذه الأساليب زمناً طويلاً، لأنها تساعد على الحفظ في الذاكرة ، ومن المحتمل أنه لم يستخدم هذا الأسلوب في فترة المعاناة الحادة عند خراب أورشليم ، بل كتبها في وقت لاحق بعد تلك الكارثة العظيمة . كما زعموا أن وجهات نظر إرميا تختلف تماماً في مادتها عن تلك التي لمؤلف أو مؤلفي هذه المراثي ، كما يقولون إن إرميا ينبر في نبواته على أن خطية الشعب كانت سبب الكارثة ، بأكثر وضوح مما في هذه القصائد التي ترثي مصير الشعب ، وترجع بالسبب في ذلك إلى خطايا الآباء ( 5 : 7 ) وهو أمر - كما يزعمون - لا يقبله إرميا ( 31 : 29 … الخ ) . ولكننا نجد خطية الشعب وغضب الله المترتب عليها ، في هذه القصائد أيضاً، ولا ينكر إرميا وجود شيء من الذنوب الموروثة ( 31 : 29 وما بعده ) ، بل إنه يعلن أن الأمور في المستقبل السعيد ستكون مختلفة في هذا المجال . كذلك ينبغي ألا ننسي أنه إذاكان إرميا هو كاتب هذه القصائد ، فهو لا يتحدث بها كالنبي الذي يشتكي على شعبه ، بل كمن يتحدث بمشاعره البشرية وإن كانت لا تفتقر للذكريات النبوية ( مراثي 4 : 21 … الخ ) ففي هذه القصائد يتحدث من قلب يحب أورشليم وشعبه ، ويقدم صلواته الكهنوتية الشفاعية ، التي لم يكن له أن يتقدم بها عندما كان يعلن قضاء الله على إسرائيل . ومع أنه كنبي اضطر أن يعلن قضاء الله على الملك ، إلا أنه لا يمكن تجاهل إظهاره لاحترامه لذلك الملك سيء الحظ ، الذي أعطاه الله هذا المركز العظيم ( مراثي 4 : 5 ) واشفاقه الشديد على يهوياكين ( إرميا 22 : 24 و 28 ) وهكذا نرى أنه لا يوجد اختلاف جوهري في المشاعر بين السفرين .
ومن الناحية الأخرى ، لابد أن نواجه صعوبة خطيرة إذا قلنا إن إرميا ليس هو كاتب المراثي ، وذلك في شجب المراثي لأنبياء أورشليم ( 2 : 14 ، 4 : 13 ) ، فكيف يمكن تجاهل النبي العظيم الذي أعلن هذا الخراب ، إذا لم يكن هو نفسه كاتب هذه التعبيرات العاطفية ، ففي سفر نبواته تحدث عن أولئك الأنبياء بنفس هذا الأسلوب تماماً. يضاف إلى هذا أن الأصحاح الثالث من المراثي يضطرنا إلى الجزم بأن إرميا هو الكاتب بسبب الآلام الشخصية الموصوفة هنا . فبمقارنة 3 : 14 و 35 و 37 و 61 و 63 ، لا نجد شخصاًآخر تتجه إليه الأنظار في تلك الظروف مثل إرميا ، وبخاصة أنه لم يكن مذنباً. أما القول بأن المتحدث هنا ليس فرداً بل الأمة كلها في صيغة المفرد ، فأمر غير محتمل بل بالحري من المستحيل كما تدل بعض الأجزاء ( العددان 14 و 48 ) .
ومن هذا نرى أن هذا السفر الصغير يقترن تماماً بشخصية إرميا . ومتى كان هو نفسه الكاتب ، فلا بد أنه قام بهذا العمل في شيخوخته عندما كان لديه الوقت ليستعيد ذكريات الامه وآلام شعبه . والأرجح أيضاً- وبخاصة بسبب لغته الشعرية - أن يكون تلاميذه قد وضعوا السفر في شكله الحالي ، في تعبيرات عاطفية مؤسسين ذلك على أسلوب الرثاء الذي كان يتمز به إرميا ، وبذلك يمكن فهم أساس الأصحاح الثالث الذي لا يمكن أن يكون أقوالاً مزيفة له ، إذ لو كانت كذلك ، لبدا الطابع الشخصي في تعبيره أكثر وضوحاً، ويرجح أيضاًأن يكون قد جمع من أقواله العديدة .
أما في الأسفار العبرية القانونية ، فقد وضع هذا السفر مع المزامير في القسم الثالث المسمى الكتوبيم ( أي الكتابات المقدسة ) ، وقد الحقت الترجمة السبعينية هذا السفر بإرميا أو بالحري بسفر باروخ الذي جاء بعد إرميا مباشرة . أما العبرانيون فيحسبونه من أسفار الميجولوت أو الدرج الخمسة التي تقرأ سنوياً في أيام الذكريات الخاصة ، فيوم التاسع من شهر آب هو يوم المراثي ، يوم احتراق الهيكل . أما في الكنيسة الكاثوليكية ، فإنه يقرأ في الثلاثة الأيام الأخيرة من أسبوع الآلام .